"الصحافة العربية": معرض موسوعي ينير بدايات الحداثة في "نابو"
الميادين
الجمعة 7 تموز 2023
افتتح "متحف نابو"، شمالي بيروت، معرضاً توثيقياً بعنوان "معرض الصحافة العربية"، وهو الأول من نوعه على مستوى عالميّ، يُقام متوافقاً مع إعلان "بيروت عاصمة للإعلام العربي" لعام 2023، متعمّقاً في نشأة الصحافة العربية الأولى، عابراً مراحل متغيّراتها، ومواقع صدورها، بلوغاً لعام 1955، فيما لا يقل عن 400 منشورة صحافية، جريدة أو مجلة، مع بعض الإعلانات التي كانت تنشر فيها.
وأهمية المعرض في إعادة زخم الثقافة والكتابة وسبل حياة ذلك العصر إلى الذاكرة، وتحفيز المرجعيّات المختصة على متابعة الأبحاث في الصحافة العربية وتاريخها، واستكمال ما بدأه الآخرون، وتقديم معلومات ومفاهيم جديدة لم يسبق أن كُشِف النقاب عنها. كما يضفي المعرض أجواء مرحلة النهضة وما سبقها، وأساليب الكتابة والخطاب واللغة وتعابير ذلك العصر وروحيته.
ويرتكز المعرض، الذي يستمر حتى أيلول/سبتمبر المقبل، على مجموعة أحد مؤسسي متحف "نابو"، بدر الحاج، الذي عمل على جمع ما يناهز 1200 صحيفة ومجلة عربية على مدى 50 عاماً، وهي مجموعة نادرة، بالإضافة إلى مجموعة المتحف الخاصة، وبعض المقتنيات الصحافية، عبر مبادرات شخصية.
يثير المعرض إشكالية ترصّد الصحف العربية، والمنشورات الصحافية، بحيث جرت محاولات قليلة، تميّز بعضها بثرائه وغناه، وأنقذ ما أمكن. ويعرض الحاج، في تقديم للمعرض، بعض المحاولات التي جرت بهذا الخصوص. لكن من يتفحّص اتّساع الإصدارات الصحافية العربية وانتشار أماكنها في مختلف أصقاع الأرض وتفاوت تواريخها، يدرك أن من المستحيل الإحاطة بكل الإصدارات الصحافية العربية، وأنه لا بدّ من خسارة بعض منها وعدم الوصول إلى البعض الآخر.
وينوّه الحاج بأهمية المحاولات التي جرت، ويفيد بأنها لم تستطع تقديم رقم صحيح لأسباب متعددة، منها صدورها في مناطق مهجريّة نائية، ومنها قصر فترة إصدارها، إلى أسباب أخرى.
ويتحدث الحاج عن أوّل محاولة إحصائية على يد جرجي زيدان عام 1892، لــــ 147 صحيفة ومجلة، والمحاولة الثانية لدى ناشر جريدة "طرابلس" محمد كامل البحيري في العدد الأول من جريدته عام 1893، بحيث صدر ما يقارب 40 صحيفة حتى ذلك التاريخ، تبعه الفايكونت فيليب دو ترزي في بيروت عام 1913، في كتاب موسوعي من 4 أجزاء.
ويعرض الحاج متابعي الإصدارات تباعاً، لافتاً إلى أن القرن التاسع عشر شهد في نصفه الأخير انتشاراً مكثّفاً للصحافة العربية، في مختلف الأنحاء من العالم، مؤشراً بذلك على العمق الذي بلغته الحداثة بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
وفق وجهة نظر الحاج، فإن مصر ولبنان كانا مركزي صدور العدد الأكبر من الصحف في العالم العربي، بحيث صدر في مصر في تلك الحقبة 394 دورية، بينما صدر في لبنان 55، لتنتشر الإصدارات في سائر الأقطار العربية لاحقاً.
وأمل الحاج من معرضه أن "يشكل حافزاً للمؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية العربية، كي تبدأ عملية إنقاذ هذا التراث الصحافي من الاندثار".
