أحداث ثقافية أخرى
المكتبات الشخصية السورية بعد التعفيش... "أنتيكات" إلى الخليج
علي سفر
الإثنين 21 آب 2023

حدث ويحدث حول العالم، وربما حدث ذات مرة في دمشق، أن يقوم قارئ ما بوضع كتاب انتهى من قراءته على مقعد في الحديقة، أو حافة نافذة بيت، أو في زاوية ما، ثم نشر في أحد المنتديات يخبر من يرغب من القراء بإمكانية أن يجد الكتاب في ذلك المكان! ليقوم القارئ الجديد بالحصول على الكتاب والتهامه بعينيه وعقله، قبل أن يكرر بدوره العملية، وليرحل الكتاب مرة أخرى إلى أشخاص آخرين وأمكنة أخرى في إطار ظاهرة تفاعلية تطوعية باتت تعرف باسم "الكتاب المسافر".
 
هنا يعرف المالك الأول للكتاب المحطات التي مرّ فيها كتابه، أين انتهى وربّما إلى أين سيمضي، فيتحقّق لديه فائض من المتعة يأتي بعد متعة المطالعة الأولى، إذ لطالما ارتبطت القراءة كجزء من فعل التنوير بمسألة التبادل المعرفي عبر فسح المجال للآخرين لأن يطلعوا بدورهم على ما نعرفه ونقرأه.
 
 
لكن أصحاب مكتبات شخصية كثيرة في سوريا، بذلوا الكثير من الجهد والمال في سبيلها، لم يقرروا الاشتراك في هذه الظاهرة أو غيرها، باتوا يبحثون في مصير كتبهم التي سطروا في هوامشها ملاحظاتهم وتعليقاتهم، والتي اختفت في وقت ما من بيوتهم التي هجروها بحثاً عن الأمان من القصف والاعتقال على يد قوات النظام.
 
هذه المكتبات لم تسافر طوعاً بل تم الاستيلاء عليها، من قبل مجموعات أو أفراد، قبل أن تتحوّل إلى مادة للتجارة، داخلياً وخارجياً.
 
فمع تفاقم الوضع المعيشي حالياً في طول البلاد وعرضها، يلجأ كثرٌ إلى بيع ما يملكون من أشياء مرغوبة ومنها تبرز الكتب بوصفها سلعة مهمة، وإذا تم النظر إلى الأسباب التي تجبر الناس على فعل هذا الأمر، فإن العدالة تقتضي أن ينظر إلى الواقعة بطريقة مختلفة، تتجاوز تبسيط معادلة البيع والشراء، فالسكوت أيضاً عما يجبر الناس إلى بيع مقتنياتهم منها مكتباتهم، والقيام بابتياعها بهذا الشكل قد يكون مساهمة في الجريمة.
 
كيف تصل مكتبات السوريين إلى الأسواق المحلية والعربية؟ نسأل عن القصة ويجيبنا أحد المتابعين لأحوال النشر فيذكر أنه "في سياق ما جرى على الأرض السورية من انتهاكات واسعة للحقوق والملكيات برزت ظاهرة تعفيش الكتب، حيث يحصل أحد عناصر الأمن أو الجيش على مكتبة كاملة كحصة في التعفيشة من بيت منهوب، ويتحوّل مع تراكم التعفيشات إلى بائع كتب طارئ، لا يهمه من القصة كلها سوى أن يحصل على أكبر مبلغ ممكن، ويجد بالنتيجة وسطاء يقومون بدفع المعلوم، فيختفي هو من المشهد بينما يقوم هؤلاء بطرح ما يحصلون عليه في الأسواق، ويعلنون للزبائن من الخاصة عن توفر الكتب النادرة والطبعات الأصلية للكتب التراثية المطلوبة".
 
بائع سوري وزبون من الخارج
 
وعن الحالة القانونية للعملية يردف المصدر: "لا يوجد شركات معلنة تقوم بعملية شراء وبيع الكتب، بل هناك عملية نهب يعمل فيها طرفان؛ بائع سوري وزبون من الخارج، البائع يشتري الكتب هنا بالليرة السورية ويبيعها في العراق أو الخليج بالدولار، وهذه العملية تتم تحت سمع ومرأى وزارة الثقافة وبتغطية أمنية، حيث يشارك البائع في معارض خارجية بوصفه ناشراً وهو غير ذلك إذ ليس لديه رخصة دار نشر، ولكنه يأخذ معه كمية كبيرة من الكتب المستعملة المطلوبة ويبيعها هناك للزبائن. وتتركز هذه العملية بشكل رئيس في السوق العراقية التي تشهد ازدهارا في بيع الكتب نظرا إلى تنامي حجم القراء".
 
الكتبي العراقي ستار محسن علي الذي يعمل في شارع المتنبي منذ أربعين سنة، يؤكد حصول هذه الوقائع التي يذكرها المصدر السوري، لكنه يضيف بأن العراق ليس الوجهة الأساسية فيقول: "الكتب القديمة السورية تُهرّب الى الخليج حيث يقتني كثر الكتب كأنتيكات وليس للقراءة، وجزء منها بحسب المصادر يتم بيعه بأسعار عالية، وأظن أن السوق الخليجي هو الأكبر، وتصل إلى هناك عن طريق شحنات كتب لدور النشر التي تصدرها، بحجة أنها جديدة، بحيث تعبر الجمارك، دون مشاكل، وتباع بأسعار خيالية، وأنا شاهد اثبات على بعض الناشرين السورين من ضعاف النفوس الذين يبيعون الكتب القديمة".
 
