معرض يستعيد 75 عاماً من الاستعمار الدموي: «غزّة»... وقاتلت طوابير الدبابات وصمدت صمود الأنواء!
رنا علوش
الجمعة 9 آب 2024
تحت عنوان «غزّة»، جمعت «مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة» أعمالاً تعود إلى أكثر من أربعين فناناً من القطاع وآخرين تناولوا الأرض المنكوبة في أعمالهم. لوحات زيتيّة ومنحوتات وبوسترات وأعمال فيديو ترصد الظلم التاريخي الذي لحق بهذه البقعة من الأرض، تحت تلفيقات دينية وأيديولوجية بهدف تعويم السردية الاستعمارية.
السردية الاستعمارية القائمة على تلفيقات دينية وأيديولوجية تربط ما بين «الأرض المقدّسة» التي وعد بها بلفور يهود العالم وهوليوود! تحتلّ هذه «الأرض المقدّسة» صلب عمل الفنّان الفلسطيني حازم حرب الذي أضاف حروفاً مقطعيّة إلى صورة منظر طبيعي من الأراضي الفلسطينيّة. حروف تشكّل كلمة HOLLYLAND، فيما كتب الكلمة بالنمط الحروفي الذي تكتب به كلمة HOLLYWOOD في أعلى جبال سانتا مونيكا. حرب الذي اعتقل الاحتلال الإسرائيلي والده السبعيني رياض حرب في شباط (فبراير) 2024، وعذّبه أثناء الأسر، بقي يقاوم بأعماله المفاهيميّة التي لا تحتاج إلى الكثير من العناصر لإيصال فكرتها الأساسيّة. في عمله الموضوع في الطبقة الأولى من معرض «غزّة»، الذي افتتحته «مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة» أخيراً، يشير الفنّان إلى تشابه الأحرف بين الاسمين، لتصبح الأراضي المقدّسة منافسةً لهوليوود القائمة على ترويج الأكاذيب والسرديّة الاستعماريّة.
يضمّ معرض «غزّة» أعمالاً تعود إلى أكثر من أربعين فناناً من غزّة وآخرين تناولوا الأراضي المنكوبة في أعمالهم. يحتل المعرض، طبقتين من مبنى المؤسسة القائم في بيروت، ليستعرض لوحات زيتيّة ومنحوتات وبوسترات وأعمال فيديو قصيرة (Video Art)، مختارة من مجموعتَي المؤسسة و«دار النمر» بمساهمة من «المتحف الفلسطيني» وجامعة الأعمال الفنيّة رولا العلمي. تحمل الأعمال المشاركة توقيع كلّ من: أريج قاعود، وأسامة بعلبكي، وأمجد غنام، وأمل النخالة، وإنغريد رولما، وإبراهيم المزين، وبطرس المعرّي، وتمام الأكحل، وتيسير بركات، وتيسير البطنيجي، وجهاد جربوع، وحازم حرب، وحسين ماضي، وحسين ناصر الدين، وخالد جرادة، ودينا مطر، وضياء مراد، ورائد عيسى، ورانيا ستيفان، وساهر نصار، وسلمان النواتي، وشادي الزقزوق، وشريف سرحان، وشيرين عبد الكريم، وشيماء حسنين، وسمية صبيح، وعبد الرحمن المزين، وعمران القيسي، وعيسى ديبي، وفايز الحسني، وفتحي غبن، وفوزي العمراني، وكامل المغني، وليلى الشوا، وليلى حمزة، وماهر ناجي، ومحمد أبو سل، ومحمد الحواجري، ومحمد الركوعي، ومحمد جحا، ومحمد المفتي، ومريم صلاح، ومؤيد أبو أمونة، ونيل وود، وهاني زُعرب، وهاني علقم، ووائل السوسي ووسيم السعدي.
في ظلّ الإبادة الصهيونية المستمرة بحقّ قطاع غزّة، تتواصل الأنشطة الثقافيّة والاجتماعيّة والفنيّة التضامنيّة التي تحاول إعلاء الصوت بوجه العدوان الذي لم يكتف بالمجازر الدمويّة المرتكبة حتّى اليوم. قد تختلف المبادرات الفنيّة القائمة، بالأسلوب الذي تفضّل اتباعه في التعبير عن تضامنها، فبعضها تأتي من أجل التوثيق، وأخرى تأتي من أجل جمع التبرعات الماليّة عبر بيع الأعمال الفنيّة، بينما تأتي مبادرات أخرى من أجل التعبير عن رفض الظلم والعنف المستمرين.