وتضمّن المعرض صوراً لرواد النهضة العربية على المستويات الثقافية والأدبية والصحافية، أمثال خليل الخوري، وبطرس البستاني، وخليل سعادة، وناصيف اليازجي، وعبد الرحمن الكواكبي، ورفاعة الطهطاوي وسواهم. كما شهد افتتاح المعرض إزاحة الستار عن نُصُب نصفية لرواد صحافيين، هم بطرس البستاني، وخليل سعادة، وأحمد فارس الشدياق، وعبد الرحمن الكواكبي.
ينقسم المعرض إلى أجنحة لكل بلد أو قارة، أو منطقة في العالم. وفي الطبقة الأرضية، جناحا لبنان ومصر، مع صيغ إعلانية، وبوسترات من روحية العصر. وفي الطبقة الثانية، أجنحة أميركا الشمالية، فالجنوبية، فالشرق الأقصى، فالأوروبية، فالشرق العربي، فالصحافة العثمانية حيث بسطت السلطنة سيادتها.
يقدم الحاج معلومات عن أول صحيفة عربية، "الحوادث اليومية" (عام 1799)، أصدرها نابليون الأول في مصر، وثانيتها "الوقائع المصرية" (1828)، التي أسّسها محمد علي باشا باللغتين العربية والعثمانية، والثالثة "مرآة الأحوال" في سوريا (عام 1855).
على الصعيد اللبناني، تُعْرض أولى الجرائد "حديقة الأخبار"، التي أصدرها خليل الخوري عام 1858، ويتحدث الحاج عن أول مجلة عربية "الفتاة" - نسائية -، التي أصدرتها هند نوفل في مصر عام 1892.
جرائد لافتة في حضورها وعناوينها، وما تؤشر عليه، منها جريدة "العالم الإسرائيلي" على يد البيروتي سليم إلياهو، وحملت تواريخ متوازية بالعربية، أيلول/سبتمبر 1921، أي آب/أغسطس 5681 عبراني. و"صدى الجامعة العثمانية"، التي أصدرها عبد الكريم أبو النصر عن جمعية الجامعة العثمانية، وكانت توزع مجاناً.
وهناك "المفيد" التي أصدرها عبد الغني العريس في بيروت عام 1909، وهي دعوة إلى التغيير والتحرّر، وهو ما تفسّره المراجع العثمانية بأنه تأليب أوروبي على السلطنة، وفيها مخالفة لقرارات السلطنة العثمانية، لذلك لقي العريس مصرعه إعداماً على يد جمال باشا، قائد الجيوش العثمانية في المنطقة قبل الحرب العالمية الأولى 1914، وفي أثنائها.
وفي هذا الصدد، يشير الحاج إلى تنوّع المشارب السياسية والفكرية والثقافية للصحف تبعاً لاتجاهات الناشرين.
والطبقة الثانية من المعرض تضمّنت الحيّز الأكبر منه، والبداية بالصحافة الأميركية الشمالية، ومنها "الدليل" (The Guide) (10 أيلول/سبتمبر 1910، العدد 344)، وهي صادرة في نيويورك. واللافت فيها عنوانها الأساس الذي يعيدنا إلى التساؤل عن ماهية لبنان ومآلاته، بحيث لا تزال أموره تتكرر بالصيغة عينها: "من ينشل لبنان من هوّة السقوط؟".
ومن الجرائد "مرآة الغرب" (22 تموز/يوليو 1908)، وفي الصفحة الأولى خطاب الأمير محمد علي شقيق "الجناب العالي الخديوي"، بمعنى أنها جريدة موالية للسلطة. ثم "الشهاب" (The Star)، التي صدرت في مونتريال في كندا عام 1908.
ومن الصحافة الصادرة في أميركا الجنوبية، "المجلة" لخليل سعادة، والتي أصدرها في الأرجنتين في حزيران/يونيو 1915. وفي تقديم لها أعلى الصفحة الأولى: سياسة بلا تحزّب، علم بلا تعصّب، انتقاد بلا محاباة، أنشئت لتكون صلة وصل بين الأوطان والجوالي (الجاليات) اللبنانية والسورية، ولسان حال "النهضة العصرية".
