بعلبك في عيون الفنانين المستشرقين
محمد شرف
الأربعاء 24 آب 2022
لا بد من الإشارة، بداية، إلى أن مصطلح "إستشراق" لا يقتصر على مجال واحد، بل هي حركة أدبية وفنية ولدت في أوروبا خلال القرن الثامن عشر، واتسعت وأصبحت أكثر رواجاً خلال القرن التاسع عشر. عبّرت الحركة عن إهتمام وفضول ظهرا لدى الكتّاب والفنانين الأوروبيين تجاه بلاد المغرب العربي من جهة، أو بلاد الشام من جهة أخرى. كان هناك نوع من "الإفتتان" بالأمبراطورية العثمانية، ثم جرى تتبع تفككها البطيء إثر حرب الإستقلال اليونانية، في عشرينات القرن التاسع عشر، وبدء تطوّر الإستعمار الأوروبي. أما الميل نحو كل ما هو "إكزوتيك"، فقد ارتبط بكل التيارات الفنية السائدة خلال القرن التاسع عشر، بدءاً من النهج الأكاديمي، مروراً بالرومانسية والرمزية والواقعية، وصولاً حتى إلى الإنطباعية. انسحب الإستشراق، أيضاً، على العمارة والموسيقى والأدب والشعر، في محاولة لخلق جماليات خلاّبة، اختلطت فيها الأساليب والحضارات والمراحل. هذا، وقد أوجد الإستشراق بعضاً من الكليشيهات والأنماط التي ما زلنا نرصدها في الأدب والسينما وسواهما في الزمن الحاضر.
تناولت اللوحة الإستشراقية موضوعات تدور حول التيمة التي إشتق منها المصطلح – الكلمة. في هذا المجال، لا يمكن اعتبار الإستشراق أسلوباً أو حركة فنية أو مدرسة خاصة بالرسم. ارتبطت هذه اللوحة، في طبيعة الحال، بالرحلات التي قام بها فنانون أوروبيون منذ القرن الثامن عشر، كما ذكرنا سلفاً. كان هؤلاء من هواة المغامرة والإستكشاف والأمكنة الغرائبية، في زمن لم يكن علم الآثار قد ظهر إلى الوجود، على النحو الذي نعرفه اليوم. وصل الانجذاب نحو الموضوعات الشرقية إلى ذروته في القرن التاسع عشر، لتختفي تلك الموضوعات بشكل تدريجي خلال القرن العشرين. وعلى سبيل المثال، كما يفيد المؤرخون، يمكننا بطريقة ما، إعتبار استقلال الجزائر العام 1962، بمثابة تاريخ رمزي لنهاية الرسم الاستشراقي في فرنسا.
وقع المستشرقون على أمكنة كان بعضها، أو معظمها، ذا قيمة تاريخية عالية، والمقصود هنا بلاد شرق المتوسط، أو بلاد الشام، التي هي محور إهتمامنا. إلى ذلك، لم تكن تلك الأمكنة على الحال نفسها من حيث الإحتفاظ بمظاهرها الأصلية، إذ امتدّ الخراب إلى الكثير منها، ولم يبقَ في بعض الحالات سوى حجارة متناثرة. وإذا كان بعضها الآخر قد صمد، جزئياً، أمام أهوال الدهر، فلأنه كان يتمتع ببنية معمارية صلبة، وقادرة على تحمّل الزلازل والهزّات وسواهما من العوامل الطبيعية. تلك كانت حال هياكل بعلبك، التي استطاعت بعض معالمها النجاة، نسبياً، من العوامل المدمّرة الكثيرة، علماً أنها خسرت الكثير من أجزائها، جرّاء الهزات والزلازل وعوامل الدهر.
النكسة الأخيرة التي أصابت الموقع الأثري الروماني في بعلبك أحدثها الزلزال التي وقع في شهر تشرين الأول1759، وأطاح ثلاثة أعمدة من أصل الأعمدة التسعة الباقية من معبد جوبيتر، لتصبح ستة كما نراها اليوم (كان عدد أعمدة المعبد في الأساس 54 عموداً). إلى ذلك، دمّر الزلزال العديد من معالم المدينة الأساسية، ومنها بعض أعمدة معبد باخوس، وأجزاء من سور المدينة.
