أحداث ثقافية أخرى
"قَتَلَةُ زَهرة القمر" لديفيد غران... البترول ومذابح السكان الأصليين
محمد حجيري
الخميس 8 شباط 2024

"تنتشر في نيسان/أبريل ملايين الأزهار الصغيرة، كأزهار الثالوث واللوتس الزرق والأزهار البرّيّة فوق تلال السنديان، وفوق المروج الشاسعة في إقليم الأوساج في اوكلاهوما . ووصف مؤرّخ الأوساج الكاتب جون جوزيف ماثيوز كويكبة بتلات الأزهار هذه، كما لو أنّ الآلهة قد تركت قصاصات ورقٍ ملوَّنة. عندما تبدأ ذئاب البراري بالعواء بشكلٍ مقلِق تحت ضوء القمر المكتمل في شهر أيّار/مايو، تبدأ النّباتات الأطول، مثل نباتات المكحّلة والسوزان ذات العيون السود، بالزحف إلى الصغيرة لتسرق ضوءها وماءها، وتتكسّر أعناق الأزهار الصغيرة وتُرفرف بتلاتها بعيداً، ولا يطول الأمر قبل ان تكون قد دُفِنت جميعها تحت الأرض. ولهذا السبب يشير هنود قبيلة الأوساج إلى قمر شهر أيّار/مايو باعتباره القمر الذي يقتل الأزهار". 
 
مَن يقرأ هذا المقطع الانشائي الشعري البديع في مفتتح كتاب "قَتَلَةُ زَهرة القمر/ جَرائِمُ قَتلِ الأوساج وولادة مكتب التحقيقات الفِدرالي" للصحافي الأميركي ديفيد غران(*)، يحسب أنّه سيوغل في ملحمة أسطورية شعرية، لكننا أمام ملحمة درامية تراجيدية لقبيلة الأوساج التي عانت كثيراً من جرائم القتل والارهاب المنظّم، والعنوان الرئيس لهذا الكتاب الذي تؤلّفه جملة: "قتلة زهرة القمر" ليس عنواناً متخيَّلاً؛ بل هو عنوانٌ واقعيّ، تماماً، إذ هو يشكّل محاكاةً رمزيّة دالّة على واقع البيئة الطبيعية للأرض التي يقطنها الأوساج، والتي تشهد كلّ عامٍ على المشهد الطبيعيّ المأسويّ. ففي مشاهد دافئة، يستعرض العمل تقاليد قبيلة الأوساج للاحتفال بمولد طفل، واختيار اسم له، وكذلك يؤكد على عمق ارتباط السكان الأصليين بالطبيعة ويعرض قصصهم الدينية حول زهرة القمر التي تنمو في التلال المحيطة بمنطقة إقامتهم، ويربطون جمالها بنظرة الخالق لها.
 
كتاب ديفيد غران يأخذنا إلى مكان آخر، إلى فصل مأسوي ومنسيّ من تاريخ الغرب الأميركي، والمؤلف يثبت حقيقة القتل والجشع والظلم العنصري الذي طاول قبيلة الأوساج الهندية، من أجل الإستيلاء على ثرواتهم الطائلة... لقد رُحِّلَ الأوساج في أوائل سبعينيّات القرن التاسع عشر من أراضيهم في كانساس، إلى محميّةٍ صخريّة، يُفترَض أن لا قيمة لها في شمال شرقي أوكلاهوما، ليتمّ الكشف بعد عقودٍ، عن أنّ هذه الأرض تقع فوق أحد أكبر إحتياطيّات النفط في الولايات المتحدة. وللحصول على هذا النفط، كان لا بدّ للمنقِّبين أن يدفعوا لهم بدل الإيجارات والعائدات (هناك الكثير من الروايات كان محورها اكتشاف النفط وتبعاته، ونجدها بقوة في مؤلفات عبد الرحمن منيف).
 
