أحداث ثقافية أخرى
«مفتاح» يجمع شتات السينما الفلسطينية
درب حبيب
الإثنين 15 تموز 2024

عبر «مفتاح» فقط، نجح فيلم قصير بسيط ومخلص في جمع شتات السينما الفلسطينية، عبر اجتماع لغة المخرج الفلسطيني ركان مياسي، الذي وُلد في ألمانيا ويعيش في بلجيكا، مع نص الكاتب الفلسطيني أنور حامد، الذي وُلد في عنبتا في الضفة الغربية ويعيش في لندن، وبمشاركة طاقم يجمع أفراداً من فلسطين التاريخية وشتاتها. نجح أيضاً في الجمع بين الفني والسياسي ومصلحة كثيرين منّا مع إشكالات التزام السينما الفلسطينية بالرؤية والممارسة السياسية، وروى عطشاً وشوقاً كبيرين.في العلن، لا تزال الأصوات صادحةً متحدةً في ما يخص أهمية إنتاجات السينما الفلسطينية في الساحة الوطنية السياسية والعالمية، بفضل مجموعة من الأفلام والمخرجين والمخرجات الذين لعبوا أدواراً غاية في الأهمية في سياقات ومدد زمنية مختلفة. علّم هؤلاء شعوب العالم ومدّوا الجسور مع الواقع الفلسطيني، وتألقوا في الإنتاج الفني كما في المضامين للتعريف بالقضية ونصرتها.
 
إلا أن هناك نقاشاً آخر أثير في السنوات الأخيرة، يتعلّق بالجدوى الفعلية في إنتاج أعمال سينمائية فلسطينية في ظل استمرار واقع القتل والتشريد والتجويع والاحتلال الممتد منذ عقود، وهو نقاش محتدم بين أهل المهنة في ما بينهم وبين آخرين من خارجها، إلا أنه لا يزال في العتمة. أضف إلى ذلك أنّ كثيراً من الإنتاجات في السنوات الأخيرة، لم تكن بالمستوى اللائق بفلسطين وقضيتها، وأثارت التساؤلات مراراً وتكراراً حول أهمية الفيلم الفلاني، أو موارده المادية، أو مستوى نجاح آخر في عرض الواقع أو في التسلّق عبره لولوج المشهد العالمي فقط. وفي الوقت الذي يستمرّ فيه المخرجون /ات بالتمسّك بوطنية الأفلام ومناهضة مبدأ للفن من أجل الفنّ، يتواصل استقطاب أجهزة الترويج والإعلام وإمكاناتها المتميزة في إقناع الناس بعكس ما تشاهده العين وتسمعه الأذن وتدركه الأدمغة. لذا لا تزال حال السينما الفلسطينية تستدعي أيضاً قسطاً لا بأس به من الألم والغضب والحزن والحاجة إلى المقاومة والتحرير. ثم يُعرض على الشاشات فيلم صغير قصير هادئ يعيد إلى القلب ابتسامةً ويجدد الأمل في عالم الزيف والفراغ المتسارع مع التكنولوجيا والرقميات والعصرية، ويعيد إلى أحد الرموز الفلسطينية التاريخية وما يحمله من كنوز، حقّه ومكانته وعلوّه. هو فيلم يُلزم مشاهديه المتعة ويشحنهم بالحلم، ويحسم النقاش العبثي الذي عادة ما ينساق إليه الجمهور، علناً أو خفية، في أفلام أخرى، لنصرة طرف (من أطراف الفيلم المختارة) على آخر، ليجد المشاهد نفسه منساقاً للقبول بحتمية «الواقع» وقتل الحلم.
 
 
يتحدث فيلم «المفتاح» (18 د ــ 2023) عن أرواح تعود إلى فتح أبواب بيوتها الأصلية، التي تحولت إلى مساكن للعوائل الإسرائيلية. قصة بسيطة، ببساطة قصة شعب فلسطين الأولى، مستوحاة من قصة للكاتب الروائي والصحافي أنور حامد، نُشرت ضمن مجموعة قصص قصيرة لإثني عشر مؤلفاً/ة في كتاب «فلسطين 100+ :حكايات من قرن مضى على النكبة». نُشرت القصة باللغتين العربية والإنكليزية ثم الايطالية ضمن كتاب حمل عنوان «فلسطين 2048»، كما نُشرت كملحق لرواية «غريب» للكاتب نفسه في عام 2021، إلى أن استوحى المخرج ركان مياسي منها فيلمه الرائع الذي اكتمل بإنتاج فلسطيني، وفرنسي، وبلجيكي، وقطري عام 2022 وأبدع في غضون ثماني عشرة دقيقة فقط في طرح حكاية صورية محكمة، وحلول تقنية وسياسية.
 
