إصدار لكمال ديب حول تجربة رؤساء جمهورية لبنان
الميادين
الجمعة 2 حزيران 2023
يذكر كمال ديب، "أن بذرة كتابه "عهود رئاسية"، الصادر عن دار النهار للنشر في بيروت، موجودة في كتاب سابق له هو "هذا الجسر العتيق: سقوط لبنان المسيحي" (دار النهار)، وهو كتاب قرأ البعض مطلعه بشكل عابر وأصدر حكماً مسبقاً أنّه يرثي الوجود المسيحي في لبنان والمشرق. وخاصة أنّ مطلعه شمل تحذيراً للزعيم اللبناني ريمون إدّه قبل وفاته عام 2000 من أنّ الحضور المسيحي في لبنان إلى زوال وأنّ العام 2020 سيكون الأخير للكيان. كما أنّ كتاب "الجسر العتيق" يتضمّن فصلاً عن الرئيس السابق إميل لحود بأنّه سيكون الماروني الأخير الذي سيحاول إعادة الاعتبار لرئاسة الجمهورية، المنصب المسيحي الأهم في لبنان".
ويبيّن أنه "من منطلق إعادة الاعتبار لرئيس الجمهورية المسيحي وبالتالي للحضور المسيحي في الجمهورية، تركّز بحثي في كتاب "عهود رئاسية" على رؤساء الجمهورية منذ زمن الانتداب حتى اليوم. أمّا شكواي من إهمال الغرب "الديمقراطي" للبنا ن - وهي شكوى برزت في كتابي "أمراء الحرب" – فقد أسقطتها عن كتاب "عهود رئاسية". فقد أيقنت في العقدين السابقين أنّ النظام السياسي والاقتصادي في لبنان لم يكن ديمقراطياً ولا ليبرالياً منذ ولادة الكيان - إلا نسبيّاً إذا ما قورن بالدول العربية. وأنّ الغرب لم يكن حريصاً على بقاء لبنان أو على نمو لبنانات عربية تؤمن بالحريات وبالانتقال السلمي للسلطة. بل لقد هيمنَتْ على كوكب الأرض نيوليبرالية غربية مفترسة، تعمل نهباً في الشعوب، ليس عندها "أمي ارحميني"، بل هي تخلق ظروفاً تؤدي إلى نكبات ومآسٍ ودمار لأوطان رفضت أن تسلّم ثرواتها وسيادتها للسيّد الأميركي".
يغطّي كتاب "عهود رئاسية" 15 رئيساً من شارل دبّاس عام 1926 إلى ميشال عون (2016-2022)، وقد صدرَ عام 2023 في ظروف صعبة على الوطن الصغير الذي يعاني من خمس نكبات: أزمة اقتصادية غير مسبوقة بدأت عام 2019، تداعيات أزمة وباء كورونا على السفر والتجارة والسياحة والإنتاج، انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وفراغ حكومي ورئاسي بدأ عام 2022، وعدد خيالي من اللاجئين السوريين يكاد يناهز المليونين يشكّل ضغطاً هائلاً على البنية التحتية اللبنانية من طرق وكهرباء وماء وبيئة. أضف إلى ذلك ما يعانيه لبنان اليوم من فراغ في منصب رئاسة الجمهورية ومن أزمة مالية اقتصادية ووضع معيشي اجتماعي صعب، تفاقمه مشاعر تقسيمية ودعوات فدرالية.
يقع كتاب "عهود رئاسية" في خمسة أجزاء وفي كل جزء عدد من الفصول، يشتمل كل فصل عهداً رئاسياً بدءاً بشارل دباس، مروراً بإميل إدّه وبشارة الخوري وكميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو، ثم سليمان فرنجية وإلياس سركيس وبشير الجميّل وأمين الجميّل وإلياس الهرواي وإميل لحود وميشال سليمان، انتهاءً بميشال عون وهو الفصل رقم 18. وقد خُصّص للرئيس بشارة الخوري فصلان شرح المؤلف فيهما دوره في الاستقلال (1943) ووقوع حرب فلسطين في عهده (1948) والأزمات المتلاحقة من 1949 إلى 1952 عندما تجمّعت ضده أطراف معارضة أدّت إلى استقالته وفوز كميل شمعون برئاسة الجمهورية.
في مطلع كتاب "عهود رئاسية" ثمّة شرح مقتضب عن الخلفية التاريخية لنظام الحكم الذي سبق الجمهورية الأولى (أي الدستور الأول عام 1926) وعن نشأة البلاد في ظل الانتداب الفرنسي (1920-1943) وترسيم حدود لبنان التي انتهى إليها عام 1923 (صفحات 35-134)، فيشرح المؤلف عهد الرئيس شارل دباس (صفحة 138) وهو من طائفة الروم الأرثوذكس. ثم تتوالى الفصول عن باقي الرؤساء وكلّهم بعد دباس كانوا من المسيحيين الموارنة. وقد تضمّن كل فصل ما للرئيس وما عليه من إنجازات وإخفاقات ووقف المؤلف على مسافة واحدة من كل الرؤساء.
