أحداث ثقافية أخرى
"غيوم داكنة" لأيمن زيدان.. دمعة سينمائية عن الحرب
بديع صنيج
الخميس 15 أيلول 2022

منذ اللحظات الأولى لفيلم "غيوم داكنة" (120 د.)، الذي بدأت عروضه الجماهيرية في سينما الكندي، بدءاً من الإثنين الماضي، واظب مخرجه الفنان أيمن زيدان على سرد بصري خاص بالخراب، سواء منه الذي أصاب أرواح البشر، أو المتغلغل في تفاصيل المكان، مُحيلاً شريطه السينمائي، الذي كتبه بالشراكة مع ياسمين أبو الفخر (إنتاج المؤسسة العامة للسينما)، على وثيقة مليئة بالألم عما خلَّفته الحرب، داغماً الدمار العمراني لإحدى قرى ريف حمص في التهتُّك النفسي للشخصيات، بحيث تبدو الكاميرا كأنها تتفحّص أدق التفاصيل، وترصد، ما استطاعت، تصدُّعات الأرواح المتعبة، في يأسها وأملها، في موارباتها الحثيثة للاستمرار في العيش وسط الخراب العميم، بتعبها المديد وطبقات الحزن المتراكمة على الوجوه، بتداعيات الحرب وانعكاساتها على المصائر، مع جعل بؤرة التركيز منصبّة على الشلل الذي أصاب كل شيء، وجعل العلاقات الإنسانية معطوبة، والمشاعر متأججة، لكن من دون طاقة على القيام بأي فعل، وليس المرض والجنون واليأس إلّا بعض تهويمات ما أصاب البلاد وانعكس على العباد. 
 
كاميرا تمسح الوجع، وتضع يدها على الجرح الغائر، من دون أن تهدأ، بل ترسم ملامح بلاد متعبة، مع ما تبقى من أطلال بيوتها المدمرة، وحيطانها المتصدِّعة، ومقابرها الممتدة في مساحات شاسعة. حتى السيارات انتهت هي الأخرى إلى مقبرة جماعية، بحيث أصابها الصدأ وتغيَّرت ملامحها، بينما الحقول انتفى منها اللون الأخضر، كأن كل ما في هذه الجغرافيا الملعونة يبست أوصاله، وبات ميتاً أو في طريقه إلى الموت. ومن خلال لقطات بليغة، وزوايا تصوير رهيفة، استطاع زيدان أن يُظهِر جماليات القبح، مُتَمَعِّناً في جروح البشر والحجر، وإبراز مآلاتها المأسَوية، مُحاولاً أن يرسم دمعةً سينمائية لمُصابٍ أليم. 
 
تلك المحاولة كانت لتتفعّل أكثر لولا الإيقاع المُتَمَهِّل في السرد البصري، الذي واكب النَّص وبطء سيرورته في نسج حكاية عائلة سورية مكوَّنة من الجد (رامز عطا الله)، وزوجة الابن العسكري في إحدى الجبهات (لمى بدور)، والحفيد نور (ديفيد الراعي). دُمر بيتها فسكنت في منزل هاجر سُكَّانه، ليُفاجَأ أفرادها بعد فترة بمالك البيت الدكتور كامل (وائل رمضان) عائداً من فرنسا، بعد أن أُصيب بمرض عضال، فقرر أن يترك زوجته الفرنسية (جسدتها رجاء مخلوف) ويعود من منفاه إلى المكان الذي يحب أن يموت فيه، وليس إلى بيته الذي يرغب في أن يعيش فيه، كما أخبر سائق التاكسي (مازن عباس)، الذي أقله إلى بلدته، ليتشابك مصيره مع مصير تلك العائلة.
 
في المقابل، هناك أسرة في البلدة ذاتها، مؤلفة من محسن (محمد زرزور) الذي أصابه الشلل بعد أن تلقى طلقة عن زوجته (لينا حوارنة) خلال هجمات الجماعات المسلحة وأخته (نور علي) المتمردة على واقعها، والراغبة في الهجرة من مكان لم تعد تطيق العيش فيه. لذا، نراها تقيم علاقة بسائق تكسي (علاء قاسم) الذي يتلاعب بها ويُقنعها بتأمين المال من أجل دفعه إلى المُهرِّب الذي سيضمن وصولهما إلى ألمانيا. وفي سبيل ذلك تقوم بسرقة أموال أخيها المشلول، بينما أخوها الثاني  (محمد حداقي) غارق في جنونه وانفصاله عن الواقع.
 
