أوديسا... من خان بحري إلى عاصمة نوفوروسيا
محمود الزيباوي
الخميس 25 آب 2022
زار الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مؤخراً ميناء أوديسا الأوكراني، وأعرب عن تأثره عندما رأى قمحاً يتم تحميله على سفينة في المرفأ، ودعا إلى الاستلهام من أوديسا، وقال: "أوديسا هي أكثر من مجرّد مركز للشحن، المرفأ هو رمز لما يمكن أن يفعله العالم عندما نلتزم بالعمل معاً من أجل الصالح العام".
توصف أوديسا بـ"لؤلؤة البحر الأسود"، كما تُلقب بـ"مارسيليا أوكرانيا"، وهي إحدى المدن ذات الثقل التاريخي والأهمية الاستراتيجية بالنسبة لما يسميه الرئيس فلاديمير بوتين بـ"نوفوروسيا"، أي "روسيا الجديدة". وهذا الاسم هو في الواقع مصطلح تاريخي أطلق على إقليم يقع في شمال البحر الأسود، تشكّل في 1764 كمقاطعة جديدة تابعة للإمبراطورية الروسية، وتوسّع بشكل كبير في السنوات اللاحقة، وقد ظلّ تابعاً لهذه الإمبراطورية حتى انهيارها في اعقاب ثورة شباط 1917، ثم أضحى ضمن الدولة الأوكرانية، وبات جزءاً من جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية في 1922، وهي الجمهورية التي تحولت إلى دولة قومية حديثة حملت اسم أوكرانيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي في 1991. دخلت هذه الدولة في صراع مع روسيا في 2014، وبات اقليم "روسيا الجديدة" ساحة لهذا الصراع، وأدلى فلاديمير بوتين يومها بتصريح قال فيه إن أوديسا ليست، تاريخياً، جزءاً من أوكرانيا، بل من نوفوروسيا التي يودّ أن يراها قائمة.
أنشئت نوفوروسيا في زمن استعدّت فيه روسيا لشن الحرب على الإمبراطورية العثمانية، ولم تكن أوديسا يومها مدينة ذات شأن، بل بلدة يقطنها عدد محدود من السكان. استقر التتار في هذه البلدة في منتصف القرن الثالث عشر، ثم بسط العثمانيون سلطتهم عليها في القرن السادس عشر. في العام 1787، وفي عهد الإمبراطورة كاترين الثانية، دخلت روسيا في الجولة السابعة من حربها الطويلة مع العثمانيين، واستولت على المنطقة التي تضم هذه البلدة إثر حملة شارك فيها خوسي دي ريباس، وهو ضابط عسكري اسباني من مدينة نابولي في جنوب ايطاليا، انضم إلى الجيش الامبراطوري الروسي بصفته عضوا في "طبقة النبلاء الاسبانية" في 1772. أسّست الإمبراطورة كاترين الثانية "مدينة جديدة" أطلقت عليها اسم أوديسا رسمياً في آب 1794، وبدأ إعمار هذه المدينة الروسية تحت عهدة الضابط الاسباني خوسي دي ريباس والمهندس العسكري الألماني فرانز دو فولان. توفيت كاترين الثانية في خريف 1796، وخلفها ابنها بافل الأول الذي لم يبدِ أي اهتمام بتشييد أوديسا، لكن اثنين من أعوان والدته، هما الأخوين زوبوف، قاما باغتياله في مطلع 1801، ليتولّى الحكم من بعده ابنه ألكسندر الأول الذي سار سريعاً على خطى جدته، وأوكل مهمة بناء أوديسا إلى الديبلوماسي والسياسي الفرنسي أرمان دو ريشليو، كبير مديري غرفة الملك لويس السادس عشر.