يذكر كمال ديب في كتابه "عهود رئاسية" أن منهجه في هذا الكتاب قد انطلقَ من عشرة مفاهيم هي:
أولاً، في أنّ المَناطقَ المضمومة (لبنان الطَرَفي: عكار والجنوب والبقاع) هي عصبُ تاريخ لبنان، صَبَغَتْ كلّ العهود الرئاسيّة.
ثانياً، في أنّ تاريخ لبنان الحديث ليس سلسلةَ أحداثٍ غيرَ مترابطةٍ من أزْمةٍ داخلية إلى غَزْوٍ خارجيّ، ومن نموٍّ اقتصاديّ إلى ركودٍ وانهيار، بل هو تاريخٌ منطقيّ في عهود رئاسيّة لها عناوينُ وإنجازاتٌ وإخفاقات تواكب أزمات مُذهلة.
ثالثاً، في أنّ جذورَ الفساد والمحاصصة كانت حاضرةً وبقوّةٍ في الفترة التي سبقَتْ ولادةَ لبنان عام 1920 وهي مستمرةٌ اليوم وغداً.
رابعاً، في أنّ الطائفيّة والإقطاع السياسيّ اللذين يبرّران الفساد والمحاصصة ليسا قدراً، بل يمكن تجاوزُهما وخلقُ دولةِ الرعاية المدنيّة.
خامساً، في أنّ محيط لبنان العربي يتضمن عمقين (العمق الأول السعودية ودول الخليج، والعمق الثاني مصر وسوريا والعراق)، وليس عمقاً واحداً، ما يساعد في فهم أفضل للعهود الرئاسية والأزمات.
سادساً، في أنّ حياد لبنان عن صراعات المنطقة قد حماه مجتمعاً واقتصاداً، ولكنّه حياد مبتور جلب استقراراً مؤقتاً.
سابعاً، في أنّ كيان لبنان حقيقة دامغة موجودة بالفعل وبالقوة، له نفوذ ثقافي حضاري واقتصادي في محيطه العربي، لا يخضع لتقسيم.
ثامناً، في أنّ التكامل الاقتصادي مع سوق عربية واعدة لحركة الثروة البشرية والرساميل هو مسار لبنان الصحي.
تاسعاً، في أنّ التنوّع الديني والإثني هو سمة لبنان ويمكن استثمار هذا التنوّع بإيجابية عبر خلق فضاءات تلاقٍ مكانية وقانونية تسمح بتطوير المجتمع.
عاشراً، في أنّ نهج بناء الدولة في لبنان لم يقتصر على عهد الرئيس فؤاد شهاب (1958-1964) المعروف بــ"الشهابية"، بل هو عمل متواصل بدأ منذ الاستقلال عام 1943 (عهود بشارة الخوري وكميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو)، ولكنّه تعطّل عام 1966. ثم بدأ تقويض هذا النهج منذ 1976 وانهيار الدولة عام 1976 لتليه عهود رئاسية عجزت عن مواصلة النهج لأسباب مختلفة.
تبدأ الجمهورية الثانية عام 1989 (أي التي تلت الدستور اللبناني الثاني الذي وضع أسسه مؤتمر الطائف للبرلمان اللبناني)، بانتخاب رينيه معوّض ثم إلياس الهرواي لرئاسة الجمهورية. وتواصل عهد الهراوي حتى 1998 ليأتي بعده الرئيس إميل لحود. وقد جرى التمديد لهذين الرئيسين (الهراوي ولحود)، فبقي لحود في المنصب حتى 2007. ولكن ما بعد زمن "الوصاية السورية" في نيسان/أبريل 2005 لم يكن كما قبلها: إذ دخل لبنان في نفق اللااستقرار بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في شباط/فبراير 2005م ، ليسجّل صعوبة في انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
كان اتفاق الدوحة مدخلاً لانتخاب ميشال سليمان بعد شهور من الفراغ الرئاسي. ثم حلّ الفراغ مجدّداً عام 2014 بعد انتهاء عهد ميشال سلميان، ودام هذه المرّة أكثر من سنة ونصف السنة ليصير انتخاب ميشال عون في نهاية 2016. ونشير إلى أنّ لبنان قد دخل مرحلة أخرى من الفراغ الرئاسي منذ انتهاء عهد ميشال عون في تشرين الأول/أكتوبر 2022 وهو فراغ مستمر حتى كتابة هذه السطور في أيار/مايو 2023.
يؤكد ديب أن عهود الجمهورية الثانية تختلف عن سابقاتها في أنّها شهدت إضعافاً لموقع رئاسة الجمهورية، نهاية الثنائية الميثاقية (سنة – موارنة)، دخول المحاصصة المذهبية بقوة أدّت إلى حكم الفساد المديد، واهتزاز تغيير رأس السلطة والذي يهدر الشهور والسنين من عمر الجمهورية وفرصها في الخروج من الانحدار، بسبب صرف الوقت الطويل في التوافق على رئيس الجمهورية ثم ستّة شهور أو سنة لاختيار رئيس الحكومة وتشكيل الحكومة، وما تكاد الأمور تتحسّن حتى يخرج حادث آخر .
ويختم ديب كتابه بسؤال" هل يشهد لبنان عصر جمهورية ثالثة وتعديلاً دستورياً يؤدي إلى دولة رعاية مدنية أم يسير نحو الفشل؟.