أمّا هذا المعرض، فيأتي من أجل «الحفاظ على الإنسانيّة». على أحد جدران المعرض، طبعت رسالة من المؤسسة، تشير إلى أنّ «هذا المعرض الفنّي ليس عاديّاً، وليس نشاطاً تضامنيّاً مع غزّة، وأيضاً ليس وقفة احتجاجيّة أمام السفارات أو وزارات الخارجيّة أو المكاتب الرئاسيّة أو في ساحات العواصم، وإنما هو محاولة متواضعة جدّاً للحفاظ على إنسانيتنا ولإثبات أننا أحياء، وأننا نستطيع أن نستعيد دورنا في الحفاظ على ما تبقى من حياة، لننطلق ونُبعث من جديد؛ أحياءٌ بالفعل والعمل والسعي إلى وقف الإبادة، وليس فقط بالصلاة والدعاء. هذا المعرض ننظّمه لنتذكر سوياً أن لنا في فلسطين بصورة عامة، وفي قطاع غزة بصورة خاصة، صديقات وأصدقاء فنانين استشهدوا، إلى جانب الأطباء والمعلمين والعمال والطلاب ورجال الإطفاء والصحافيين... وأن لنا صديقات وأصدقاء جُرحوا وشُرِّدوا وانتُزعوا من بيوتهم وأُسَرهم ومن قراهم ومدنهم. كما لنا صديقات وأصدقاء قُصفت مراسمهم ومشاغلهم ومكاتبهم، ودُمرت أعمالهم الفنية التي هي حصيلة إبداعهم. هناك لنا صديقات وأصدقاء قصفت الطائرات والدبابات والبوارج آمالهم وأحلامهم بحياة شبه طبيعية، وبمستقبلٍ خالٍ من الحصار سمته الأولى الحرية، ولا شيء غير الحرية».
عبر هذا النصّ الملصق، تؤكّد المؤسسة، التي تعدّ من أولى المؤسسات التي وثّقت القضيّة الفلسطينيّة والصراع العربي الصهيوني، أنّ هذا المعرض ليس وليد اللحظة وليس مناسباتياً، بل هو نتاج 75 سنة من الممارسة الاستعمارية الدموية بحقّ أهل الأرض. وترفض تسمية نشاطها بالتضامني، فكيف لشعبٍ أن يتضامن مع نفسه؟ هي ببساطة، وبعيداً من كل ما ولّده «طوفان الأقصى» من أنشطة تضامنية ثقافيّة وفنيّة، تحاول بتواضع، استذكار الظلم الذي كان وما زال قائماً، لتتأكّد من عدم انهزام الإنسانيّة أمامه.
المؤسسة التي تضمّ أرشيفاً للصحف والمجلّات الفلسطينيّة والعربيّة المتخصّصة في فلسطين، وآلاف الصور الأرشيفيّة والأوراق الخاصة والمذكرات والخرائط والأعمال الفنيّة وغيرها من المحفوظات، أخرجت من خزنتها لوحات الفنانين الذين ما زالت أفئدتهم تعيش في غزّة، ولو أصبحت أجسادهم خارجها. هكذا، يشتمل المعرض على عمل من توقيع الفنّان الفلسطيني تيسير البطنيجي، الذي ولد في غزّة عام 1966، وقتل الاحتلال أخاه عام 1987. درس الفنون الجميلة في «جامعة جامعة النجاح الوطنيّة» في نابلس، ثمّ تابع دراسته في باريس، وإلى أن جاء «طوفان الأقصى»، كان يعيش البطنيجي متنقلاً بين فلسطين وباريس. حمل الصهاينة سرديتهم، ليدمّروا بها البيوت ويسلبوا الأحباء من أحبابهم، فحلّ الفراغ وتموّهت الذاكرة في نفس البطنيجي، وانعكس ذلك في أعماله. لطالما كان واضحاً في أعمال البطنيجي، انجذابه وعلاقته المتينة بالفراغ، والتشويش الذي ولّده الاحتلال في محاولة طمسه للهوية الفلسطينيّة الفرديّة والجماعيّة.