مدينة أوروبية
تولّى أرمان دو ريشليو منصب "حاكم أوديسا نوفوروسيا" في 1803، وشغل هذا المنصب على مدى عشر سنوات بُنيتْ خلالها أوديسا. كانت "المدينة الجديدة" في مطلع هذا العهد بلدة تضم تسع آلاف من السكان و144 موظفاً، وخلال بضع سنوات تحولت إلى مدينة متعدّدة القوميات، تضمّ جاليات بلغارية، مولدافية، يونانية، وأرمنية، إضافة إلى عدد كبير من الوافدين من أوروبا الغربية. هكذا عمرت المدينة واتسعت، وتحوّل ميناؤها العسكري إلى مرفأ تجاري، ثم حضنت ميناءً جديداً لاستقبال السفن الآتية من الخارج. باختصار، خلال فترة لا تتعدّى عشر سنوات، تحوّلت أوديسا من خان بحري إلى عاصمة نوفوروسيا بفضل جهود أرمان دو ريشليو البناءة، وبعدما كانت ضاحية هامشية، أضحت مدينة مزدهرة تسير بخطى ثابتة نحو الرقي والحداثة. بعد سقوط نابليون في 1815، عاد أخوة الملك لويس السادس عشر إلى السلطة، ومعهم بدأ عهد آل بوربون، فعاد أرمان دو ريشليو من جديد إلى فرنسا، وتولّى منصب رئيس مجلس الوزراء، ثم منصب وزير الخارجية، وتوفي العام 1822 في باريس وهو في السادسة والخمسين من عمره.
عهد القيصر ألكسندر الأول، مهمة إدارة نوفوروسيا، إلى فرنسي آخر هو ألكسندر دو لانجيرون الذي سار على درب أرمان دو ريشليو، وأطلق مشروع إقامة نصب يخلد ذكراه. قام النحات ايفان مارتوس بصنع تمثال يجسّد أرمان دو ريشليو، وألبسه عباءة حكماء روما التقليدية، ورُفع هذا النصب فوق منصة زيّنت بثلاثة ألواح تمثل رمزياً الزراعة والتجارة والعدالة، إضافة إلى لوح رابع حمل كتابة تحيي حاكم نوفوروسيا الذي أدار شؤونها بين 1803 و1814، وكان له الدور الأكبر في ازدهارها. دُشن هذا النصب في 1826، ولا يزال في موقعه في شارع بريمورسكي.
في ذلك الزمن، مرّ الشاعر بوشكين بأوديسا، وقال إنه شعر فيها وكأنه في أوروبا، ففيها تسمع الناس وهم يتكلمون بالفرنسية، وتجد صحفاً ومجلات أوروبية. استمر ازدهار أوديسا في العقود التالية، وعرفت المدينة عصراً ذهبياً ثانياً في أعقاب افتتاح قناة السويس في 1869 وتطوير سكة الحديد، حيث ارتفع عدد سكانها من 100 ألف نسمة في العام 1870، إلى 400 ألف في 1900. في ذلك العام، أقام سكان أوديسا نصباً يخلّد ذكرى مؤسسي مدينتهم بعدما تأمنت التكاليف من طريق الاستكتاب، ودُشّن النصب في الساحة التي تحمل اسم مؤسِّسة أوديسا، الإمبراطورة كاترين الثانية، وضمّ خمسة تماثيل أنجزها نحات روسي من أصل بريطاني يُدعى بوريس إدوارد.
تنتصب الإمبراطورة فوق عمود تحيطه أربعة تماثيل تمثّل أربعة من كبار رجال الدولة الذين ساهموا في تأسيس أوديسا، وهم الضابط خوسي دي ريباس، القائد العسكري ذائع الصيت غريغوري يوتمكين، المهندس الحربي فرنسوا دو فولان الذي رافق بوتمكين في معاركه الشرقية، والأمير زوبوف الذي كان له الدور الأكبر في القضاء على بافل الأول ووصول إسكندر الأول إلى السلطة.
زمن الحروب
في 1905، شهدت أوستيا انتفاضة عمّالية ساندها رجال مدرعة تحمل اسم العسكري بوتمكين، وهي الانتفاضة التي خلّدها المخرج سيرغي ايزنتشاين في فيلم صامت يُعتبر عالميّاً من كلاسيكيات السينما. بالرغم من الاضطرابات التي عرفتها روسيا في هذه المرحلة، استمر نمو أوديسا، وارتفع عدد سكانها إلى 600 ألف في العام 1913. بعدها، دخلت المدينة في مرحلة مظلمة من تاريخها مع اندلاع الثورة في 1917، واندلعت فيها حرب أهلية طويلة الأمد أدّت إلى انقسامها إلى دويلات متصارعة. انتهى هذا الصراع في 1920، إذ سيطر الجيش الأحمر على أوديسا أخيراً، وبعد عامين، جرى ضمّها إلى جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية. في هذه المرحلة، نُقل نصب كاترين الثانية ومؤسّسي أوديسا إلى متحف محلي، واحتل موقعه في أيار 1920 نصب يمثّل كارل ماركس.
