دراويش بديع جحجاح: تطهّر وتحوّلات
نقولا طعمة
الأربعاء 3 كانون الثاني 2024
يؤثِر الفنان السوري بديع جحجاح (1973) أن يوحي بأنه قادم للتوّ من سفينة نوح حيث كان مختبئاً، ويقول: "لو أتيح لكم أن تسألوا نوحاً، لأخبركم أني كنت مختبئاً على ظهر سفينته".
يعني ذلك أن الفنان كأنه قافزٌ للتوّ من ظهر سفينة نوح التي لم يصعد إليها إلّا الأخيار، ففي الرواية الدينية لقصة نوح، أن الفساد، والموبقات طغت على حياة البشر، فكلّم الله أحد أوليائه الصالحين- نوح - وطلب منه تهيئة سفينة تتسع لأكبر عدد ممكن من أزواج طيور وحيوانات، فنفّذ نوح ما أوصاه الله به، وبعد الانتهاء، بدأ هطول مطر غزير استمر لأربعين يوماً من دون توقّف، تغطّت خلاله الأرض بالمياه، وجرى غسلها من الموبقات، ولم ينجُ إلا من كان على ظهر السفينة الذين كتبت لهم حياة جديدة، نقيضة للحياة التي كانت سائدة.
إنها عملية انتقال بين مرحلتين، ما قبل الطوفان، والفساد السائد، وما بعده من حياة صالحة، يعبّر جحجاح عن هذا التشبيه عندما يعلن لــ "الميادين الثقافية" أن الحرب السورية - كمرحلة شبيهة بما قبل طوفان نوح - نقلته إلى عالم جديد وبنظره، عن طريق نوح عصره - الدراويش.
لماذا الدراويش تحديداً؟ يقول جحجاح: "لأنهم أصحاب الدروب الصوفية التي أنقذت روحي خلال الحرب، وحوّلت طاقتي من التوحّش الى الارتقاء كإنسان، ودمّرت مشاعر البغض، والانتقام، والكراهية، والعبودية، والقبح، وجعلتني أسلك دروب العشق لوعي الحق والجمال، وأكون حراً ما بيني وبين نفسي، وأبني جسور علاقاتي مع الآخرين".
ويضيف أن "عدد الدروب الى الخالق هي بعدد أنفاس الخلائق، وهي لغة غنية مكتملة بذاتها، إنسانية تنشر رسائلها من خلال الدراويش، الذين يتماهون في دورانهم مع الكواكب والنجوم، الساعين إلى الخير، والحب، واللطف، والعطاء"، وذلك أنّ "كلّ ما قدّمته الحضارة لوعي البشرية يمزجها الدرويش عبر طوافه ليرتقي الإنسان في داخله، فيهزم الوحش ويتحرّر من الشر ويؤسّس لأنفس ذات طاقة صافية كونية الاتصال".
لا عجب إذا سحبنا التشبيه "النوحيّ" على عصرنا الراهن، حيث نعيش فترة طويلة من الحروب، والمآسي، والظلام، والعدوان، وموبقات العصر، فنجد أن المرحلة السابقة هي مرحلة الفساد، والاستكبار العالمي المهيمن على العالم بحروبه، وفساده، وعدوانه، من الحرب على سوريا إلى حرب غزة.
في هذه الفترة، يرفض الفنان الحياة السابقة، ويقفز إلى مرحلة انتظار نهاية الطوفان الذي سيغسل الأرض من موبقات عصر الهيمنة الخارجية، والفساد، والعدوان، والظلم إلى عالم أكثر عدلاً، وتسامحاً، وحبّاً، ويقول: "أعتقد أن على الفنانين في العالم الشرقي أن يوظّفوا قدراتهم أكثر لإنتاج أعمال فنية معاصرة، فيها روح المشرق، ومنسجمة مع التيارات المعاصرة، وتؤكّد الهوية التي تختطف تحت مسميات الحداثة".
مرحلة الحداثة هي التي يستهدفها جحجاح، وهي مرحلة شبيهة بمرحلة ما قبل نوح؛ ميزاتها الخاصة تتركّز في العدوان، والحروب، والتدمير السائدة في عصر ما بعد الحداثة التي دمّرت القيم، والثقافات الإنسانية المتراكمة عبر التاريخ، واستباحت كل تجليّات الحضارات الإنسانية من دون وَجَل حيثما أتيح لها، وفي بلداننا العربية إشارة إلى ما حدث في العراق، وليبيا، وقبلها الجزائر، وحالياً ما يجري في غزة، وما جرى في فلسطين منذ نكبة 1948.
سفينة نوح في هذا الموقع الزمني، محطة بين محطتين تحفّان بما نعيشه، مرحلة السيطرة والحروب، ومرحلة ما ينتظره الإنسان ما بعدها.
استعداداً للمقبل من الأيام، يعمد جحجاح إلى تبنّي عملية التغيير التي عصفت به من جرّاء الحرب على بلاده: "فجأة...! استيقظت من الأنا الأسيرة، فركضت إلى أعلى التل المجاور، وقفزت إلى الغيم، لأهبط وأرتطم بأسفل الوادي، ثم أغرق في النهر الذي غسلني وأعادني طفلاً لأكون هدية المحيط، وأولد من جديد بأجنحة وسعها الفضاء، فأصير كوناً"، مردفاً بالعبارة الغالية على قلبه: "لو أتيح لكم أن تسألوا نوحاً، لأخبركم أني كنت مختبئاً على ظهر سفينته".
