أحداث ثقافية أخرى
لوحات وأعمال فنية تستدعي انفجار مرفأ بيروت: يوم أتانا الموت من صوب البحر
ريما النخل
الإثنين 5 آب 2024

مثل السينما، تستطيع الفنون التشكيلية تسجيل الزمن. يمكنها أن تؤرّخ لحدث ما، توثّقه، تترك انطباعاً أو تعبيراً عنه. الفن ليس البتّة خارج زمنه، ولا ينبغي له أن يكون. في ضوء ذلك، لم يغب انفجار مرفأ بيروت المأساوي في الرابع من آب (أغسطس) 2020 عن التعبير التشكيليّ لوحةً ونصباً ومنحوتةً وتجهيزاً. علماً أنّ في الكثير ممّا أُنجز، استسهالاً وخفّةً وسذاجةً مباشرة، وفي القليل ما يستحقّ أن نطلق عليه فنّاً وتعبيراً. في الذكرى الرابعة الأليمة على فاجعة المدينة والوطن، بانوراما (غير شاملة بالتأكيد) لنماذج ممّا أُنتج وأسهم في حفظ الذاكرة
 
في آخر معارضه («ضوء داخلي» حزيران/ يونيو الفائت)، أعادنا أسامة بعلبكي في إحدى لوحاته إلى مأساة المرفأ، ضمن رؤاه الانطباعية والتعبيرية لمدينته بيروت التي تحيا أزماتها وفواجعها المتتالية. في لوحة المرفأ والإهراءات المدمّرة، سماء ملبّدة بسماكة اللون وحمرته النارية أو زرقته الحزينة، أسوة بباقي اللوحات لنواح من المدينة لا تمدّ بعلبكي بشعور الافتتان بل توحي له انقباضاً روحيّاً وقتامة ووحشة. بدوره، لم يغب الفنان نديم كرم عن الحدث المشؤوم. بالإضافة إلى منحوتاته المعدنية التي اشتهر بها وتملأ فضاء المدينة العام، جسوراً وساحات، أنجز منحوتته المعدنية التي ارتفعت قبالة المرفأ بعد نحو سنة من الانفجار حاملةً عنوان «مارد من رماد». تكوّنت الأخيرة من بقايا الانفجار بارتفاع خمسة وعشرين متراً وبوزن ثلاثين طناً. ولا يقتصر فنّ كرم المتعدّد، وهو مهندس معماري في الأصل، على النحت بل يشمل الرسم أيضاً بين مائيات وقلم رصاص وفحم و«غليتر» لوحات منمنمة تدور تيماتها حول الانفجار وتداعياته في ذاكرة اللبنانيين، فضلاً عن منحوتته الخشبية «ذارف الدمع» والدمعة العملاقة نفسها في أكثر من لوحة اشتمل عليها معرضه الأخير في آذار (مارس) من هذا العام.
 
معرض متقدّم على الحدث زمنياً أقيم في نيسان (أبريل) الفائت ويعود إلى انفجار بيروت حصراً. إنه معرض الفنان اللبناني بسام جعيتاني في «غاليري جانين ربيز» تحت عنوان «ما يخفق في عمق الفوضى». اشتمل المعرض على جداريات ولوحات وجصّيات نافرة لتشقّقات وخراب في جسد المدينة وتجهيزات من بقايا الانفجار في منزل الفنان. قطع من الأثاث والأقمشة والشظايا المعدنية وزجاج النوافذ… ما يهب بعداً واقعياً، يذكّر ـــ بحسب الفنان ـــ بآثار المأساة الدامية. في تقديمه للمعرض، أوضح جعيتاني أنّ «الانفجار الذي هزّ قلب بيروت يتجسّد عبر تجهيز جداري يتمثل في هيكل معدني أخضر يتضمن كتابةً تعكس حجم الدمار الذي تعرضت له بيروت نتيجة هذا الانفجار المأساوي. تتداخل الشظايا المعدنية في حواجز الشرفات وأنقاض الخرسانة مع قطع الثياب، ما يخلق تكويناً مادياً وعاطفياً. وجزء آخر هو سلسلة لوحات بيضاء تمثل لقطات مربكة شهدتها الكارثة، تعكس التأثيرات النفسية والعاطفية العميقة الناجمة عنها. تتلوّن هذه اللوحات البيضاء النقية بالخدوش والجروح، كأنّها صفحة بيضاء تحمل ندوب التاريخ. المعرض رمز بصريّ للفوضى والدمار اللذين ضربا بيروت. يذكرنا بأنّ الانفجار ترك آثاراً لا يمكن محوها في حياة المتضرّرين، ويترك في الوقت نفسه أثراً مماثلاً في فهمنا الجماعي للحدث، عبر استخدام عناصر الانفجار وخلق اللوحات البيضاء التي تجسّد مفاهيم النقاء والبراءة، لكنها تعني أيضاً غياب الوضوح والحقيقة».
 
