أحداث ثقافية أخرى
فرنسا تريد إعادة «بومبيدو» إلى حضن الناس
سعيد محمد
السبت 6 تموز 2024

عندما صمّم المهندس المعماري الإيطالي رينزو بيانو مركز «بومبيدو» في باريس (بالتعاون مع البريطاني ريتشارد روجرز) في بداية عقد سبعينيات القرن الماضي، كان تصوره أن هذا المركز الثقافي الضخم الذي تحوّل إلى معلم بارز من معالم عمارة ما بعد الحداثة في العاصمة الفرنسية، يحتاج إلى ورشة ترميم شاملة كل 25 عاماً.
 
 
لكن ظروف المبنى – والمدينة - حالت منذ التسعينيات دون تنفيذ أي إصلاحات جذرية فيه إلى أن تقرّر أنّ الوقت قد حان لإطلاق مشروع ضخم لترميم المركز وإعادة صياغة فضاءاته وعلاقته بمحيطه وفلسفة تقسيم المساحات الثقافية والإدارية لأقسامه. المشروع الذي سيستغرق خمس سنوات بداية من العام المقبل، جاء نتيجة مسابقة معمارية أجريت العام الماضي فاز بها المهندس المعماري المقيم في باريس مورو كوسونوكي - بالتضامن مع استوديو فريدا إسكوبيدو (المكسيكي الأميركي) – الذي قدّم مقترحات قد لا تبدو جذريّة لناحية شكل المبنى من الخارج. إذ سيظل تقريباً كما كان لدى افتتاحه عام 1977، ولكنها واسعة النطاق في ما يتعلّق بالتقسيمات الداخليّة، وتتضمن إعادة تفكير في المدخل وتسلسل الحركة وطبيعة العلاقة بالمدينة. ستشمل الورشة، التي تعني أنّ «كاتدرائية الأنابيب» (نوتردام دي تويو) كما يسميها الفرنسيون في إشارة إلى أنابيب الخدمات التي تركها المعماري ظاهرة في المركز، ستغيب وراء السقالات لسنوات، حيث ستجرى أعمال هندسية متعددة لترميم المركز، وإصلاح الهيكل الأساسي، وإزالة الأسبستوس، وتحديث مجموعة الخدمات بثيمة كليّة هي الانفتاح على النسيج الحضري، وزيادة وصول الجمهور إلى المركز وانسيابية الحركة بين مكوناته.ولهذا التركيز على الانفتاح والشفافية في التعامل مع المدينة وناسها مبرر أكيد، إذ إنّ عقوداً من الحرب على الإرهاب التي أطلقها الأميركيّون بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر (2001) انعكست تراكماً للجدران والحواجز ونقاط التفتيش خارج المركز الزجاجي الضخم وداخله، وحتى السلم المتحرك الذي كان في يوم من الأيام موقعاً عاماً مجانياً للجمهور والزوار اختفى خلف السواتر الأمنية، فيما أصبحت الفضاءات الدّاخلية أقل انفتاحاً مع مرور الأيّام.
 
 
 
لقد أريد لمركز «بومبيدو» في باريس أن يكون تجسيداً لفرنسا جديدة ضمن خطة شاملة لاستعادة زمام الأمور ثقافيّاً على المستوى الشعبي بعد عام 1968 العاصف وثورة الطلاب واحتجاجات الشوارع التي كادت تطيح بالنظام. لهذا الغرض، صيغت الثقافة التي يقدمها «بومبيدو» لتكون أقل نخبوية وأكثر انفتاحاً على الناس وتجاوباً معهم، وخليطاً من الفنون الشعبيّة والعالية في إطار تلفيقيّ تجريبيّ ما بعد حداثي النسق يستوعب الجميع. لكن مع عزلته المتزايدة عن الجمهور، أصبح المركز تدريجياً أقرب إلى قوس النصر أو متحف اللوفر، نصباً تذكاريّاً للأمّة، ومعلماً معماريّاً للمدينة، ومبنى تراثياً يرتاده السياح لأغراض التصوير، ما يستدعي إنقاذه من نفسه إن أريد له أن يستعيد الدور الذي وجد أصلاً من أجله.
 
 
على أن هذا المشروع، كما كل شيء في اليوميات الفرنسيّة هذه الأيّام، أصبح موضع أخذ ورد، ومثاراً للجدل، إذ عبّر فنانون ومثقفون عن غضبهم من إغلاق رئة باريس الثقافية لخمس سنوات، فيما لا تزال السلطات تبحث عن مصادر للتمويل لتغطية الميزانية الأصليّة للمشروع البالغة 262 مليون يورو (يقول الخبراء إنها لن تقل فعليّاً عن 350 مليون يورو).
 
 
المصدر: الأخبار