معرض الكتاب... الكلمات بين دفّتي المقهى
فوزي ذبيان
الخميس 30 تشرين الثاني 2023
طالعني الفايسبوك بصورة جمعتني مع أصدقاء في كافتيريا معرض الكتاب في بيروت، والصورة تعود إلى سنوات خلت. تفور الكافتيريا في الصورة بالناس وكأني بها امتداداً طبيعياً لأروقة المعرض ودور النشر المشاركة وبل وكأني بها امتداداً لرفوف الكتب والكتب وللأسطر داخل الكتب وللكلمات.
كان الأرجنتيني ارنستو ساباتو يقول، أنا أؤمن بالمقهى كما أؤمن بالحرية وبالكرامة الإنسانية التي تنقرض يوماً بيوم.
مع البدايات الأولى للمعرض الحالي، ولجتُ إلى الكافتيريا وكانت شبه خالية، وقد سُوّرتْ بجدران بيضاء تفيض بكل ضروب الملل... ربما هو الإنقراض الذي تكلم عنه ساباتو، لست أدري. فأنا من السذاجة لدرجة أن الحزن لفّني بسبب تلك الجدران التي تحيط بكافتيريا المعرض هذا العام، وهو ما لم أعهده منذ بداياتي الأولى مع معرض الكتاب وهي بدايات تعود إلى تسعينيات القرن المنصرم.
الخوف هو الإنطباع الأول الذي تلبّسني، وقد عنّ في بالي أن تلك الجدران هي بمثابة دعوة فجة لعدم الإنخراط في العالم. ربما في الأمر مبالغة، لكن المشهد تراءى لي وكأني في مهرجان كئيب من الأوراق اليابسة، إذا أردتُ أن أستعير آنا إخماتوفا في هذا السياق.
تناهى إلى مسامعي صوت صديقتي حنة آرندت وهي تحادثني عن الآغورا، والآغورا كلمة يونانية تعني من ضمن ما تعنيه الساحة العامة، حيث الظن يشاكس الظن، وحيث القول يناطح القول. فالآغورا هي مصب شلال الكلمات الهادر الذي، للمفارقة، يودي بالعقل إلى الإسترخاء والراحة.
لا كلمات في تلك الكافتيريا المسوّرة في هذا المعرض الأخير، إنما حشد من الكراسي والطاولات والوجوه التي اتّشحت بضجر عمّال الكافتيريا.
الكتاب في ذهني ليس مجرد كلمات بين دفّتين، فكافتيريا معارض السنين الخوالي، ألهمتني أن الكتاب هو أيضاً لفتات النظر وفلتات الألسن وصوت ارتشاف القهوة ودردشات صاخبة أو هامسة تمهّد لكتابات المعرض المقبل.
تقول داريا بينياري في رائعتها التأملية "الكتب التي دمّرتْ حياتي"، لا يمكن للمرء أن يشفى من الحزن... وكل ما يمكنه هو أن يتعرّف عليه.
لا أخفي أنّ ملمحاً من الحزن ارتسم أمامي وأنا أمعن النظر في يباب كافتيريا معرض هذا العام. الكتب لا تدمّر الحياة إلا إذا تمّ تسويرها، شأن تلك الكافتيريا الباهتة. فالكتب بعامة هي مقاهٍ بلا جدران، الكتب آغورا.
قرأتُ مرة في كتاب عن السيمياء والتأويل، أن الكائنات البشرية هي حيوانات منتجة للنصوص وفي بال روبرت شولز، مؤلف الكتاب، أن النصوص هي عبارة عن كائنات شريدة تجوب الشوارع والأزقة والمدن القريبة والبعيدة وتجوب المقاهي بشكل خاص... إن النصوص هي كائنات تتحين لحظة إلقاء القبض عليها وزجّها في بين دفتي كتاب.
علّمنا نيتشه أنّ المفكّر الحقيقي يتوجّه إلى كل الناس وإلى لا أحد في آن معاً.
نحن أهل معرض الكتاب ومقهاه، لطالما تمثّلْنا أنفسنا كل الناس، ولا أحد في آن معاً. نحن الجموع، نحن الذين لا أحد، تَرانا نتحرى لحظات نشوتنا عبر اقتناص عناوين الكتب، ونسترشد درب كلمات الآخرين الذين يقتعدون الطاولات المجاورة.
لطالما قرأتُ ناس المقاهي كرصيد احتياطي من الدلالات. أما صراخهم على بعضهم البعض حيال هذه الفكرة أو تلك، فهو عندي بمثابة الطريقة التي عبرها يصار إلى عدم الإستحواذ على كلّية المعنى.
كواحد من ناس المقاهي، تراني أعود بعفو الخاطر إلى جملة أسما،ء كالقس باركلي، على سبيل المثال. كان هذا القس يقول إن طعم التفاحة ليس في التفاحة نفسها، وأيضاً ليس داخل فم من يقضمها، إنما طعمها يكمن في التواصل بين الإثنين. ما ينطبق على تفاحة باركلي، ينطبق بالمثل على الكتب التي تُقضم في المقاهي. أما الفرنسي برنار بيفو فيقول في "مهنة القراءة" إن روعة هذه المهنة تكمن في دفع الإنسان لأن يتواجد هنا وهناك في الوقت نفسه. لم يحدّد بيفو ماذا يقصد بال "هنا" والـ"هناك"، لكن تلك المقارنة العفوية ارتسمتْ داخل ذهني بين كافتيريا معرض هذا العام وكافتيريا معارض السنوات المنقرضة، فأضاءت بعض جوانب المسألة المتعلقة بالـ"هنا" والـ"هناك"، بل ترى هذه المقارنة أضاءت أيضاً بعض جوانب معرض الكتاب في أَمسِه وحاضره وربما غده وبعد غد.
على كل حال إن تعديل المرء لماضيه لا يقوم فقط على الإشارة إلى عتمة الحاضر، بل يقوم على التمعن في ذلك الماضي، إذ يغلب الظن أن تلك العتمة كانت تتخلل بكل خبث ونشاط ذلك الماضي، على غفلة من الجميع، وما ينطبق على معرض الكتاب ومقهاه في هذا الصدد، ينطبق على لبنان كله.
المصدر: المدن