فبعد أن كان مُدرساً في إحدى مدارس البلدة، بات يظن نفسه قائد كتيبة، يحمل بندقيته غير المذخّرة، وينظم معاركه الوهمية، ويحاكم الخونة، ويمارس سلطته على فزاعة عصافير، رأسُها مستوعب مازوت صدئ لإحدى المدافئ، وجسدها من القش واللباس البالي. والمُفارق أن هذه الشخصية هي الوحيدة التي تنتصر بجنونها، وتواجه جنود الوهم. وفي أعتى درجات صحوها، تقوم بتصحيح أوراق علامات لطُلّاب لم يعودوا موجودين، إلى درجة تشعر معها بأن الانفصال عن الواقع هو الخلاص الوحيد من المآزق الناجمة عن الحرب.
 
ولتكتمل دائرة المعاناة وتتركَّز التراجيديا في "غيوم داكنة"، يموت محسن المشلول الذي يشعر بأنوثة زوجته المتوقدة، لكنه غير قادر على إبداء أي فعل. وتهرب أخته مع عشيقها بعد أن اكتشفت أنها حامل، تاركةً رسالة وداع واعتذار عن مناكفتها المستمرة لزوجة أخيها؛ تلك التي تستعيد قصة عشقها القديمة مع الدكتور المريض، ورسائله المترعة بالغرام، لكنه لا يلبث أن يموت أمام عيني الطفل نور، في مشهد مفعم بالمعنى، بسبب ما يمثِّل المستقبل وهو يتأمل كل هذا الموت المُعشِّش في كل التفاصيل من حوله.
 
وفي أقصى ذرى الشريط السينمائي، نستعيد كثيراً من القصص والمرويّات الواقعية، عن أخٍ (حازم زيدان) يتزوج بامرأة أخيه بعد وصول خبر استشهاده، ليختتم الفيلم بوصول الشهيد (جسّده جود سعيد) حياً يُرزق، مع ابتسامة عريضة وساق مبتورة، وما إن يُنادي أباه حتى يظهر الأخير مشدوهاً وراء إحدى النوافذ، وفي الأخرى زوجته وأخوه، لتخبو ابتسامة الشهيد الحي ويكون الصمت هو سيد الموقف والنهاية معاً.
 
الزمن، طوال الفيلم، كان مُعطَّلاً في المعنى الفيزيائي، ورتيباً إلى أقصى حد، كأنه غير قابل للإصلاح، على رغم غليانه على المستوى الشعوري، كما ساعة الحائط في يدي الجد، والتي أعلنت تكَّات عقرب ثوانيها انتعاشها من جديد. فالحياة ستستمر على رغم كل الحزن والأسى والفصام والغضب والموت وغيرها من تبعات الحرب الجائرة.
 
أداء الممثلين، على تفاوته الشديد، تماهى مع تشظّي الشخصيات ومعاناتها النفسية وآمالها وأوهامها، واستطاع أن يُحْيي ذاكرة الألم التي عايش السوريون تفاصيلها المريرة، وزادت في زخم المَشاهد موسيقى سمير كويفاتي، التي واكبت الأنين الداخلي للبشر والبلاد، والأحزان المديدة التي تلفهم.
 
الفنان أيمن زيدان قال، في افتتاح العروض الجماهيرية: "صنعت هذا الفيلم قبل عامين، وكانت ظلال الحرب ما زالت مخيمة على أرواحنا، عند الكتابة، وحتى عندما بدأنا التصوير في إحدى المدن التي كانت شاهدة على أعنف أعوام الحرب. أخبركم بأنني لم أستطع أن أصنع فيلماً مُبهجاً، لأننا لم نكن مبتهجين، وسألت نفسي: لماذا سأصنع فيلماً موجعاً للناس؟ وإجابتي كانت أنه يجب أن أتقيد بمشاعري وبما كنت أحس فيه. اعذروني على عدم وجود جرعة من البهجة في هذا الشريط، لكن ما يعزّيني أننا كنا صادقين، ولديّ ثقة بأن الإنسان عندما يكون صادقاً سيصل إلى الآخر". 
 
وأضاف: "أتمنى أن نستطيع الخروج من أجواء الحرب، وأن نعود إلى العيش كما كنا، ونصنع أفلاماً مبهجة، وأن تعود جرعة الفرح التي رافقتنا أعواماً طويلة. سامحوني لأن غيوم هذا الفيلم لم تمطر الفرح المنتَظَر". 
 
 
 
المصدر :الميادين