إسهامات
قد يكون روبرت وود (1717- 1771) الرحّالة الإيرلندي–الإنكليزي والباحث التاريخي والرجل السياسي أيضاً، أحد أوائل الذين زاروا آثار الشرق، وذلك بين العامين 1749 و1751، ورافقه في رحلته تلك كل من جيمس دوكينس وجون بوفيري (الذي توفي بسبب الحمى في وقت مبكر من الرحلة). كان وود، شأنه شأن بعض المغامرين الغربيين، يهدف إلى إعادة إكتشاف هذه المنطقة، والتعرّف على غرائبيتها وروعتها. اهتم الرحّالة الإنكليزي أكثر من سواه بمدينة بعلبك، وعمل على الحفاظ على تاريخها من خلال إجراء دراسة تفصيلية لآثارها الرومانية العام 1751. على عكس الأعمال الأثرية السابقة التي غالبًا ما تصور فقط المناظر الخلابة للمواقع القديمة، قام وود أيضًا بقياس وتسجيل نسب الأعمدة وبقايا الأفاريز والسقوف. كان هذا النهج تجاه الآثار القديمة هو الأول من نوعه، وأثر في علماء الآثار والمهندسين المعماريين في بريطانيا وفرنسا طوال النصف الثاني من القرن الثامن عشر. كتب وود حينها: "أطلال بعلبك وأنقاضها تدهش كل زائر. وذلك لدى مقارنتها مع الكثير من آثار المدن القديمة التي قمنا بزيارتها في إيطاليا واليونان ومصر، وأجزاء أخرى من آسيا. لا يسعنا القول عنها سوى أنها أجرأ خطة رأيناها على الإطلاق في الهندسة المعمارية"(The Ruins of Balbec- 1757).
هنا لا بد من الإشارة إلى مسألتين للأمانة التاريخية والفنية. الأولى هي أن روبرت وود لم يكن أول من زار بعلبك من المستشرقين، إذ سبقه إلى ذلك بنيامين الإسباني (1163)، وأوجين روجر (1636)، وجان دي لاروك (1689) وسواهم. لكن هؤلاء لم يتركوا رسوماً أو مواد ذات صلة بالآثار الباقية. أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بالرسوم الغرافيكية (المحفورات) المنسوبة إلى وود، إذ لا ندري، في شكل واثق، إن كان نفّذها بنفسه أو قام بصناعتها فنانون آخرون، على أساس المقاسات والنسب التي أخذها بنفسه خلال الرحلة.
بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على ذلك، قام قسطنطين فرانسوا فولني، الكاتب والمستشرق الفرنسي، بزيارة آثار بعلبك، وذكر أن عدد أعمدة معبد جوبيتر قد تراجع عددها، ولم يكن أكثر من ستة، وذلك في أعقاب الزلزال المدمر المذكور أعلاه.
إثر ذلك، جاء رحالة وفنانون آخرون إلى بعلبك، من بينهم الرسام الفرنسي لويس فرانسوا كاساس (العام 1785) والمستشرق الفرنسي ليون دي لابورد (العام 1837) والرسام الاسكتلندي ديفيد روبرتس (العام 1839). امتلكت رسومهم وطباعاتهم الحجرية (litographie)، التي صوّرت ما وقع تحت عيونهم من مواقع أثرية، قيمة وثائقية وفنية لا خلاف عليها. لكن، وعلى الرغم من الإهتمام الذي ظهر حول العالم بآثار بعلبك، إلا أن هذا الموقع لم يكن بعيدًا من الخراب. ففي نهاية القرن التاسع عشر، لاحظ المبشّر الأميركي صاموئيل جاكوب، حالة المكان المؤسفة، فكتب حينها: "اليوم، يستمر التدمير الوحشي للأعمدة والأفاريز المتساقطة من دون رادع، إذ أن والي دمشق يقوم بنقل بعض القطع من المعابد القديمة، ويعمل الآن الأسقف البابوي اليوناني باسيليوس على بناء كاتدرائية عند سفح المنحدر جنوبي فندق عربيد، وقد اشترى موقعًا صغيرًا يقع قرب معبد على قمة التل الجنوبي، ويقوم بدحرجة الأعمدة المخددة والكتل المكعبة من جدران المعبد إلى الأسفل من أجل استخدامها في بناء الصرح الحديث" (صاموئيل جاكوب – "بعلبك، فلسطين، سيناء ومصر في كتاب العقيد ويلسون"، نيويورك (1881).
