أحداث ثقافية أخرى
دورة قوية يهيمن عليها البيانو وأسماء كبيرة في عالم الكلاسيك: «البستان 2024»... ثلاثون ربيعاً وشتاء
بشير صفير
الثلاثاء 20 شباط 2024

لم يكن لفيروس كورونا فقط سيّئات. فمن حسناته أنه صحّح اللغط الدائم بين عمر النشاطات التي تقام سنوياً وعدد دوراتها. مثلاً مهرجان «البستان» انطلق بدورته الأولى عام 1994، بالتالي يصبح عمره اليوم 30 سنة، ودورته الحالية يُفترَض أن تحمل الرقم 31. غير أن توقُّف كل شيء باستثناء الوقت في مدة الجائحة العالمية، فَرَض إلغاءً لدورة (2021)، فاستطاع المهرجان الشتويّ في دورته الثلاثين، الاحتفال كذلك بعيده الثلاثين. في عام 2018، احتفل بعيده الـ25 لكن بدورته الـ26. وكذلك فعل عامَي 2013 و2003 في العيد العشرين والعيد العاشر على التوالي. إذاً، ثلاثون ربيعاً وثلاثون شتاءً، أراد لها المنظّمون عنواناً بسيطاً ومعَبّراً: ثلاثون سنة، رغم كل العقبات.
 
هكذا عنوان في بلدٍ طبيعي أو شبه ذلك قد يبدو سخيفاً أو مدّعياً. في لبنان، هو ينطبق ببساطة على كل ما «ما زال» (راجع الحلقة 7 من برنامج «يَهْ ما أحلاكم» لزياد الرحباني). فالاستمرار، هنا، في العشرة آلاف كيلومتر مربّع ونيّف، هو مشيٌ على البَيض في حقل ألغام. أحياناً تنكسر بيضةٌ فتُعَكِّر الحياة وأحياناً ينفجر لغمٌ فيُعَطِّلها. مثلاً، هذه السنة طار «مهرجان بعبدات» بعد الفشخة الأولى، إذ سبقت انطلاقته بأيام قليلة عملية «طوفان الأقصى». ومع دخول الوضع العام في المجهول، راحت إلغاءات الحفلات تتوالى في انتظار فرجٍ لن يأتي. في المقابل، بشبه أعجوبة مرّ مهرجان «بيروت ترنّم» بسلام. بعد نحو شهرَين من الإبادة الإسرائيلية للحياة في غزّة، بات المجهول أقلّ تخفّياً، فأصبح التعامل معه ممكناً رغم قبحه. «البستان» من جهته أخّر قدر الإمكان مؤتمره الصحافي، قبل أن يعلن عن برنامج دورته المرتقبة، لكن في جوٍّ من القلق والتعويل على ما يحمله كل يومٍ بيومه. الكلّ تفاجأ بالمستوى الفنّي العالي نسبةً للظروف (راجع المقالة الثانية في الصفحة) وبالأسماء الكبيرة التي لا تبدو أنها من النوع الذي يمكن أن يغامر في زيارة مناطق بسخونة لبنان. هنا نستثني الروسي بوريس بيريزوفسكي، عملاق البيانو الذي ربّما يأتي بالضبط لأنّ الوضع ليس على ما يرام. بالنظر إلى شخصيته، نشعر أنه لا يقيم وزناً كبيراً للمخاطر وبالنسبة إليه الحياة عملية اقتحام وكذلك اللعب على البيانو: من ملبسه إلى علاقته بالجمهور، ومن أسلوبه في العزف إلى اعتزاله التسجيل في استوديو (على غرار كثير من عازفي المدرسة الروسية الذين يفضّلون الحيّ على المسجَّل، مثل ريختر وسوكولوف)، لا يَعتَبر بيريزوفسكي أنّه يمارس مهنة غير عادية… وبدل الأمسية سيقدّم أمسيتَين، كما فعل في زيارته الأخيرة إلى لبنان قبل سنتَين. على أي حال، الرجل رافق المهرجان منذ بداياته حتى اليوم، وعلاقته بلبنان قد تكون أقوى من بعض اللبنانيين المغتربين… فهذه زيارته العاشرة منذ 1996!
 