بالعودة إلى زمن وسطيّ بين الانفجار وذكرى اليوم، يمكن استعادة معرض عمر فاخوري «أشياء وأشياء أخرى» الذي احتضنته صالة «مرفأ» في شباط (فبراير) 2022، إذ يهتمّ الفنان بالأشياء الصغيرة والمهمّشة التي خسرها الناس في الانفجار، كأنّه يحمل صندوقاً لجمع الكؤوس والأواني المكسورة والقمصان المتدلية العالقة بين الطبقات أو حتى السيجارة التي لم يكملها مدخّنها. يحوّل المتروكات والمهملات التي كان يجمعها رافعو الأنقاض إلى مادة تشكيلية لإيصال هول الفاجعة وآلامها. يتناول الجزء ليدلّ على الكلّ. أجزاء من الأجساد والمنازل والغرف والأدراج والأشياء الخاصة والبسيطة تتحوّل إلى لوحات بالأكريليك ذات أحجام صغيرة أو متوسطة أو كبيرة. منمنمات فجيعة وخسارة وذكريات تنفذ إلى عمق الألم لضحايا أو ناجين. يرسم فاخوري جروح المدينة وانكساراتها، تفاصيلها وجزئياتها، صمتها ودويّها واهتزازاتها ما بعد الانفجار.
 
 
في المدة نفسها، أقام الرسام والنحات جوزيف حرب في «غاليري جانين ربيز» (نيسان/ أبريل 2022) معرضه «هنا والآن» ناحتاً الأيادي والأرجل والرؤوس المبتورة داخل مكعّبات وأوعية زجاجية تحيلنا توّاً على ضحايا انفجار المرفأ وما خلّفه من مآسٍ في البشر والحجر، فضلاً عن لوحاته في المعرض نفسه التي تحاكي فكرة الوحش الذي يفترس حياتنا ويومياتنا في الوطن المنكوب بعدد من الفواجع والمآسي. يرسم قوة متمثلة في ثيران هائجة، وتتداخل أجساد أفراد ومجموعات معرّاة كأنها ترمز إلى تلاصق حميميّ، صافٍ وحالم. وفي لوحات أخرى، تتشلّع الأجساد وسط غرائز القتل والعنف في ظل الحرب والدمار.
 
بالعودة إلى إحدى أبرز التظاهرات اللصيقة بانفجار المرفأ، يمكن إعادة التنويه بالمعرض الجماعي الذي أقيم في «فيللا عودة» في بيروت بعد سنة من الحدث المؤلم تحت عنوان «الفن الجريح» وضمّ أكثر من ستين عملاً فنياً بين رسم ونحت وتجهيز وشارك فيه فنانون لبنانيون وأجانب. وبحسب القيّم على المعرض، المعماري جان لوي مينغي، وضعت الأعمال متلاصقة لتؤلف لوحة مركّبةً. كما ضمّ المعرض بعض الأعمال التي أصابها ضرر بفعل الانفجار (بينها لوحة للفنان الكبير الراحل بول غيراغوسيان مزّقها الانفجار وجرى ترميمها)، ولوحات جُمعت أجزاؤها وعرضت كما هي، وعولجت لوحات أخرى عبر الغرافيك أو توظيف الضوء النافذ عبر التشققات وأماكن التمزّق.
 