وهناك "العروة الوثقى"، التي أصدرها إلياس قطان في الأرجنتين؛ عنوان متطابق مع جريدة أخرى، وحالة تتكرّر مع أكثر من اسم وعنوان.
ومن الإصدارات الأوروبية، "العروة الوثقى" التي أصدرها الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني في باريس عام 1884، وهما من حركة الإصلاح الإسلامي التي انتشرت في القرن التاسع عشر.
و"منبر الشرق" أصدرها في سويسرا علي الغاياتي، وحملت 3 تواريخ متوازية، شعبان عام 1340 هجري، وبرمودة عام 1638 قبطي، ونيسان/أبريل عام 1922 ميلادي. وتصدّرتها من الأعلى عبارة "الشرق للشرقيين".
و"المستقبل" أسّستها الحكومة الفرنسية عام 1918، لترويج السياسة الفرنسية. أدارها حقي العظم. و"الشرق العربي" لسان حال الحركة التحريرية العروبية، والتي أصدرها مصطفى السعيد عام 1933.
ومن الصحافة من الشرق الأقصى، أي الصين والهند وسنغافورة وسواها، تلفت جريدة "المارونية الفتاة" الصادرة عن "جمعية المارونية الفتاة" عن "واي هاي واي" في الصين، والمعروض هو العدد الأول، تاريخ الخامس من أيلول/سبتمبر 1908. ويتصدّرها في أعلى الصفحة شعار الكنيسة المارونية "مجد لبنان أعطي لها". كيف ولماذا "المارونية الفتاة" في الصين؟ سؤال قد يتضمن كثيراً من الوقائع التي يطمسها التاريخ الرسمي الرائج.
وبالمناسبة، يحضر إلى الذاكرة اسم الطبيب اللبناني الأصل جورج حاتم، ابن بلدة حمانا، والذي رافق الزعيم الصيني ماو تسي تونغ في المسيرة الكبرى، وأقامت الصين له نصباً تذكارياً تكريماً له في بلدته. ويؤشر ذلك على وجهة لبنانية، مارونية، نحو الصين، طمس حقائقها القلم الاستعماري الفرنسي الذي كتب تاريخ المنطقة.
ومن الصحافة العثمانية، كثير جداً من الصحف، ومن أبرزها "الجوائب" التي أسّسها اللبناني الماروني الأصل فارس الشدياق، الذي أسلم، وبات اسمه أحمد فارس الشدياق، وهو من إحدى أهم الشخصيات التي ساهمت في النهضة الثقافية العربية.
من الجرائد العثمانية أيضاً، الكوكب العثماني، السعادة، الهلال، الحجاز، أم القرى، الحقيقة، حضارة السودان، القسطاس - المغرب، كوكب الأفريقية، الإصلاح الجزائرية، الترقي، الفاروق وسواها.
ومن جناح مصر، الكلمة الحرة، الرائد المصري، المأمون، المنار، المحاكم، أبو الهول، الحياة، النبراس، الكشكول، الكواكب، روح العصر، وسواها كثير.
وتقدّم رسوم إعلانية متنوعة فِكْرَةً عن طريقة الإعلان في عصور الصحافة الاولى، واللافت منها إعلانات لحفلات لبديعة مصابني، ولفيلم لمحمد عبد الوهاب، وفيلم ليوسف وهبي ونور الهدى، ولفنانين مصريين ولبنانيين كثر.
وفي خزائن مقفلة، عشرات المجلات والصحف، من مختلف الهويات والمشارب، تُظهر كيفية إصدار المجلات ككتيبات صغيرة، مع صيغ متعددة للجرائد والدوريات.
جرعة "نابو" الصحافية ثقيلة، عميقة، متشعبة، تحتمل كثيراً من الملاحظات، وتفتح الباب على حقائق ووقائع غير مرتقبة.