وفي أوائل القرن العشرين بدأ كلّ شخص في القائمة القبليّة بتلقّي شيكاتٍ رُبع سنوية. وصارت "النعمة" نوعاً "نقمة" كما يقال بالعامية، كان المبلغ في البداية بضعة دولارات فحسب، لكن مع مرور الوقت، تمّ رصدُ مزيدٍ من النفط، وزادت الأرباح من المئات إلى الآلاف. واعتُبر الأوساج من أغنى الشعوب في العالم بالنسبة إلى دخل الفرد، فبعد اكتشاف النفط تحت أراضيهم، ركبوا سيارات يقودها سائقون، وبنوا قصوراً وأرسلوا أطفالهم للدراسة في أوروبا وظهرت عليهم علامات الثراء و"البحبوحة". وهذا عرّض القبيلة الهندية لأطماع جماعاتٍ شرّيرة من طبقات المجتمع الأميركي كافة، التي احتمت بالقانون لتُنفِّذ جرائمها المتسلسلة الغريبة والغامضة بحقّ الأوساج، وأشدّها مأسويّة تلك التي طاولت عائلة مولي بوركهارت. ومولي كانت زوجة لشخص أبيض يُدعى إرنست بوركهارت، الذي كان شريكاً أساسيّاً في التسبب بمأساة عائلتها. فلقد قُتلتْ أخوات مولي الثلاث وأمّهن، ومولي كانت مشروع قتلٍ، أيضا، لأنها (وهي المريضة بداء السّكّري) كانت تُعطَى إبراً لتقتلها ببطء مِن قِبَلِ طبيبها تحوي مادة سامّة على انّها مادة الأنسولين. لكنّ ما حدث أن نجت مولي من الموت بهذه الطريقة، لأنها طَلَّقت إرنست بعد اعترافه في المحكمة، بعدما قُبض عليه، بضلوعه (مُنَفِّذاً لأوامر خاله – شقيق أمّه ويليام ك. هيل) في الجرائم. بدأ مسلسل القتل بتصفية الهنود الأغنياء، ومن ثمّ القتَلة المأجورين أنفسهم الذين أوكِلوا قتل الهنود، لتصل التصفية إلى اغتيال المحقِّقين الخاصِّين الموكَّلِين جمع الأدِلّة في هذه القضية، ونشر الشائعات الكاذبة لتضليل التحقيق. وشكّلت هذه الجرائم سبباً إجباريّاً لولادة مكتب التحقيقات الفِدراليّ في الولايات المتّحدة، خصّيصاً من أجل التحقيق في هذه الجرائم.
 
كتاب غران، يعتمد اعتماداً كبيراً على موادٍ أوّليّة دقيقة وحقيقية وغير منشورة، ويضمّ سِجِلاّت: وقائِعَ جرائم قَتلِ الأوساج، كما يضُمُّ سِيَرَ ضَحاياهم، وسيَر مرتكِبي الجرائم بحقّهم ومجموعة كبيرة من الصور لأفراد وأشخاص من الأوساج وغيرهم. على أنّ الوقائع التي جَمعَها المؤلِّف إنّما جَمعَها من أجل سَدِّ نقصٍ فادِحٍ اكتشفه في تحقيقات مكتب التحقيقات الفدرالي بشأن قضايا جرائم قتل الأوساج. وبلغ عدد القتلى الرَّسميّ في عهد الإرهاب والرعب في الأوساج، 24 ضحيّةً. وبعد جمعِ أدلّةٍ دامغة تُدِين وليام هيل وإرنست بوركهارت، إستصدر وايت في مكتب التحقيقات الفدرالي مذكرتي توقيفٍ بحقهما في (4 كانون الثاني 1926). فقُبض على إرنست بوركهارت، وسلّم وليام هيل نفسه لعمدة مقاطعة الأوساج، ونُقل الموقوفان، إلى السجن. وتمَّت محاكمتهما في المحكمة الفدرالية، حيث اعترف بوركهارت بمشاركته بجريمة قتلٍ، وقال إنّها تمّت بطلبٍ وتخطيطٍ من خاله هيل. وحُكم عليه بالسجن المؤبَّد والأشغال الشّاقة. وبالرغم من وفرة الأدلّة لدى مكتب التحقيقات على أنّ هيل هو المسؤول الوحيد عن كلّ جرائم القتل، إلاّ أنّ المحكمة لم تُدِنه إلاّ بجريمة قتلٍ واحدة، ومع ذلك فإنّه لم يعترف بها، بل اعترف بها من استخدمه هيل لِتنفيذها، فحُكِم عليهما بعقوبة الإعدام. لكن، ولأنّ هذه الجريمة هي، وبحسب المحكمة، مجرّد "جريمة قَتلِ هنديٍّ"، فلقد خُفِّضَتِ العقوبة إلى حُكمٍ بالسجن مدى الحياة.
 