صوّر سيرغي ايزنتشاين فيلمه "مدرعة بوتمكين" في 1925، وحوى الفيلم مشهد مصرع المئات على درجات السلم الحجري الذي حمل في الأصل اسم ريشليو، وبات يُعرف باسم "درج بوتمكين". عانت المدينة في هذه الحقبة من "المجاعات السوفياتية" التي تسبّبت بها سياسة النظام الستاليني بحسب عدد كبير من المؤرخين، ثم دخلت في أتون الحرب العالمية الثانية، مطلع الأربعينات، فاحتلتها القوى الرومانية المتحالفة مع ألمانيا النازية، وبقيت تحت نير هذا الاحتلال إلى أن حررها الجيش الأحمر في نيسان 1944. خرجت أوديسا من هذه المحنة منهكة، وهجرها العديد من سكانها، وعرفت مجاعة أخرى استمرت سنتين.
استعادت أوديسا بريقها في الستينيات والسبعينيات، وعادت لتحتل موقعها التاريخي. تصدّع الاتحاد السوفياتي في 1991، وانقسم إلى 15 دولة مستقلة شكّلت 10 منها الاتحاد الروسي. دخلت أوكرانيا المستقلة في صراع مع الاتحاد الروسي في 2014، وأدّى هذا الصراع إلى ضم شبه جزيرة القرم إلى الاتحاد الروسي، كما أدّى إلى اشتعال حرب أقليم دونباس، وترافقت هذه الحرب مع اندلاع حروب صغيرة في مناطق أخرى، منها أوديسا التي سقط فيها 48 ضحية، إضافة إلى أكثر من مئتي جريح. بقيت دونباس أوكرانية، مع العلم بأن الناطقين بالروسية يشكلون غالبية سكانها الذين ناهز عددهم المليون. وساهم مناخها المشمس وطابعها الأوروبي، إضافة إلى حسن شواطئها ولطافة العيش فيها، في جعلها منتجعاً ساحلياً شهيراً للسياح خلال فصل الصيف، خصوصاً منذ ضم شبه جزيرة القرم إلى الاتحاد الروسي.
الصراع المتواصل
من المفارقات بالغة الدلالة، استبدال نصب كاترين الثانية ومؤسسي أوديسا بنصب يمثل كارل ماركس في 1921، كما أشرنا، واستُبدل نصب ماركس بنصب يمثّل انتفاضة مدرعة بوتمكين في 1965، وذلك بمناسبة مرور ستين سنة على هذه الانتفاضة. في 1995، أطلقت حكومة أوديسا مشروع إعادة نصب كاترين الثانية إلى موقعه، وعارض الرئيس الأوكراني ليونيد كوتشما يومها هذا المشروع، رغم ذلك، أعيد النصب إلى موقعه الأصلي في 2007، وترافقت هذه العودة مع اندلاع موجة من الاحتجاجات. في المقابل، تم نقل نصب انتفاضة مدرعة بوتمكين إلى موقع محاذٍ لمدخل الميناء، في ساحة الجمرك التي شهدت اندلاع الانتفاضة التاريخية في 1905.
في 2014، رفض مجلس القضاء في أوديسا دعوى تطالب بخلع نصب كاترين الثانية، وفي 2020 تجددت الحركات الاحتجاجية المطالبة بخلع هذا النصب تحت شعار التخلص من الاستعمار الروسي وميراثه الإمبريالي. أدّت هذه الاحتجاجات إلى نتيجة عكسية، إذ رُفعت أنصاب جديدة لكاترين الثانية في جمهورية بريدنيستروفيا، وهي دولة "انفصالية" مجاورة، مُعترف بها دولياً كجزء من جمهورية مولدوفا الواقعة بين أوكرانيا ورومانيا.
المصدر: المدن