مئوية رحيل كافكا... الكاتب إذ يغدو مصطلحاً أدبياً
محمد حجيري
الخميس 6 حزيران 2024
ورد في "قاموس علم الجمال" لإتيان سوريو(منشورات المركزالعربي للدراسات) مصطلح "الكافكاوي،" ويدلّ هذا على ما يرجع الى أعمال كافكا وأسلوبه ولغته. فأعمال كافكا "فتحت المجال أمام تأويلات عديدة. ومع ذلك، يقدم كافكا نفسه مفتاح قصصه في كتابات كثيرة- مذكرات، وملاحظات، تأملات، ومرسلات- وفي بعض الحوارات".
لم يكن كافكا يدري أنه سيصبح يوماً رائداً لجنس أدبي يُسمّى "الكافكاوية"، المصطلح الذي يستخدم لوصف الأحداث الغريبة والكابوسية، وقد دخلت الصفة الألمانية "kafkaesk" في العديد من اللغات، بما في ذلك الإنكليزية والكورية والتركية والفرنسية واليابانية والروسية والإيطالية. وفي العربية ترجمت الصفة إلى "كافكاوي".
جاء كافكا الألماني التشيكي، الذي تمر مئوية رحيله هذا العام، في مطلع القرن العشرين وكتب سرداً غريباً. كتب روايات غير مكتملة، وأمثولات وشذرات، عاش مناماته واحلامه، وتجاربه الجنسية والغرامية الفاشلة. لم ينشر إلا القليل من أعماله. أوصى بحرق مخطوطاته لكن صديقه ماكس برود، خان "الوصية". لم يعش من أجل كتابته فقط، بل يعيش فيها، وبدرجة أعمق، حتى أنه يتشكل بها بمعنى مادي، "إن تفرد كافكا نابع، إلى حد كبير من تقاطع الكتابة والتجربة المعاشة"(الكاتب جون ليشته). ولم تعد الكافكاوية حالة فردية، لأديب او كاتب أو شاعر أو شويعر، بل إن التحولات والأزمات أنتجت فضاء عاماً من الكابوسية، والأنظمة والشمولية والاستبدادية كانت تنتج الكافكاوية المضاعفة.
كافكا صار مصطلحاً مليئاً بالألغاز والظلمة والغوض والإيهام، يتكرّر لدرجة الملل في الثقافة والمقالات اليومية والمعاشة. قلّة من الأدباء صارت اسماؤهم مرادفة لمصطلحات أو مفاهيم في الفلسفة والأدب وفي الحياة والعامة، فنقول الدون كيشوتية، والبروستية، والبلزاكية... أما الكافكاوية، وهي تحضر لسبب أو من دون سبب، فهي "المقدس الأدبي" الذي اخترعناه. لا أحد مثل الكافكاوية ضمن المصلحات الأدبية، هناك جموح وإفراط في الانتساب اليها سواء في تأثيرها أو تقليدها أو نقل أجوائها او توظيف عناصرها، كأنها أسطورة مثل الأساطير الاغريقية وتشكل مدخلاً لقول شيء عن العالم ومسوخه وبيروقراطيته ومؤسساته وصناعته ورأسماليته وعلاقاته وقانونه.
ليس فن كافكا شيئاً آخر غير "وصف حياته الداخلية" حسبما جاء في "قاموس علم الجمال"، أو أنه أيضاً "التجربة المعيشة، ولا شيء غير التجربة المعيشة، وهيمنة هذه التجربة، وهذا هو المهم"(غوستاف جانوش- "قال لي كافكا"). ووجب أن يستعمل كافكا اللغة للتعبير عما هو خارج اللغة، بحكم أن "اللغة، قياساً إلى كل ما هو خارج العالم المحسوس، لا يمكن أن تستخدم الا بطريقة لماحة".
لنفهم كافكا أكثر علينا ان نقرأ راينر ستاخ الذي قضى ستَّ سنواتٍ من حياته بحثاً عن كل ما يتعلق بكافكا. وقد أثمر جهد المؤرخ الألماني عن عمل شامل حول حياة الكاتب التشيكي بكل تفاصيلها. واستنتج بأنه لم يُثِرْ كاتبٌ حديثٌ ما أثاره كافكا من تعدُّد القراءات، واختلاف التأويلات والتفسيرات. وكان كلّ تأويل أو قراءة يُسقط على الكاتب همومَه ومشاغلَه، ويرى فيه أفكاره الخاصّة به: فالسّورياليون قرأوا كافكا من خلال الحُلْم واللاّشُعور والدُّعابة السّوداء، وفسَّر أصحابُ الفكر الدّينيّ كتاباته مُترسِّمين خُطى ماكس برود، فعدُّوها رُموزاً وأُمثولات (أليغوريا) وحِكَماً. أمّا أتباع المذهب الوجوديّ فوصلوه بالفيلسوف كيركغارد، وبنظريّات العبث، وحسبوه ذلك الشّخصَ الذي هجره الرّبُّ وتخلّى عنه، فأضحى وحيداً ومحْروماً من كلّ مدَدٍ أو عوْنٍ إنسانيٍّ. وسيُركّزُ مُشايِعو التّحليل النّفسيّ من مارت روبير إلى جيل دولوز وغاتاري على مشكلته الأوديبية (عُقدة أوديب)، ورأى فيه آخرون ذلك الكاشفَ الألْمَعِيَّ عن فظائع القرن…أو ذلك الشخص المُصاب بنزعة مَرَضية في بُلوغ الكَمال.
المصدر: المدن