أما الدروب الصوفية - الدراويشية - فمتعدّدة، والطريقة التي التزم بها جحجاح مختصرة في عبارة (درويش حبق)، ويوضح أوّلاً، أن "الإنسان مهما علا شأنه هو درويش على باب الله، ويعرف أن دربه إلى الله هي حبق، وإنْ هي إلّا "النبتة التي عاشت صديقة لأمي، ولجميع أهل منطقتنا في جبلة، وهي مؤلفة من 3 حروف، أول حرفين "حب"، والأول والأخير "حق"، والعكس "قبح".
وتختزن تلك الجملة المعنى، والمبنى للوعي القادم الذي "أحب أن أرى إنسان وطني يحمله في قرارة قلبه فطريقة "درويش حبق" متحررة من كل الشعائر والنظم، وتنتمي لها جميعاً"، كما يقول جحجاح.
ولطواف الدراويش سحر كوني وفق الفنان السوري، إذ "هو حالة اتصال عمودية مستمرة بالخالق جهة العرفان والشكر يعكسها السلوك الأفقي الأخلاقي مع الآخر من خلال وعي مُفْرَدَتَي الحبّ والحق.. يا حبق".
وفي الطواف، يظل الدرويش يفتل على إيقاع متردّد، سعياً للانخطاف، والتصاعد نحو الأعلى، وفي هذا التصاعد، تتحدّد علاقة الدراويش بربهم، ويعتقد جحجاح أن "علاقتهم بربهم علاقة عمودية صامتة مبنية على الشكر، والحمد، والممنونية، والفناء في روح المطلق عبر فهم جميع التعاليم ومزجها مع بعضها: المسيحية، والإسلام، اليهودية، والبوذية، والكونفوشية، والزرادشتية وسواها".
وفي الانخطاف، يبلغ الدرويشي ذروة التجلي، والاندماج بالخالق، وفي الوقت عينه، يحقق حريته المطلقة، المتفلتة من كل القيود، والعوائق، حركة يستلهمها جحجاح في أعماله، فيصبح "درويش حبق" هو "الدرب الذي أنشر من خلاله مجمل الأفكار التي حرّرتني من العبودية لأي شيء، عبر رموز فنيّة تسعى للكمال بمعانيها، وللجمال بهندستها كي تعيش أبداً".
وعليه فإن "درويش حبق" هو "مشروع تفكير وهديتي لوطني وللعالم، ورؤيا لتصويب بوصلة الوعي الروحية الأخلاقية من خلال الفن في المنطقة، وللإنسان السوري خاصة الذي خاض حرباً مريرة وضعته أمام اختبار هائل أمام ذاته وجعلته عارياً".
في أعمال ولوحات جحجاح حركة يتجلّى فيها إيمانه المتجدّد بتحوّلاته، حيث "الدرويش في لوحاتي قد يتحوّل في لحظة إلى شجرة، إلى قصيدة صوفيّة، إلى حكمة، إلى رمز مستوحى من الدراويش يختزن ضمنه معاني العرفان لله، والجمال، والسلام؛ تلك القيم التي حاولت آلة الحرب تدميرها".
وللأشجار في أعماله أبعاد ومعانٍ، لأنها "تشبه الكلمات ذات المعنى العالي جذورها ثابتة وفروعها في السماء تمنح خيرها للجميع بلا تفريق"، موضحاً أنه "أحياناً يذوب الدرويش على سطح اللوحة ليدخل منطقة التجريد التي لها علاقة بالتأمّل والسكون".
والحروفية لا تقلّ حضوراً في أعماله، فهي "التي أنسجها من خلال الكتابة المباشرة، أو الأختام، وتبدو من اليسار إلى اليمين إشارة للعودة إلى الماضي، واصطفاء النبيل، والنقي لترميم الروح المعطوبة بفعل تراجيديا الحرب".
وتزخر أعمال جحجاح الموجودة اليوم في غاليري (Art District) في بيروت، بأشكال الأختام "لأنها ضرورةٌ بالنسبة إليّ"، كما يقول، حيث "وجود ختم يروي القصص والحكايات عن روح الشرق الدافئة، وطبيعة البنية العاطفية للإنسان فيها، فيكون الختمُ بطلاسمهِ تجربةً بصريةً فريدةً من وحي الدراويش أنقذت روحي، مُحَمّلةً بالجمال الذي يكتنزُ المعاني معلناً نهاية الجدال على مرحلةٍ باتَت من الماضي تشبه الأمنية، فيها خلاصنا، وإعلانٌ لولادةٍ جديدة".
و"بذلك، أصبحت صورة الختم بذاته بوابةً للعبور تختزل برمزيتها معظم الأجوبة لأسئلة مؤرقة تكاد تكون مصيرية جهة تحرّر العقل، وانعتاق الروح لتحريرها من سطوة الجسد، والأفكار الهدّامة، مؤسسة دروب وعي وجسور تواصلٍ من أجل مجتمع أنهكتهُ الحربُ وحرفت بوصلته الأخلاقية".
وعرف جحجاح بداية من خلال مفهومه الخاص الذي أطلقه على مؤسسته BJ Concept، وهي مؤسسة متخصصة بالتصميم الغرافيكي، وصناعة الرموز والشعارات (اللوغو).
درس التصميم الغرافيكي في دمشق، وأسس للعديد من المراكز الفنية النابعة من اختصاصه واهتمامه بروحانية الشرق، واستلهامه لحركة الدراويش، منها مركز "ألف نون"، ومركز "رفوف"، ومفهوم "أفلا"-تساؤلات عن الممكن، وله اجتهادات متعدّدة في مزج الفنون، والثقافات، مع المعارض، والمسرح، ويعطي محاضرات في اختصاصه "التصميم الغرافيكي، وما يُستمَدُّ منه من اجتهادات، في معاهد وجامعات سوريا. له مشاركات في العديد من المعارض، وعدد من المعارض الفردية ابتداء من سنة 1993، التي تمحور العديد منها حول أبحاثه عن الدراويش.
المصدر: الميادين