 
عبر طاقم محترف من الممثلين والممثلات الذين أبدعوا بأدائهم باللغة العبرية لتقديم قصة عائلة إسرائيلية تنقلب حياتها رأساً على عقب مع عودة السكان الأصليين إلى بيوتهم، نسجت القصة في فيلم أقل ما يقال عنه بأنه ذكي، متميز، في مساحات افتقرت إلى حضور يوَلِّف بين الطرح الفني والفكري الوطني في عمل واحد بسيط حد الحنكة، وفنّي بعمق الروح.
 
 
إنّ إتقان فلسطينيي الـ 48 اللغة العبرية كلغة ثانية ليس بالأمر الجديد، وقد سبق أن أدى هؤلاء الممثلون/ت وغيرهم أدواراً باللغة العبرية من إنتاجات عالمية أو إسرائيلية، لكن لهذا الفيلم القصير وقع آخر بما يجعله بلا شك بدايةً لموجة سينمائية جديدة وخطاباً سينمائياً فلسطينياً جديداً ينتصر على تأطير فلسطيني الـ 48 متحدثي اللغة العبرية كلغة ثانية في أدوار يحكمها الطرح السياسي المتخاذل أو العنصري، أو تلك التي تشي بتعاون ما مع خطاب العدو، أو تلك التي تتّسم بالأنانية والمصلحة الشخصية التي تضرب الهمّ العام بعرض الحائط، أو على الأقل تلك المتصفة، وبحق، بضياع البوصلة وعدم النجاح في كثير من الأحوال في ترجمة خصوصيتهم وتميزهم. لكن بفضل السياق الفيلمي السينمائي في «المفتاح» تم تطويع اللغة الاستعمارية التي اضطر الفلسطينيون في الداخل إلى التمثّل بها لسنوات قسراً، كما والمعرفة والتجربة الحياتية، تقدّم راكان بحلول لدمج اللغة العبرية والحديث عن الإسرائيليين والكيان وتمثيلهم من دون الوقوع في فخ التطبيع، أو تعارض مع أخلاقيات ونهج المقاطعة، فيما تألق كل من صالح بكري، وجورج ابراهيم، ولنا حاج يحيى وندى زعبي بأدائهم المحترف وإتقانهم ليس فقط للغة بل لروح الشخصيات التي تقدّمها بمرونة وأناقة لافتة.
 
 
لم يجحف الفيلم في حق الشخصيات «الإسرائيلية» بل أكرم راكان وطاقمه من الممثلين والتقنيين شخصيات الفيلم عكس الاستعلاء والعنصرية التي تتميز بهما صورة الفلسطيني النمطية في السينما الإسرائيلية، وهي لا تقتصر عادةً على ركاكة شخصية الفلسطيني المطروحة ودونيتها فقط، بل تمتد إلى أساليب تقديمها عبر الماكياج واللباس والإضاءة وجمال البيوت. وبهذا يعلن المخرج أنّ الاعتراف بعصرية الآخر لا تنقص من قيمته ومعرفة وحشية الآخر لا تحتّم عليه التحول إلى وحش كي يحاربه وينتصر عليه، وأن تقليد العدو واستعمال أسلحته وأساليبه يقزّم الفروقات بين المعسكرين ويزيد من نقاط الالتقاء والتشابه بينهما، ما يجعل خسارة المعركة حتمية.
 
 
وأخيراً لا بد من تحية إلى شجاعة المنتجين الذين ثابروا حتى إخراج هذا العمل إلى النور. فقد نال إنتاج الفيلم نصيبه من الصعوبات والعراقيل التي سبّبتها جائحة كورونا، إلا أنها لم تكن أكبر مصاعبه. فإن كان إنتاج أي عمل سينمائي فلسطيني حر هو عمل مضن يحتاج إلى سنوات طويلة وجهد مضاعف بالمقارنة مع إنتاج أفلام أخرى، فإن الخطاب الشامخ الذي يحمله الفيلم فكرياً سينمائياً وإنتاجياً، وامتناعه بطبيعة الحال عن المشاركات والأموال الصهيونية ومطباتها، جعل عملية الإنتاج معقدة جداً. إلا أن الطاقم نجح في مساعيه، وهذا هو الأهمّ.
 
 
المصدر: الأخبار