رومانسية كاساس ومحفورات روبرتس
كان لويس- فرانسوا كاساس (1756- 1827) رساماً وحفّاراً ومستشرقاً. تمتع بحماية كونت دي شوازول جوفييه، سفير ملك فرنسا في القسطنطينية، الذي اصطحبه معه، العام 1784، عبر اليونان. إنطلاقاً من القسطنطينية، قطع كاساس بلاد الشام من نهاية العام 1784 حتى يناير 1786، وسافر إلى آسيا الصغرى (سميرنا، أفسس، الإسكندرونة)، ثم إلى سوريا (حلب، تدمر، بعلبك)، وفلسطين، ومن هناك إلى مصر (بما في ذلك القاهرة). كان الهدف الأساس من رحلته إعداد رسوم للمواقع، وإقتناء قطع أثرية للسفير جوفييه، التي تعتبر شهادات استثنائية من الشرق الأوسط. أقام كاساس بعدها في روما، من نهاية العام 1786 حتى أبريل 1791، حيث أنهى رسوماته، ورمّم قطعاً أثرية لحساب السفير جوفييه.
الأعمال الفنية التي نفّذها كاساس كانت مختلفة من حيث الأسلوب عن تلك العائدة إلى جيمس وود، إذ أن الطابع الرومانسي كان طاغياً عليها، وهو أمر طبيعي في تلك الحقبة الزمنية من القرن الثامن عشر، حين كان الإتجاه الرومانسي أحد الإتجاهات الأساسية في الفن الأوروبي. هذا الأسلوب سنراه أيضاً في مائيات ديفيد روبرتس ومحفوراته، وهو الذي كان من أشهر الفنانين الرحّالة في تلك الفترة.
ديفيد روبرتس (1796- 1864) هو رسّام اسكتلندي معروف بمائياته التي تصوّر مشاهد من الأمكنة الأثرية والحياة الإجتماعية في الشرق الأوسط. تم جمع مطبوعاته الحجرية البالغ عددها 248، في ستة مجلّدات، الثلاثة الأولى منها تتخصص في مصر وبلاد النوبة. نالت أعماله التقدير بدءاً من العام 1824، بعدما التقى تشارلز ديكنز الذي تعاطف معه وقدمه للعالم. كما إلتقى أيضاً ويليام تورنر، الفنان الشهير، الذي نصحه بالسفر: "في الخارج يتعلم المرء الرسم"، قال له تورنر. سمع روبرتس النصيحة، وبدأ رحلاته فعلياً في خريف1824، إذ سافر إلى فرنسا حيث زار روان ولوهافر، ثم ذهب إلى المغرب العام 1832. لدى عودته إلى بلده، طلب من لويس هيج تنفيذ مطبوعات حجرية إنطلاقاً من رسومه بالألوان المائية. لاقت هذه المطبوعات نجاحاً لافتاً في إنكلترا، وبيعت 1200 نسخة من الرسوم التخطيطية التي تمثل مشاهد من إسبانيا، خلال شهرين إثنين، وبدأ حينها الإعداد لرحلته الكبرى إلى الأرض المقدسة ومصر.