وبعدما أمضى إرنست بوركهارت أكثر من عقدٍ من الزمن في السجن، أُخلِيَ سبِيله بإفراجٍ مشروط، وأطلِقَ سراح وليام هيل بعد عشرين عامًا في السجن. وعلى هامش الكتاب، ثمّة من يقارن بين ما فعله الاستعمار بالهنود الحمر في أميركا وما يفعله الاحتلال الاسرائيلي بالفلسطينيين في فلسطين. كتب سعد البازغي أنه في العام 2021 أصدرت ولاية أوكلاهوما قانوناً يمنع المعلمين في المدارس العامة أو الحكومية، حسبما ورد في صحيفة "نيويورك تايمز" في مقالة حول الفيلم، من "تدريس عدد من المفاهيم"، منها أن "يشعر أي فرد بالانزعاج أو الذنب أو الألم أو أي نوع من الانقباض النفسي" لكونه ينتمي إلى عرق أو نوع، ذكراً أو أنثى. أدى ذلك إلى تخوف المعلمين من تدريس الرواية التاريخية "قتلة القمر الزهرة" وخشيتهم من فقد تراخيص عملهم وفقدان وظائفهم نتيجة لذلك. مقالة "نيويورك تايمز" كتبها اثنان، أحدهما مؤلف الكتاب الذي تأسس عليه الفيلم، ديفيد غران، والآخر جيم غري الذي قتل أحد أجداده من السكان الأصليين في تلك الأحداث. يقول الكاتبان: "لم تُمح هذه الأحداث من ذاكرة الأوساج. لكن معظم الأميركيين مسحوا من ضمائرهم حتى الرواية المعقمة التي تبناها مكتب التحقيقات الفيدرالي". ويشير الكاتبان إلى أن تلك الأحداث التي يطلقون عليها "عهد الرعب" تشبه المذبحة المعروفة بمذبحة تلسا العرقية (وتلسا هي ثاني أكبر مدن ولاية أوكلاهوما) في أن الحادثتين لا تُدرّسان في المدارس، حتى في أوكلاهوما نفسها. عملية تعقيم التاريخ مهمة لضمير يعترف ضمناً بما يثقل كاهله.
 
عن المؤلّف 
ديفيد غران هو كاتبٌ أميركيّ ومدير تحريرٍ وصحافيّ استقصائيّ في مجلّة "نيويوركر"، متخصِّصٌ في العلاقات الدولية والكتابة الإبداعية، حاز جائزتَي توماس واتسن وجورج بولك عن كتابه "المدينة الضائعة: زي". اشتُهر غران في العالم بسبب كُتبه التي تحوّلت أفلاماً سينمائية ناجحة مثل "جريمة العجوز والبندقية"، و"الظلام الأبيض"، و"الرهان" الذي اشترى المخرج سكورسيزي والممثل ليوناردو دي كابريو، كمنتجَين، حقوق تحويله فيلماً قبل صدوره. واعتُبِر كتاب "قتلة زهرة القمر" جوهرة كُتُب التّحقيقات بحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، وخلاصة "الإثارة والتشويق" بحسب "فاينانشال تايمز"، واعتُبِر "كتاب العام" في ثماني صحفٍ مرموقة في الولايات المتحدة. مجلة "تايم" ضمت الكتاب كواحد من أفضل عشرة كتب غير خيالية للعام 2017. ولقد حُوِّل هذا الكتاب فيلماً سينمائيّاً عالميّاً يحمل الاسم نفسه للمخرج مارتن سكورسيزي، يلتقي فيه باثنين من أهم ممثلي هوليوود، ليوناردو دي كابريو وروبرت دي نيرو، واعتبر سكورسيزي هذا الفيلم أول فيلم ويسترن يقوم بإخراجه، لكنه يحمل في طياته العناصر الثابتة التقليدية في أعماله، قلب الإنسان المتعفن في صميمه وكيف تولّد السلطة دافع التدمير، وأساطير رعاة البقر والخارجين على القانون وحقيقتهم القذرة. 
 
(*) صدر في ترجمة عربية عن شركة المطبوعات في بيروت.
 
 
المصدر: المدن