أحداث ثقافية أخرى
رجل الدولة المنتجة والعادلة
ليا بو خاطر
الخميس 15 آب 2024

دولة منتجة وعادلة. هكذا أجاب جورج قرم في إحدى مقابلاته الأخيرة على سؤال حول تصوّره للبنان كمشروع دولة. هاتان الكلمتان البسيطتان تعكسان وضوح رؤية قرم حول ما منع قيام دولة لبنانية. مشكلة لبنان منذ قيام المشروع كانت ولا تزال غياب الإنتاج والعدالة. هكذا، بكل بساطة، بكل موضوعية، وبكل دقة.
 
وهذا تُرجم في مسيرة قرم خلال وبعد شغله لمنصب وزير المال في حكومة سليم الحص 1998-2000 في مناهضته سياسات النيوليبرالية التي غزت العالم في التسعينيات. كان يدقّق شخصياً في أرقام وبيانات مصرف لبنان والمصارف اللبنانية شهرياً على مدى سنوات وحتى الانهيار الكبير، محذّراً منذ بداية مشروع إعادة الإعمار من السياسات المالية المبنية على الاستدانة وتراكم الدين العام والمقامرة في مستقبل مالية الدولة والإدمان على «التسوّل» للمساعدات. كان من الأصوات القليلة التي لم تنسَق من قبل الطغمة المالية التي روّجت لاقتصاد ريعي غير منتج وطبعاً غير عادل. تكلّم كثيراً ومن دون ملل ووثّق في كتابه «لبنان المعاصر: تاريخ ومجتمع» مظلومية «الإبادة المعمارية» للعاصمة بيروت. رغم كل الظروف ومختلف المنعطفات التي مرّ بها لبنان، مكث هذا الرجل الكبير متفائلاً بمستقبل لبنان مؤمناً بقدرات هذا البلد على الاستقلالية والنهوض بنفسه على فكرة دولة ذات اكتفاء ذاتي. هذا التفاؤل ليس وهماً ولا سراباً بل حقيقة لنا وللأجيال القادمة.
 
 
لا تقتصر أعمال جورج قرم على لبنان وهو قد شرح أهمية الفكر النقدي العربي وشرح عملية تهميشه كما مطوّلاً في «تاريخ الشرق الأوسط - من الأزمنة القديمة إلى اليوم». في صفوفه الجامعية، لم تخب حماسته في تعليم تلاميذه مناهضة الفكر الاستعماري في القراءة والمنهجية والكتابة.
 
 
بمجرد أن يكون مكتب وزير مال سابق مفتوحاً لفريق عمله على مصراعيه حتى لشابة في أول يوم من حياتها المهنية، كانت بالنسبة إلي أول ما أبهرني في شخصية جورج قرم. لكن هذا التواضع والشفافية والثقة بأن ليس هناك أي شيء ليخبّئه ليست الصفات الوحيدة التي جعلت جورج قرم مصدراً للإلهام؛ كان مثابراً ودقيقاً وصارماً مع نفسه قبل غيره في الفكر والممارسة والتعامل. كما كان شديد الإصرار على استقلالية أعماله ومواقفه مهما كلّفه الأمر. كالكثير من تلامذته ومن عملوا معه، أدين له بالمعرفة والقيم الجوهرية التي هي جزء من إرث هذا الرجل. لذلك بعد 24 عاماً من نهاية مهامه في الدولة اللبنانية، وعند كل لقاء مع الدكتور جورج قرم، كان يقترب المحبّون لإلقاء التحية أينما كان ويردّدون له أنه وزيرهم المفضّل.
 
 
المصدر: الأخبار