غادر لندن في أغسطس 1838، مرّ عبر فرنسا، وأبحر من مرسيليا ليصل إلى الإسكندرية في 24 سبتمبر. ذهب على الفور إلى القاهرة، واستأجر قاربًا مع طاقم مكوّن من اثني عشر عاملا للإبحار في النيل. وصل في رحلته إلى أبو سمبل والنوبة في أقصى الجنوب، وفي الطريق ذهابًا وإيابًا، رسم عددًا كبيرًا من الاسكتشات بالألوان المائية للمواقع المصرية والمعابد التي فوجىء بحجمها الهائل، ما دفعه إلى وضع شخصيات بشرية في مقدّمة الرسم لإظهار المقياس، وقد أشار في مذكراته: "نحن شعب من الأقزام نزور أمة من العمالقة". زار روبرتس الأماكن المقدّسة، ثم حط رحاله في بعلبك، ليرسم مشاهد عديدة يمثل أحدها المعابد الرومانية في الأفق، مع شخصيات بشرية ترتاح على الأرض في المقدّمة. أما الرسم الأشهر فهو المتعلّق بمعبد باخوس، الذي كتب عنه في مذكّراته: "قد يكون هذا الرسم هو الأكثر تفصيلاً الذي قمت به، أكثر من أي عمل آخر. ليس في إمكان القلم الرصاص سوى نقل فكرة باهتة عن جمال المكان. لفافة واحدة من أوراق الأقنثة، مع مجموعات من الأطفال والفهود المتشابكة، المحفورة في الصخر، قد تشكل عملاً قائماً بحد ذاته. وبغض النظر عن جمال الهيكل، والحفاظ عليه بشكل جيد، فقد أدهشنا حجم الحجارة، وطبيعة الآلية التي رُفعت بواسطتها هذه الكتل. لقد هزت الزلازل هذه البقايا غير العادية؛ لكن، ورغم حجم الكتل التي تشكل العتبة، فإن الكتلة المركزية، التي هي على شكل إسفين، انزلقت وإنفصلت عن الكتل على الجانبين، لكنها بقيت معلقة ولم تسقط على الأرض". (الشكل الحالي لمدخل معبد باخوس، مع الكتلة التي أعيدت إلى مكانها في الوسط، هو نتيجة عملية الترميم في بداية القرن العشرين). وكخلاصة لما رأى ورسم، كتب روبرتس: "أنا الفنان الوحيد، الإنكليزي على الأقل، الذي أتى إلى هنا. أعمال الفنانين الفرنسيين لا تعطي إنطباعاً كاملاً عن هذه المباني المدهشة بحسب علمي".
بانوراما تيفادار كوسزكا تشونتفاري
نهاية، مع العلم أنه من الصعب إيفاء الموضوع حقّه كاملاً، لا بد أن نحيد صوب عمل الفنان الهنغاري تشونتفاري (1853- 1919)، الذي قام بدوره برحلة صوب الشرق الأوسط، شملت اليونان وبلاداً أخرى، وصولاً إلى لبنان. مرّ في منطقة الأرز ورسم عملين تتوسطهما الشجرة الشهيرة، ثم زار بعلبك. رسم الفنان إسكتشاً من منطقة مرتفعة من المدينة (هضبة ضهر الشير)، حيث يقوم معبد روماني على اسم الإله ميركور. استناداً إلى هذا الاسكتش، عمد الفنان إلى رسم لوحة عملاقة، العام 1906، بعنوان "كنيسة الشمس في بعلبك" (مقاسها 385cm X 714). أما في ما يختص بالأسلوب، فهي، كما أعمال الفنان الأخرى، لا تقتصر على أسلوب معين، إذ تميّز فنه بالقدر نفسه من الواقعية السحرية وما بعد الإنطباعية، والتعبيرية أيضاً. كتب عنها الناقد بول روكينباور (رحّالة عالمي مجري): "هي واحدة من أكبر اللوحات في العالم بأبعادها، وفي جوّها الخاص الذي يجذب المشاهد إلى الداخل، ومع ذلك، فإن هذه الألوان موجودة في سلسلة جبال لبنان الوردية (الغربية)، في مشهد ساحر للشمس وهي تتجه نحو الغسق".
المصدر: المدن