يتحدّث البطنيجي عن التطوّر الذي طرأ على طريقة تعاطيه مع الفنّ، ما أدّى إلى تمتين محاوراته مع الفراغ. يقول: «في عام 1997، كنت في السنة الخامسة في كليّة الفنون الجميلة في مدينة بورجيه في فرنسا. في تلك السنة، انتقلت في عملي من الرسم بالألوان، إلى العمل بوسائط جديدة ومختلفة مثل التركيب والتجهيز والتصوير الفوتوغرافي وفن الفيديو... في بداية هذا التحوّل، كنت أرسم على ورق بمساحات كبيرة ثمّ أمحو أو أغطّي ما أرسمه، ثمّ أزيل الورق عن الحائط وألفّه بهدف لصق ورقة جديدة وأبدأ برسمٍ جديد. في كلّ مرة أزيل الرسم، كانت هناك مساحة مستطيلة فارغة، تنتج من اللاصق المستخدم لتثبيت الورق على الحائط. هذا الفراغ بدأ يشدّني ويستوقفني. وجدت في هذا الفراغ تعبيراً عن الغياب أو الحضور الغائب». أمّا عن عمله المعروض في المؤسسة، الذي نفذه خلال هذه المدة الانتقاليّة، فيقول «الجزء الأيمن بورتريه شخصي لي يعود إلى تلك المرحلة، أو هو آخر الرسومات من تلك المرحلة، يجانبه على الحائط مباشرة مستطيل فارغ، بحجم البورتريه، يحدده اللصق، كأنّه صورة أو رسم انتُزع أو اختفى. هذا العمل هو أحد الأعمال التي تُمَثِّل النقلة في ذلك الوقت من التعبير بواسطة الرسم كوسيط وحيد إلى ممارسة فنيّة ولغة بصرية مفاهيمية ومتعددة الوسائط في عملي. إلى جانب ذلك، وربما كان ذلك أحد أسباب هذه النقلة، أصبحت أعمالي تستوحي، بطريقة أكثر وضوحاً ربما، التاريخ والواقع السياسي الذي أعيشه ونعيشه كفلسطينيين، إلى جانب تجربتي كإنسان وكفنّان، وهي مرتبطة بهذا الواقع. حاولت عبر هذا العمل، وكذلك في أعمال أُخرى لاحقة، التعبير عن موضوع الهويّة ومحاولات طمسها من قبل الاحتلال. أول جواز سفر خرجت به من غزّة إلى أوروبا كان وثيقة «الليسيه باسي»، التي تحدد هويتي كمجهول (Undefined). وهذه كانت أوّل محاولة للتعبير عن هذه الجزئية».
من بين هذه الأعمال المعروضة التي تحمل توقيع فنانين عرب، مجموعة تتألف من خمسة بوسترات للفنّان اللبناني حسين ناصر الدين. يستعين ناصر الدين بأبيات من قصيدة الشاعر مظفر النواب الملحميّة، التي يتناول فيها قصة الشهيد العقيد عبدالله صيام، بطل معركة خلدة في حرب لبنان (1982). تحمل البوسترات كلمات العهد إلى غزّة، كما وعد بها النواب الشهيد صيام قائلاً «وستنهض من بين الأنقاض صنوبرة الحزن، وتشهد أنّك قاتلت الغارات، وقاتلت البحر، وقاتلت طوابير الدبابات، وصمدت صمود الأنواء».
يوجّه المعرض تحيّة أيضاً إلى فنانين رحلوا وهم متمسكون بوفائهم إلى غزّة، كلوحة الفلسطينيّة الراحلة ليلى الشوا، التي قضت حياتها وهي تطبع التراث الفلسطيني ونساءه الصامدات على أقمشة أعمالها. في لوحتها المعروضة في فضاء المؤسسة، تتوسط اللوحة امرأة بالزي الفلسطيني وفي حجرها جاط من الرمّان. دمّرت الآلة الاستعمارية الصهيونيّة البيوت والمحترفات وسلبت الفنانين حياتهم، وحاولت قمع من لم تفلح في قتله. إلّا أنّها ــــ رغم كلّ الدماء التي سفكتها ــــ لم تنجح في إسكات المؤمنين بالأرض والحق، فبقيوا يرسمون ويلونون ويعملون من أجل توثيق الظلم، ووهبوا أفئدتهم للمثابرة في تذكير العالم بأنّ هناك أرضاً تسمّى فلسطين، يحاول الصهاينة سلبها من أصحابها. ويعدّ معرض «غزّة» أصدق دليل، على حبّ ووفاء هؤلاء الفنانين، إلى حبيبتهم فلسطين.
* معرض «غزة»: مستمرّ يومياً ما عدا يومَي السبت والأحد - من الساعة الثانية حتّى السادسة مساءً - «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» (فردان، بيروت). للاستعلام: 01/804959
المصدر: الأخبار