 
عن هذا الصمود، سمعنا الكثير من الكلام خلال المؤتمر الصحافي. وهو كلام مبرَّر إذا أخذنا في الحسبان كمية الخضّات التي شهدها لبنان في العقود الثلاثة الأخيرة. من هذا المنطلق، ثلاثون سنة من عمر مهرجان في لبنان توازي مئة في سويسرا مثلاً، إن قيسَت بعدد الأحداث. هذا إنجاز، ولهذا الإنجاز نؤدّي التحية. لكن المشكلة ليست في ما سمعناه في المؤتمر الصحافي، بل في ما لم نسمعه. كل ما أردنا سماعه لا يتعدّى ثلاثة أحرف: غزّة. نحب «البستان» ولا نكون مرتاحين عندما ننتقده. ربما يقول بعضهم إن الموسيقى، بالأخص الكلاسيكية، يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة. هذا صحيح لكن ليس بعد عام 1803، يوم أرادها بيتهوفن في قلب الحدث وأداةً للموقف السياسي الواضح، ونقصد سيمفونيته الثالثة (أهداها إلى نابوليون، ثم شطب الإهداء بغضب شديد، فَور عِلمه أن القائد الفرنسي نَصّب نفسه إمبراطوراً «مثله مثل أي إنسان» على حد قول المؤلف الألماني). كثيرون بعد بيتهوفن، فعلوا ذلك أمام الأحداث الكبيرة التي تفرض عدم الحياد، والأمثلة لا تُحصى.
 
ليس المطلوب حفلة تُقال فيها أغنياتٌ ثورية وشعر ثوري. المطلوب عنوان. سيمفونية بيتهوفن لا تتضمّن كلمة واحدة. تتضمن ما هو أكبر وأهم وأنجع من الكلام. تتضمّن موسيقى. الكثير الكثير منها. مثلاً، الحركة الثانية رثائية، وعمق الرثاء فيها يعلو فوق أعظم رثاء، نثراً أو شعراً، في الشرق وفي الغرب بشمالَيهما وجنوبَيهما. إنه رثاءٌ عابر لكل شيء. رثاءٌ يتبنّاه من يحتاجه، بعكس الكلام المخصّص لشخص أو شعب أو بلد. أمّا إذا كان هناك خوف من خسارة تمويل أو دعم آتٍ من دوَل وجِهات غربية، فهل هذه علاقة صحّية؟ هل مفهوم الغرب للحريات مبطَّنٌ بالابتزاز؟ بكل حرص ومسؤولية لم نكن نطلب أكثر من هذه الكلمات: نهدي هذه الدورة إلى أطفال غزّة. من دون أي حرف إضافي، لا عن «حماس» (وهي في موقع عداوة معنا موسيقياً) ولا عن مجرمي إسرائيل. تضامن مع أطفال. لا نريد أكثر من هذا، فقط لخلق حد أدنى من التوازن في عالم الكلاسيك مع ما قاله الوقح المقيت، عازف البيانو الروسي الأصل الإسرائيلي الجنس والجنسية يفغيني كيسين. واللهِ لو لم يكن هناك أسماء شوبان وبيتهوفن وموزار وباخ على أغلفة ديسكاته، لكنّا رميناها تحت أقدامنا وسحقناها كما تمنّى أن يفعل «جيشه» بأهل غزّة. لكنّ تسجيلاته سيأكلها الغبار في مكتبتنا ولن يزيد عددها مهما بلغ الإغراء من ذروات: هذا وعد.
 
 
مع ذلك، بين 21 الجاري و17 آذار (مارس) المقبل، سنكون وندعوكم لأن تكونوا على الموعد في بستان الجمال. بين نكات نانسي عجرم المتزلّفة والبائخة في مملكة الدلع وكلام ماجدة الرومي الساذج والمتملّق في إمارات الإنجازات، نختار حبة غبار تركها حذاء موسيقيّ على مسرح «قاعة إميل البستاني». بين تركي آل الشيخ (4 آب/ أغسطس 1981) وميرنا البستاني، نحن جنودها في «الحرب» على الترفيه وعلى جحافل «الزحّيفة» مِن المرَفِّهين. ففي الموسيقى الخلود وفي الترفيه الجحود وفي غزّة الصمود.
 
 
* مهرجان «البستان»: بين 21 شباط (فبراير) و17 آذار (مارس) المقبل ـــ «فندق البستان» (بيت مري) albustanfestival.com
 
 
المصدر: الأخبار