أحداث ثقافية أخرى
ثورة الذكاء الاصطناعي.. هل ستقضي على صنّاع السينما؟
محمد صبحي
الإثنين 10 تموز 2023

الذكاء الاصطناعي(AI) سيغيّر العالم بشكل جذري. جميع الخبراء تقريباً يتفقون على ذلك. التطورات تسير بسرعة، وأبحاث الذكاء الاصطناعي شهدت تقدماً سريعاً في السنوات الأخيرة، ما أدّى إلى مخاوف من أنه يمكن أن يحل محلّ البشر العاملين في مختلف الصناعات. صناعة السينما ليست استثناء، ويتساءل كثيرون عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل تهديداً لصانعي الأفلام من البشر، أو ربما يستبدلهم تماماً في نهاية المطاف.
 
مدفوعة بالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، أدخلت الثورة الصناعية الرابعة نفسها في كل صناعة تقريباً في العالم، بما في ذلك صناعة الأفلام. يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تفعل أكثر من مجرد عمليات إحياء اصطناعية لممثلين متوفّين، عبر مساعدة البشر على أداء الأنشطة بشكل أسرع وأكثر كفاءة. لكن الأسئلة لا تزال قائمة حول أخلاقيات واستخدامات وآثار الذكاء الاصطناعي وفروعه والتعلم الآلي (ML) والتعلم العميق (DP). ففيما يقول بعض الخبراء أنه سيسهم في نهاية المطاف في القضاء على "الوظائف التافهة" وخلق وظائف جديدة، فإن آخرين ليسوا متأكدين تماماً؛ خاصة عندما يتعلق الأمر بالصناعات الإبداعية التي كان يعتقد أنها آمنة من الاضطرابات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
 
من الأمور المزعجة بشكل خاص في مجال صناعة الأفلام وإنتاج الفيديو هو الاستخدام المزعج (والمتزايد) للذكاء الاصطناعي لإنشاء صور ومقاطع فيديو مزيّفة. النقاش الدائر حول مثل هذه التطوّرات يؤشّر على ارتفاع الوعي العام بدور الذكاء الاصطناعي في صناعة الأفلام مؤخراً، لكن في الواقع هذه التكنولوجيا ترسّخت بالفعل داخل المجال، عبر سنوات طويلة من التجريب والتطوير. أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي للمهام المتعلقة بصناعة الأفلام - مثل مزج الصوت والتلوين والدوبلاج وتحرير الفيديو - شائعة نسبياً الآن.
 
بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل التعلّم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية، تُستخدَم بالفعل في جوانب مختلفة من صناعة الأفلام. مثلاً، يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي تحليل سلوك الجمهور وتفضيلاته لمساعدة صانعي الأفلام على اتخاذ قرارات أفضل بشأن المحتوى المزمع إنتاجه. يمكن كذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في مرحلة ما قبل الإنتاج لتحليل النصوص والسيناريوهات وتقديم توصّيات من أجل تحسين المنتج النهائي. مجال آخر يقوم فيه الذكاء الاصطناعي بدور أساسي في صناعة الأفلام هو مرحلة ما بعد الإنتاج. برامج وأدوات تحرير الفيديو مثل Adobe Premiere Pro و Final Cut Pro تستخدم بالفعل الذكاء الاصطناعي لأتمتة بعض المهام، مثل تصحيح الصوت والألوان. يمكن أيضاً استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لإنشاء تأثيرات خاصّة، مثل الصور المنشأة بواسطة الحاسوب CGI والمناظر الطبيعية.
 
لكن، بالرغم من هذه التطورات، لا يزال تدخُّل الذكاء الاصطناعي محدوداً في جوانب معيّنة من صناعة الأفلام. على سبيل المثال، في حين يمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء قصص ونصوص أساسية، فلا يمكنه مضاهاة أو استنساخ الإبداع والمشاعر الفريدة والخصوصية التي يجلبها صانعو الأفلام البشريون إلى عملهم. وبالمثل، لا يمكن للذكاء الاصطناعي استنساخ اللمسة الإنسانية في الجوانب الأكثر دقّة في صناعة الأفلام، مثل توجيه الممثلين والتقاط الأداءات التمثيلية الأفضل أو الجديرة بالتصديق.
 
لذا، فبقدر ما يثير تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الأفلام أسئلة مهمّة حول مستقبل صانعي الأفلام البشر، إلا إنه لن يؤدّي إلى إقصائهم أو إبعادهم تماماً عن المجال. لن تحلّ تقنيات الذكاء الاصطناعي محلّ البشر بالكامل، لأن الآلة، في نهاية المطاف، لن تفكّر ولن تحسّ. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزّز العملية الإبداعية من خلال توفير وجهات نظر ورؤى جديدة قد لا يأخذها صانعو الأفلام في الاعتبار. وحتى هذا الجانب ربما يكون مقصوراً على الصناعة والإنتاجات السينمائية الجماهيرية الضخمة، وليس التجارب الصغيرة المميزة لسينمائيين يسبحون ضد التيار، شكلاً ومضموناً.
 
صناعة الأفلام في جوهرها جهد إبداعي يتطلّب خيالاً وحدساً وعاطفة إنسانية، والذكاء الاصطناعي مجرد أداة واحدة يمكنها مساعدة وتعزيز الإبداع البشري، لكن لا يمكنها تقليد المنظور البشري وعملية صنع القرار التي تدخل في صناعة الفيلم. فضلاً عن ذلك، صناعة الأفلام عملية تعاونية تتضمّن مساهمات العديد من المهنيين والمحترفين المختلفين، بما في ذلك كتَّاب وممثَلين ومحررين ومصوّرين سينمائيين. قد يكون الذكاء الاصطناعي قادراً على أداء مهام معيّنة، لكنه لا يمكنه مضاهاة الطاقة التعاونية والتآزر الإبداعي الناتج من فريق من المهنيين البشريين يعملون معاً لتحقيق هدف مشترك.
 
لذلك، في حين أنه من المستحيل التنبّؤ بمستقبل الذكاء الاصطناعي في صناعة الأفلام على وجه اليقين، من الواضح أنه سيستمر في لعب دور متزايد الأهمية في الصناعة. إلا إنه من المهم أيضاً تذكُّر أن تقنيات الذكاء الاصطناعي هي أدوات يمكنها مساعدة صانعي الأفلام، لا استبدالهم كليّة. مثلاً، يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي تحليل كميات هائلة من البيانات لتحديد الأنماط والاتجاهات التي قد تكون مفيدة في تطوير قصص جديدة ومبتكرة، أو اتباع خطّة تسويقية معيّنة. لكن، من ناحية أخرى، لا يمكن للذكاء الاصطناعي، بمفرده، أن يخلق فكرة رائعة وقابلة للتسويق. حتى إن تخيّلنا عالماً حيث يمكن للذكاء الاصطناعي إدخال الفكرة في صندوق وإخراجها من الطرف الآخر فيلماً مكتملاً، سيظلّ بحاجة إلى بشرٍ لينجزوا هذا الفيلم ويشاهدوه ويقولوا "هذا مقرف" أو "هذا رائع".
 
في نهاية المطاف، سيعتمد دور الذكاء الاصطناعي في السينما (مثل أي تطوّر تكنولوجي جديد) على مدى اندماجه في العملية الإبداعية التعاونية، ومدى قدرته على تلبية احتياجات صانعي الأفلام والجماهير على حدّ سواء.
 
 
المصدر: المدن