بيروت(1)... المعارض التشكيلية رغم الفضاء المسموم
محمد حجيري
الخميس 30 أيار 2024
بيروت تخرج من تحت ركامها، تولد من موتها. هكذا نستشعر نحن عشاق بيروت في الكتابة. أو أنها تعيش بين "خط أبيض وخط أسود"، رغم الفضاء المسموم و"النق" الأمني والإقتصادي السائد في أروقة الجمهورية اللبنانية، والمناكفات السياسية المملّة والتافهة والساذجة، وخُطب السياسيين المعكرة للأمزجة والرواق والصفو. تستطيع الثقافة، بما هي فعل شخصي وفردي أو استثماري تجاري، أن تعيش. قادرة أن تخرج من الشرنقة أو القوقعة وتتخطى قيود الأحزاب والملل ولغة المتاريس إلى لغة الحياة. العاملون في الثقافة قادرون على المباردة والفعل خارج سرب المشاحنات السياسة و"قواعد الاشتباك" في الجنوب و"حمّام الدم" في غزة، تواجه أو "تقاوم" الرتابة والشلل، وربما، والله أعلم، تتماهى معها (ثمة من يلمح الى غسيل الأموال في بعض الأحيان)...
المبادرات الثقافية الفردية كثيرة، في مدينة الهشاشة والرخاوة. تحلم، خارج واقع "سلطة الأمر الواقع". في هذا السياق، ثمّة ظاهرة لافتة في العاصمة في المدة الأخيرة رغم الويل والثبور وعظائم الأمور، وتتجلى في رواج الفنون التشكيلية ومعها افتتاح الصالات الجديدة، في الجميزة، مار مخايل، رأس بيروت، الأشرفية، وسط بيروت وبعض المناطق الحيوية وحتى في النبطية، منطقة المواجهات. لكن رواج الصالات الفنيةـ التشكيلية أو المعاصرة أو حتى الديجيتال، تتبعه أسئلة تكهنية وتخمينية: مَن يشتري الأعمال الفنية في خضم الأزمة؟ من يمول الفنّ؟ هل الصالات قادرة على البقاء من دون تمويل؟ من يستثمر في الفن؟ هل يستطيع هواة جمع اللوحات مواكبة كل معرض؟
بغض النظر عن القيل والقال والأسئلة المشروعة التي لا تنتهي، يأتي رواج صالات الفن التشكيلي "متنفساً" لكسر طوق العزلات التي عاشها الفنانون في محترفاتهم بسبب الأزمات الكثيرة المتشابكة المتداخلة، من صعود الدولار الى إنفجار المرفأ وجائحة الكورونا وخطاب الحرب. يُقال إن بعض الفنانين يدفع للصالات من أجل عرض أعماله، وربما كخطوة في التسويق والترويج للذات. وثمة صالات تقتطع نسبة كبيرة جداً من المبيعات، وهي تعكس لعبة "الاحتكار" في السوق التشكيلي، لكن موجة رواج الصالات تبقى أمراً لافتاً ومثيراً للجدل والنقاش في الزمن الحربي الصعب... وفي المدينة التي تتلقى الضربات ولا تستطيع الهروب من "رياح السموم".
ولا تتسم الأعمال التشكيلة في بيروت بسِمة واحدة، فالتجارب متنوعة في التوجهات والألوان والأفكار الحداثية أو ما بعد الحداثية. كثيرون تطرقوا في أعمالهم إلى انفجار مرفأ بيروت مثل هالا عزالدين، أيمن بعلبكي، شوقي شمعون، وبعضهم اهتم بنقد الحياة اليومية مثل ماغدا شعبان، ومحمود الزيباوي عاد الى الرسم في مرحلة الكورونا وقدم معرضه قبل أيام. كثر لهم أفكارهم الشخصية والكليشاوية من بيروت الى غزة، ومن المقهى الى دانتي، من الجسد الى الحرب، وغيلان الصفدي صوّر وقع حياتنا مع الكرسي. ثمّة معارض كثيرة ومختلفة لشوقي يوسف، مارون الحكيم، فاطمة الحاج، فادي الشمعة، منصور الهبر، جميل ملاعب، نديم كرم، سامية حلبي، منار علي حسن، شارل خوري، يوسف عبدلكي، فاطمة مرتضى، وبسام جعيتاني، ومعارض استعادية كثيرة أيضاً، وهناك معارض تقيمها سفارات...
في المعارض الكثيرة والصالات الكثيرة، ألوان بيروت وروضها، هي التي تسعى للخروج من لغة الخنادق، لأجل ثقافتها، من دون أن ننسى الفنون المعاصرة التي لها نشاطها أيضاً... جمعية "أشكال ألوان"، التي عاشت فتوراً في أنشطتها في المدة الأخيرة، استعادت ماضيها وذاكرتها وبداياتها في قصر سرسق. ثمّة نشاطات في مركز مينا للصورة وغاليري صفير زملر ومركز بيروت للفن وغاليري صالح بركات. ثمة مشاريع كانت مُعدّة لكن تم تأجيلها بسبب الوضع القائم، نذكر في هذا السياق عرض استديو بعلبك في هنغار "أمم" في الضاحية الجنوبية، الذي يبدو أنه تعب بعد اغتيال مؤسسها لقمان سليم.
المصدر: المدن