أحداث ثقافية أخرى
معرض علي شمس الدين...أمكنة عَبثَت فيها الحروب والأقدار
محمد شرف
الجمعة 23 كانون لأول 2022

لا يبدو عنوان معرض علي شمس الدين: "خارج المكان والزمن المفقود" غريباً من حيث وقعه في آذاننا، وخصوصاً في الآونة الراهنة. إذ يُخيّل إلينا، أحياناً، أننا نعيش، أو بالأحرى نسبح في اللامكان، ونرى صوراً آتية من زوايا غامضة لم نكن نعرفها، كما نتحسّر، أيضاً، على زمن مفقود ونبحث عنه دون جدوى، على ما شاء فعله، في زمنه، مارسيل بروست.
 
ما يقصده الفنان، من خلال التسمية، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالزمن الحاضر، الذي سبق ذكره، وبالزمن الماضي القريب أيضاً، نظراً للحمة القائمة بين الاثنين. ما نحصده اليوم كان قد زُرع البارحة، وما سيحل بنا غداً سيكون نتيجة لما صنعته أيادينا اليوم، وخصوصاً أيادي القائمين على هذا البلد التي يزعم أصحابها أنها نقيّة، بحيث صرنا نحار في تحديد من أودى بنا إلى الهوّة، وإلى حالة الإنحدار العامة. لا يلتصق هذا الحكم بالسياسة حكراً، بل بأمور أخرى كثيرة تبدو وكأنها جميعها في ترابط مريب. هكذا، عملت الحرب، على سبيل المثال، على إحداث خراب وندوب في عمارات كنا نتغنّى بجمالها البعيد من التعقيد، والقريب من البساطة الممتنعة، كما أحدثت ندوباً عميقة في النفوس لم تقوَ الأدوية والمراهم على إزالة عواقبها المتناسلة يوماً بعد يوم.
 
يحاول علي شمس الدين، في معرضه المقام لدى "دار المصوّر"(*)، أن يرسم عالماً بديلاً أراده ملوّنا ومشرقاً، وكأنه شاء أن يتموضع عكس التيّار، ونعني هنا بعض المداخل التشكيلية التي ذهبت نحو سوداوية يغمرها التشاؤم. رسم الفنان "نوافذٌ تطلُّ على وجوهٍ وأمكنة عَبثَت فيها الحروب والأقدار ورمتها في عتمةِ الغياب والنسيان. بعضها ما زال جميلًا يتداعى، والآخر شوّهَه الحزن والإنتظار"، كما يقول. لا تخلو الأعمال المعروضة من بعض "الرومانسية"، وإعتماد مقاربة شبه غنائية، (علماً أن التسمية المذكورة التصقت تاريخياً بتيار لا تمثيلي شكَل اللون عموده الفقري، وكان الفنان اللبناني شفيق عبود أحد ممثليه). أعمال علي شمس الدين تستعير بعضاً من الحلم، وتتضمّن توقاً ورغبة إلى استعادة عالم، أو مكان، عفا عليه الزمن، لا لعدم توافقه مع الحاضر، بل لأنه وقع في هوّة النسيان، بفعل الإنسياق وراء مظاهر مصطنعة لم يسلم من تأثيراتها كثر، "في هذا الشرق الذي لم يتوقف عن الإنزياح ليستقرَّ في زمنٍ نعيدُ فيه رسمَ حدائقنا، ونحتفي بأمسياتنا، وننام ملء جفوننا على وعدٍ لصباحٍ مُشرقٍ جديد"، كما يقول أيضاً. 
 
إلى ذلك، ليس من الصعب أن نجد في نتاج الفنان إشارات واضحة إلى الفكرة التي يقوم عليها المعرض، أو إذا شئنا أن نكون أكثر دقة فينبغي القول إن هذه الإشارات تتراوح بين إعتماد خيوط مباشرة نسجتها مع الواقع، أو السير في دروب الرمز الذي إعتمد مفردات بعضها حيواني، وبعضها الآخر مادي. قامة أنثوية تحمل مدينة على ظهرها وتمضي بها، من أجل إعادتها إلى تخوم الذاكرة. صبي يشد الخطى على خلفية تكوّنها منازل متلاصقة ذات قبب في أجزائها العليا، تحت سماء داكنة "بعيون ذاهلة تبحث عن نجم مزهر يضيء سواد ليله، أو يتوسّل تأويلاً للمقدّس يجعل عشبه ينمو فوق الرماد".. أشلاء أرواح تُركت على الأسوار، وأشباح تسير في الطرقات قرب أمكنة مزروعة صنوبراً وياسمين. 
 
أمّا في ما يختص بالمدخل التشكيلي - التقني، فلا بد من أن نلحظ عنصر المشابهة، الممكن دائماً، وحتى الضروري أحياناً، المستند إلى خبرات ماضية. في هذا المجال تلوح أمام أعيننا أعمال كورناي (أحد أعضاء جماعة كوبرا، واسمه الحقيقي Guillaume de Cornelis van Beverloo )، الذي وصفه الكاتب والناقد ميشال راغون: "لقد كان كورناي طفلاً"، وقال الكاتب دوتريمون: "إنه طفل رهيب، ودائماً طفل طبيعي". هذا الإتجاه "الطفولي" في معالجة العمل التشكيلي نراه أيضاً في لوحات علي شمس الدين، أكان من حيث التعاطي مع القامة البشرية المختصرة والهندسية أحياناً، أو من حيث اللجوء إلى اللون شبه الصافي، مع أفضلية واضحة للأزرق في تدرجاته الممكنة، والبنفسجي الذي يبرز فيه الأحمر حيناً، والأزرق أحياناً أخرى.
 
يبقى أن شمس الدين لا يبدو، في ما ينتجه، طفلاً رهيباً، بل فناناً ناضجاً لم ينسَ فترات الطفولة، حيث كان المكان مختلفاً، ولا يفتقد سوى بعض الألعاب حال غياب الشمس دون إكمال فصولها، أمّا الزمن فقد كان يتسع لأحلام كثيرة بددها الوقت الحاضر بمشكلاته وتعقيداته التي لا تنتهي.
 
 
المصدر: المدن