أحداث ثقافية أخرى
طرابلس لا تيأس: افتتاح مسرح وطني بمهرجان دولي
جنى الدهيبي
الخميس 1 أيلول 2022

بعد نحو 28 عامًا على الإقفال القسري لسينما أمبير الشهيرة في عاصمة الشمال، بسبب الحرب الأهلية وصعود العصبيات الدينية، فتحت أبوابها مجددًا قبالة ساعة التل، لتكون هذه المرة "المسرح الوطني في طرابلس".
 
  
وعند بوابة المسرح وفي باحاته الداخلية، يعبّر الوافدون لحضور فعاليات الافتتاح عن سعادتهم الغامرة. الكبار يسترجعون مشاهد ما يصفوه بـ"الزمن الجميل" لطرابلس حين كانت منارة للثقافة والمسرح والسينما في الخمسينات والستينات وبداية السبعينات. والصغار يتجولون بعيون الدهشة في رؤية أول مسرح وطني لمدينتهم. وتقول إحدى الشابات لـ"المدن": "وأخيرًا أصبح لدينا مسرح وطني مجاني نستفيد من خشبته ومختلف خدماته، كمساحة عامة مشتركة للتدرب والتعلم وتفجير مواهبنا واكتشافها".
 
 
ويكلل افتتاح هذا المسرح ثمرة جهود لأشهر من قبل جمعية تيرو للفنون- مسرح اسطنبولي، وهما يستكملان مشروع إحياء المنصات الثقافة ودور السينما والمسارح في لبنان، وكانت طرابلس قبلتهما بعد تأهيل سينما "الحمرا" وكذلك سينما "ستارز" في النبطية، إضافة إلى تأهيل سينما "ريفولي" في مدينة صور التي حملت أيضًا اسم "المسرح الوطني اللبناني" كأول مسرح وسينما مجانيين في لبنان. 
 
مهرجان مسرحي دولي  
 
 
وأطلق افتتاح هذا المسرح على مدار هذا الأسبوع فعاليات الدورة الأولى من "مهرجان طرابلس المسرحي الدولي" لعام 2022، كتتويج لتحول سينما أمبير لمنصة مسرحية وإبداعية وثقافية حرة مستقلة للناس. كما شهد المسرح ورشات تدريبية وعروض فنية وافتتاح مكتبة عامة، وشاركت بالمهرجان -بالتعاون مع مؤسسة دون الهولندية- عددًا من العروض المسرحية من الجزائر وتونس والمكسيك والعراق وسلطنة عمان وايطاليا واسبانيا ولبنان.  
 
ورصدت "المدن" توافد الصغار والكبار، لا سيما من المناطق الشعبية، لحضور فعاليات المهرجان، حتى للمسرحيات غير الناطقة بالعربية، كمشاهدة مسرحية إيطالية وأخرى اسبانية؛ واجتهد معظمهم، وباستمتاع، في تتبع لغة الجسد والإشارات.  
 
وساهم بتأهيل السينما وتحويلها لمسرح عشرات الشباب والشابات المتطوعين من طرابلس وخارجها. وثمة جوانب تقنية يستمر العمل على تحسينها.  
 
وفي السياق، يقول لـ"المدن" صاحب المشروع مؤسس المسرح الوطني، الممثل والمخرج المسرحي قاسم اسطنبولي، أنه أتى من صور إلى طرابلس لإيمانه بالجدوى الكبيرة بافتتاح هذا المسرح داخل معلم سينمائي كان مهجورًا، وأن الأمر يحمل دلالات عميقة، ثقافية واجتماعية وسياسية.  
 
مساحات مجانية للناس
 
 
ويعتبر المخرج المسرحي أن الهدف الرئيسي لهذا العمل الممتد بين المناطق الطرفية في لبنان مرورًا ببيروت، هدفه تحويل السينمات المقفلة إلى مساحات ثقافية مستقلة وحرة ومجانية للناس. فـ"وجود المسارح الوطنية، تكتسب أهميتها الخاصة كمتنفس للشباب والناس وللخريجين وأصحاب الأفلام، وهذا ما يؤسس لحركة ثقافية فعلية".  
 
وتحت وطأة الأزمات التي يعيشها اللبنانيون سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا ومعيشيًا، يعتبر اسطنبولي، "أن الفن والثقافة تحولا لحاجة ملحة وليسا ترفًا، لأنهما يعكسان الواقع ويعبران عنه".  
 
ويشير إلى أن اختيار سينما "أمبير" في طرابلس لم يكن اعتباطيًا، بل لأنها في التل بوسط المدينة، ولأنها من أقدم دور السينما في لبنان. وأوضح أنه منذ ابتداء مشروع "المسرح الوطني" في صور سنة 2014، حظي بدعم مادي من جمعيات ومتطوعين إضافة إلى التبرعات بصندوق "دعم المسرح" لتوفير موارد المشروع.  
 
ويرى المخرج أن رمزية المسرح الوطني بين صور وطرابلس يحقق أهدافه بكسر الحواجز وتجاوز الأحكام المسبقة بين المناطق اللبنانية، عبر تعزيز الروابط الفنية والثقافية والاجتماعية بصورة حرة لكل من يرغب من الناس.  
 
28 دورًا سينمائيًا في طرابلس والميناء
 
 
تاريخيًا، كانت "سينما أمبير" تضم أكثر من 30 صالة للمسرح والسينما، ويعود تأسيسها إلى منتصف الثلاثينات، وشكلت انطلاقة لافتتاح دور السينما في طرابلس، مثل الريفولي وبالاس وميتروبول وشهرزاد وكولورادو وغيرها الكثير من الدور والنوادي والصالات. وشهدت معظمها زيارات لفنانين لبنانيين وعرب واكبوا أهم عروض أفلامها.  
 
ويأسف كثيرون في طرابلس بعد إعادة ترميم سينما "أمبير" وتحويلها لمسرح، على المصير القاتم لنحو 28 دورًا سينمائيًا في طرابلس والميناء، جرى إقفالها إبان الحرب بقوة الأمر الواقع، ولا تحظى بأي اهتمام أو رعاية من قبل البلدية ووزارة الثقافة والمؤسسات المعنية بالدولة. وتحولت مباني بعضها محالًا لبيع الألبسة ومنشرة للنجارة، وهو ما يذكر بهدم سينما "الريفولي" في العام 2016 نتيجة النزاع على عقاره.  
 
ومع إعادة الأمل ولو جزئيًا عبر سينما "أمبير"، يترقب شباب وشابات في طرابلس مدى قدرتهم على الاستفادة من المسرح الوطني. ويقول اسطنبولي بهذا الصدد، إن أنشطة المسرح المجانية ستشمل لاحقًا خلق مساحات للتدريب على الرسم والموسيقى والتصوير، إضافة إلى عرض أفلام ومسرحيات بوتيرة دورية.  
 
 
المصدر: المدن