هيام وندى وسينتيا وسارة: حياة «المَعمول» صعبة!
خليل الحاج علي
الأربعاء 7 آب 2024
قد توحي «معمول» (مسرح «مونو» ــــ حتى 11 آب/ أغسطس) بأنّها مسرحية مصمّمة فقط للضحك، لكنّها تنفرد بتقديم مفاهيم وأفكار وسرديات تحكم الفضاء العام، ضمن قالب مسرحي يمزج المأساة بالملهاة. تعدّ «معمول» التجربة المسرحية الثانية للثنائي سارة عبدو وكريم شبلي، اللذين يخوضان غمار التأليف والإخراج المشترك ويتميزان ببساطة المضمون المسرحي، وسلاسة الإخراج، والعمل وفقاً لآلية إنتاج مبتكرة، في ظل ظروف الإنتاج الصعبة في الوقت الراهن. تجتمع أربع نساء (هيام أبو شديد، ندى بو فرحات، سينتيا كرم، وسارة عبدو) في بيت ذي ردهات وقناطر ودهاليز بيروتية الطراز. تزيد الإضاءة (هاغوب ديرغاروكسيان) من حميمية المكان. السينوغرافا (ديكور وأثاث، وألوان) مكثّفة لا فائض فيها. النساء، متعدّدات المهام، والأعمار، والأجيال، يجمعن انعدام الحرية تحت مظلّة الأعراف. يشكّل المعمول، طقساً، يجمع السيدات، اللواتي يلتقين يومياً. تتابعُ حلقات اللقاء يشبه هذه الحلوى التي تبدأ بالعجن، ثم الخمر، ثم الخبز، لتصبح جاهزة للأكل. هكذا تتطور الشخصيات مع تطور مراحل إعداد الحلوى، التي تختزن أصلاً خصوصية مناطقية. تتصاعد الحبكة، تدريجاً، وتطرأ تغييرات على حياة السيدات، فمنهن من يمرض، أو يتزوج، أو يسائل خياراته وهويته ووجوده. تتزامن هذه الصراعات مع لفظ المجتمع حقده على السيدات، وحبسهن في دائرة محكمة. يمرّ اكتشاف الذات بمراحل وأسئلة وجودية. تبدو المواجهة طريقة لحلّ المشكلات، فالشخصيات الواقعية، التي أجاد المخرجان إعدادها على الورق، تحاكي أنماطاً نصادفها راهناً. هكذا، تصطفّ النساء في معسكرين: «إما الاحتشام وإما التحرّر». زاد ذلك وطأة التصادم، وأتى بسلاسة لا متناهية، وعدم انزلاق صوب الابتذال. تتبدد المعسكرات في النهاية، ولا يلغي أحد الآخر. أجادت هيام أبو شديد، التي تظهر حرفية عالية في الأداء على الخشبة، في تجسيد الأم الوقورة والمتشدّدة، التي تتخذ من الدين مرجعها. أما ندى بو فرحات، ذات الحضور المحبّب على المسرح، فتعطي دور الصبية الأرملة بُعداً مفاهيمياً، في أسلوب سهل وبسيط وعفوي وغير منمّط. وتظهر سارة عبدو مرونةً في التجسيد والانفعال والتحرّك والتأقلم مع تقلبات دور الصبية المتزوجة. أما سينتيا كرم، فتنكّه المسرحية بأدائها الغروتسكي من جسد، وصوت، وأزياء...
إخراجياً، يأتي صوت الرصاص الطائش، الذي ينبّهنا منه مخرج العمل قبل انطلاق العرض بأنه مسجّل وغير حقيقي، لأخذ الحيطة والحذر، لكنه سيكون الإِشعار بوقوع أمر ما، ويشكّل رسالة قد تدعو إلى التخلي عن الراسخ والمتجذّر والثابت في نفوس العامة. وعبر فكرة الرصاص الطائش، يتصدّع بنيان الأعراف التي بات تغييرها حاجةً ملحّة. تعدّ مسرحية «معمول» على مستوى عالٍ من الاحترافية. الجو العام لا يحتمل تأويلات، فهو ذو بُعد واقعي، مصدره الحياة اليومية في بيروت. النهاية تطهيرية تثقل كاهل المتفرّج، وقد أراد صنّاع العمل منها ترك أثر في نفوس ومشاعر المتفرجين عبر التراجيديا التي تحل بإحدى شخصيات العمل. يطرح هذا الخيار (التطهير) علامات استفهام عما إذا كان يحفّز المتفرجين على التغيير وترك التقاليد والأعراف البالية، أم أنه يكتفي بتنفيس الجمهور «ويضع الإصبع على الجرح» فقط! لا يبدّد ذلك من براعة الطرح السلس الذي يحشد جمهوراً كبيراً في مسارح بيروت، ويزيد من الإضاءة على آفات مجتمعية في أسلوب كوميدي ودامع، في الوقت نفسه. ولا بد من أن نذكر في النهاية أنّ مسرحية «معمول» تأتي في أوجّ عطاء المخرجين الشابين، اللذين لجآ إلى أساليب إنتاجية مبتكرة تقوم على إشراك بعض الشركات والعلامات التجارية في عملية الإنتاج، ما يحقّق استدامة مالية وإنتاجية، ويجعلها تجربة تستحق الدعم عبر المشاهدة.
* «معمول»: س: 20:30 مساء 8 و10 و11 آب (أغسطس) ـــ مسرح «مونو» (الأشرفية ـ بيروت) ـــ للحجز في جميع فروع مكتبة «أنطوان» أو عبر «أنطوان أونلاين»
المصدر: الأخبار