يرفض ستار ذكر الاسماء درءاً للإحراج أمام معارفه من هؤلاء. وكذلك يرفض المصدر السوري التصريح بهوية من يقوم بذلك، لسبب آخر هو الخوف من التصفية! فقد تحوّل هؤلاء إلى مافيا، تستطيع أن تدافع عن مصالحها بكل الطرق والوسائل الممكنة، ومنها القتل!
 
قبل هذا كله، قد يسأل أحد ما عما تحتويه المكتبات السورية من كتب، لا تتوفر نسخ منها في مكتبات الآخرين؟!
 
حول نوعية الكتب التي تنتشر في الأسواق وأسباب الاهتمام بها، يتحدث مثقف دمشقي عن الظاهرة فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية أيضاً، ويحدّد بأن المسألة لا تتعلق بنوعية الكتب وعناوينها، بل إن الحالة السورية تشكل فرصة كبيرة لتجار الكتب للاستيلاء على المكتبات الشخصية بأسعار زهيدة وبيعها في أمكنة أخرى بأسعار باهظة، ومثلما يعرف الجميع مكتبات القراء السوريين احتوت كغيرها أمهات الكتب، التي يطمع بها تجار الكتب المستعملة".
 
بينما يتحدث الكتبي العراقي كريم حنش عن أهمية الكتاب الثقافي السوري لجهة قيام السوريين بترجمة عدد كبير من المؤلفات عن لغات متعدّدة، ويضيف بأن "لهم سبق في نشر الوعي الثقافي وقد تحولت مساهماتهم إلى مصادر مهمة وبالأخص ترجمات مطاع صفدي ومؤلفات خلدون الشمعة وجورج طرابيشي وبرهان غليون وغيرهم".
 
ويوافقه ستار في هذا الرأي، فيقول: "إن المطبوعات السورية شكلت وتشكل جزءاً أساسياً من اهتمام القارئ العراقي"، لكنه يشير إلى أن القائمين على السوق العراقية ولاسيما كتبيي شارع المتنبي لا يقبلون شراء أي مكتبة كاملة، تصلهم من أي مكان، إذا كانت كتبها تحمل أختاماً رسمية، إذ يؤكد هذا أنها منهوبة من أصحابها، لا يجوز بيعها أو شراؤها، وحين تصل السوق مجموعة كتب تزيد عن الـ100 كتاب، فإنه يتم سؤال المورد عن صاحبها ومصدرها، مع وجود استثناءات، لكن هذا لا ينطبق على الكتب الفردية.
 
ويؤكد ستار أنه خلال تجربته الطويلة لم يشهد، ولم يسمع بأن مكتبة سورية قديمة عرضت في الشارع، بل "ربّما هناك كتب فرادى تجلب من الشام، يتداولها القراء بيعاً وشراءً".
 
الحالات الفردية تؤكدها كمثال صور ينشرها أحد مصوري الكتب إلكترونياً على شبكة الانترنت، حيث يذكر في أعلى الصفحة الأولى من النسخة المصورة تاريخ شرائه لها من سوق المتنبي، لكن ما يلفت الانتباه في الكثير من الكتب السورية التي ينشرها أنها قديمة إلى حد ما، كما أن بعضها قد تم إهداؤه من مؤلفها إلى شخص ما، انتهت مكتبته إلى مصير غير لائق.
 
وبالعودة إلى دمشق فإن الأعراض التي تعاني منها سوق الكتب تبدو أسوأ بكثير مما يعتقده الناظرون إليها من بعيد، فبعد ظاهرة إغلاق المكتبات المعروفة أبوابها، وانسحاب أصحابها إلى مهن تقيهم غائلة الفقر والإفلاس، دخلت المشهد مجموعة من التجار الذين يلهثون وراء الربح بطريقة غير أخلاقية!
 
ويشير المصدر من دمشق إلى أن سوق الكتب غير القانونية أمست في سوريا كأوتوستراد، إذ تمارس بعض المكتبات في دمشق بدورها عملية قرصنة منظمة للكتب الصادرة حديثاً في دور النشر العربية!
 
ويتحدث عن أن أصحاب الحقوق من المقيمين في المكان يحتجون، ويذكر مثالاً قيام زوجة أحد المترجمين الراحلين بمتابعة هؤلاء الذين يطبعون بدون ترخيص كتب زوجها التي صدرت خارج البلاد، حيث تمر عليهم و"تبهدلهم" وتهددهم باللجوء إلى القضاء، ولكن دون فائدة، فهي إذا قررت أن ترفع دعوى قضائية، فعلى من سترفعها، وهل من الجدوى فعل ذلك في بلاد بات هاجس السكان فيها ألا يموتوا من الجوع؟!
 
 
المصدر: المدن