 
فيما كان الحدث ساخناً، سارع فنانون مخضرمون وجدد إلى التعبير بلوحات ورسوم «فورية» ومباشرة لا تخلو من براءة البدايات وسذاجتها أحياناً. ومع ذلك، لفت بعضها برمزيته أو واقعيته أو تجريديته، فالفنان الفلسطيني ماهر ناجي عبّر بلوحته التجريدية الجميلة «ليل بيروت الطويل» عن حزنه فوراً بعد الانفجار، إذ لم يستطع أن يخفي تأثره وتضامنه مع ضحاياه. رسم بألوانه الداكنة انطباعه عن تلك اللحظة قائلاً: «مساءً، حين كانت بيروت مضرّجة بدماء أحبتها، هذه المرة أتاها الموت من صوب البحر». وتضامناً مع الشعب اللبناني، رسم الفنان البريطاني توم يونغ، الذي كان مقيماً في بيروت وتضرّر منزله ومحترفه في الأشرفية، مشاهد مما بعد الدمار، مثل المتطوعين الذين كانوا يكنسون الشوارع ويرفعون الركام... وصولاً إلى ياسر الديراني الذي قدم ثلاث لوحات تجسد هول الكارثة، وشذى أبو شقرا التي نظرت إلى الفاجعة من منظور طفل يحمل دميته أمام المنظر العام لدمار المرفأ، ونبيل مسعد الذي رسم «لحظة من زمن» وفيها لحظة الانفجار الهائل بأسلوب انطباعيّ قاتم، وفاطمة ضيا التي رسمت لوحة منحتها عنوان «الملائكة الصاعدون» وبيعت لاحقاً بمبلغ 45 ألف دولار خُصّصت لمساعدة خمس وسبعين عائلة من الأشد فقراً وتضرّراً من الانفجار. وتكشف ضيا عن تأثرها بلوحة الفنان الفرنسي بول دولاروش la jeune martyre التي استوقفتها في «متحف اللوفر» وأمضت وقتاً طويلاً تتأمل فيها.
 
لم يقتصر تأثير انفجار بيروت على الفنانين اللبنانيين أو الأجانب المقيمين في بيروت، بل لامس تأثيره وجدان فنانين عرب، بينهم الفنان التشكيلي الجزائريّ عبد الحليم كبيش الذي رسم «شظايا بيروت» على نحو معبّر ومؤثّر، والفنان التشكيلي العراقي كريم الدوسري. كما شارك عدد من فناني التصميم الغرافيكي في التعبير عن الحدث، ومن أبرزهم علي بسّام الذي أنجز تصميماً غرافيكياً بعنوان «لؤلؤة الوطن» تتوسطه أرزة لبنان التي أنهكتها مشاهد الموت والدمار المحيطة بها في التصميم المميز، إلى تصميم آخر للعراقي أحمد ستار الذي صبغ عمله بالأحمر مستوحياً انفجار هيروشيما، وتصميم ثالث للعمانية بثينة القدري الذي استعارت له كلمات «من قلبي سلام لبيروت» لفيروز ، وتصميم الإيطالي جيوفاني رومانو بعنوان «هناك عيون لا تنسى» وفيه طفل واقف أمام سحابة الانفجار الهائل ومن منظوره.
 
 
بين الأعمال التي سبق ذكرها يتميّز إلى حدّ بعيد عمل الفنان الجزائري عبد الحليم كبيش «شظايا بيروت». عمل مدهش أنجزه بعد الانفجار فوراً ونشر صورته على فايسبوك كلفتة تضامنية مع المأساة اللبنانية والشعب اللبناني الذي كان لا يزال تحت هول الصدمة. حتى أنّ الفنان الجزائري جعل نفسه في هذا العمل واحداً من ضحايا الانفجار، فتمدّد أرضاً مدمّماً (بطلاء لوحته الأحمر) ونازفاً يحمل ريشته بيده وعلى مقربة منه ألوانه الزيتية وإلى يساره العلم اللبناني كأنه سقط من اللوحة أو من يده. وانتشرت اللوحة الكبيرة عبر مواقع التواصل كالنار في الهشيم، لقوتها من ناحية، وللتأثير الانفعاليّ الذي تتركه في الناظر إليها والمتأمل في رعبها وقتامتها. وصرّح الفنان آنذاك بأنه أنجز لوحته ليبلغ اللبنانيين بأن شظية من شظايا الانفجار وصلت إلى داخل مرسمه في الجزائر وأصابته، فـ «بيروت مهما كانت بعيدة، إلّا أن ألمها يبقى قريباً منّا». لذا جعل جسده جزءاً من اللوحة.
 
 
المصدر: الأخبار