معرض بيروت للكتاب... "لعنة" الأسعار وأشياء أخرى
المدن
الثلاثاء 28 تشرين الثاني 2023
حمل الرجل الخمسيني كتاباً صدر حديثاً، وأتى مستعجلاً يسأل صاحب الدار عن سعره، فقال له: 18 دولاراً ونبيعه في المعرض بـ15، فتبدلت ملامح الرجل وتجهّم قليلاً وقال: 15 دولار... ربما احتسب الأمور مقارنة براتبه المنهار، فصمَت، حمَل الكتاب، أدار وجهه، وضع الكتاب في مكانه على الستاند ومشى، كأنه يفكر بالخروج من المعرض، والعودة من حيث أتى، وكأنه يشتم بالطول والعرض، لا ندري. (ذلك أن دَخل المواطن اللبناني في بعض المناطق يتراوح بين 5 و10 دولارات، ودخل الموظف المتقاعد أقل من ذلك...).
هذا المشهد يتكرر كثيراً، هذه السنة والسنوات القليلة التي سبقتها. حتى أن الجدل يدور أحياناً حول كتاب سعر 5 دولارات وبطبعة قديمة. بمعنى آخر، "لم تعد أسعار الكتب منسجمة من مداخيل الطبقة الوسطى والفقيرة" يقول أحدهم، وبالتالي يبدو شراء الكتب من الكماليات، حتى إن كان بعض المواطنين يمتلكون الدولارات، فهم بشكل سيكولوجي يقارنون بين أسعار اليوم والأسعار في زمن الدولار بـ1500 ليرة... لم يستوعبوا الإنقلاب والانفلات الحاصل، ما بدّل مسار حياتهم، كما لم يستوعبوا أن المصارف سرقت ودائعهم.
في الواقع أصبح معدل أسعار الكتب الجديدة، ذات الغلاف العادي، بين عشرة وعشرين دولاراً، وهناك عوامل كثيرة زادت جنون أسعار المطبوعات، غالباً ما يتداولها أصحاب دور النشر في المعرض. فعدا عن طمع بعض الناشرين في الربح، خصوصاً الكتب الموقعة، وعدا عن ارتفاع سعر الورق الذي أحدث أزمة عالمية، تقلصت القراءات بشكل كبير في السنوات الأخيرة بفعل التحوّل الالكتروني والمطالعة عبر الانترنت والقرصنات الكبيرة والفايسبوك. وبالتالي، بات الناشر يقلّص طبعات كتبه، فبدلاً من طباعة 1000 نسخة، يقتصر على 300، وكلما قلّ عدد النسخ كلما زادت كلفتها وزاد سعرها وزاد معها ضجيج القارئ.. هذا جعل الكثير من عشاق القراءة واقتناء الكتب يرفعون الصوت، وربّما يمتنعون عن الشراء ويشعرون بالاغتراب عن الورق.
ثمّة دور لجأت الى تسعير بعض الكتب الكاسدة في المستودعات بسبب الأزمات المتلاحقة، بـ100 الف ليرة، وهي في الواقع كتب جيدة المضمون ومن روايات مترجمة وكتب تراثية، مشكلتها الوحيدة أنها مكدّسة في المستودعات، فقدت قيمتها التسويقية ودعايتها، ولم تعد المكتبات تطلبها..
في مقابل غلاء أسعار الكتاب الجديدة، هناك غلاء المجلات القديمة (الانتيكا) والكتب النادرة والنافدة، وهذه لها جمهورها وروادها رغم أن أسعارها تبدو خيالية بالنسبة للبعض. فثمن مجلد يتضمن أعداداً من مجلة قديمة، 200 دولار، وثمن عدد من جريدة نادرة، مليون ليرة، ربما هي مفيدة لهواة المحفوظات فقط.
لا يستنكر زوار المعرض أسعار الكتب فحسب، وهم يقترحون دعمها من وزارة الثقافة لتكون في متناول الجميع، بل يتململون أيضاً من وضع العوائق والمكعبات الأسمنتية، على جوانب طرق الواجهة البحرية الممتدّة إلى المعرض والتي تجبر المواطنين على ركن سياراتهم في مرآب مقابل 200 ألف ليرة، بطريقة يعتبرها البعض أشبه بأمر واجب و"وخوّة" و"سلبطة" و"تشليحة"، فلجأ كثر إلى الذهاب إلى المعرض سيراً على الأقدام..