أحداث ثقافية أخرى
كيف أكلت الثقافةُ الأميركية العالم
سارة حبيب
الثلاثاء 28 حزيران 2022

في منتصف تسعينيات القرن العشرين، وبينما كان طالب جامعي أميركي يدعى ماكس بيرلمان يسافر عبر إقليم سيتشوان، الصين، بعيداً عن بكين بما يقارب 1500 ميل، التقى بمجموعة من الرحالة التبتيين يتجهون إلى عاصمتهم، لاسا. احتضنت المجموعة الأميركي الشاب وشاركوه طعامهم وبعض الأحاديث. لم يكن هؤلاء التبتيون قد سافروا بعيداً عن قريتهم قبل ذلك ولم يشاهدوا يوماً تكنولوجيا شبيهة بالكاميرا التي يحملها بيرلمان. مع هذا، في لحظة ما خلال الحديث، توجه أحدهم إلى بيرلمان وسأله: "كيف حال مايكل جوردان؟" 
 
إن كون هؤلاء الرحالة التبتيين لا يعرفون عن الرياضة الأميركية وحسب، بل يتتبعون أحد نجومها كذلك يُظهر سمةً مُعرِّفةً للنظام العالمي المعاصر: العالم ملتصقٌ بالولايات المتحدة الأميركية كما لو بغراء. يتتبع الأجانب القصصَ الأميركية الجديدة كما لو كانت قصصهم، يستمعون إلى موسيقى البوب الأميركية، ويشاهدون الكثير من الأفلام والبرامج التلفزيونية الأميركية (في عام 2016، كانت نصف مبيعات شباك التذاكر العالمية ترجع إلى سادس أكبر استديوهات هوليوود وحده). وكان هذا الاهتمام بالثقافة الأميركية يأتي أحياناً على حساب معرفة الأجانب ببلدانهم. 
 
غير أن هذه ليست إلا نصف القصة. فالأميركيون أيضاً ملتصقون بالولايات المتحدة التصاقاً شديداً. على سبيل المثال، قائمة الـ500 فيلم الأعلى إيراداً على مر السنين في الولايات المتحدة لم تحتوِ على أي فيلم أجنبي. كما أن نسبة الأميركيين الذين يمتلكون جواز سفر أقل بكثير من معظم البلدان الأخرى في شمال الكرة الأرضية (مقارنة بـ66% من الكنديين، و76% من مواطني المملكة المتحدة، فقط حوالى 4 من كل عشرة أميركيين يملكون جواز سفر ويتمكنون من السفر خارج بلادهم). 
 
إن ضيق الأفق الأميركي هذا يمكن أن يصبح جهلاً أميركياً، وهي حالة أحبطت أساتذة الجغرافيا في الولايات المتحدة، وشكّلت تسلية لمضيفي البرامج الحوارية (في أحد البرامج، فشل العديد من العابرين العشوائيين في لوس أنجلوس بتسمية بلد واحد غير بلدهم على خريطة العالم). كذلك، هذا النقص في معرفة العالم خارج حدود الولايات المتحدة له عواقبه الخطيرة على الولايات المتحدة وعلى العالم. إن الجهل بالظروف المحلية للبلدان الأخرى، جعل صنّاع السياسة الأميركيين يقومون بافتراضات كارثية، ويقفزون إلى الحروب.
 
كيف حدث هذا؟ كيف سافرت العولمة الثقافية في القرن العشرين في اتجاه واحد؟ ولماذا الولايات المتحدة منعزلة بهذا الشكل الغريب؟ الإجابة عن كلّ هذا هي في كتاب سام ليبوفيك الجديد "ساترٌ دخاني طاهر: أميركا بعد الحرب وسياسات العولمة الثقافية" الصادر في مايو / أيار عام 2022 عن دار نشر جامعة شيكاغو، والذي يعتبر أن ذلك يعود، في جزء كبير منه، إلى سياسة أميركا في منتصف القرن العشرين.
 
يقع الكتاب في مقدمة وخمسة فصول هي: 1.ولادة اليونسكو وقيود إعادة البناء الثقافي بعد الحرب؛ 2.الطيارات، السفارات، والتبادل التعليمي؛ 3.جوازات سفر، تأشيرات، وسياسة السفر الدولي؛ 4.حرية الصحافة، البروباغندا، والتدفق العالمي للمعلومات؛ 5. الخوف من الثقافة الأجنبية في أميركا الحرب الباردة. بالإضافة إلى خاتمة حملت عنوان: الوعد بالعولمة الثقافية الذي لم يتحقق.
 
ما يرويه الكتاب هو أن الولايات المتحدة، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، برزت كقوة اقتصادية وعسكرية متفوقة في العالم. ثم، وفي العقود التالية، مارست قوتها المسيطرة بطرق أقل ظهوراً للعيان إنما بذات الفعالية، ناشرةً بروتوكولاتها التجارية، وسائل إعلامها، وقيمها المزعومة. وفي هذا الكتاب، يتحدث ليبوفيك عن واحدة من أكثر هذه القيم بروزاً: التدفق الحر للمعلومات. ويوضح أنه، على الرغم من تشدق الدبلوماسيين والشخصيات العامة بأهمية التبادل الثقافي واسع الانتشار، كان لهذا التدفق اتجاه واحد وحسب: من داخل الولايات المتحدة إلى خارجها. 
 
فبالإضافة إلى أن البلدان الأخرى لم تحاول أن تدعم رؤى ثقافاتها، يظهر ليبوفيك أن الولايات المتحدة اتجهت إلى تهميش أو حجب تلك الرؤى؛ مُدلّلاً بهذا على ضحالة التعهدات الأميركية تجاه المؤسسات متعددة الأطراف، ومدى تمسكها بالسيادة الاقتصادية والثقافية، وعدائها لاستيراد ثقافات أجنبية. يكشف هذا الكتاب أيضاً العواقب العالمية المترتبة على ذلك؛ والعواقب العميقة والمخفية في شؤون بسيطة ظاهرياً مثل سياسة التأشيرات وجواز السفر، والتمويل التعليمي الدولي، وشراء الأراضي للسفارات، واتفاقيات الطيران المدني، والتبادلات التعليمية. وهي شؤون تشكّل العمليات التي وضعت، وقيدت في الآن ذاته، الطرق العابرة للدول التي تسافر عبرها الثقافة والمعلومات. 
 
كذلك، يشير ليبوفيك إلى أن العولمة لم تكن النتيجة الحتمية للتقارب الثقافي أو النتيجة الطبيعية لتدفقات معلومات يُزعم أنها حرة؛ بل إنها كانت دوماً سياسية حتى النخاع. 
 
بالتالي، ووفقاً لسام ليبوفيك ذاته، تقوم مناقشة الكتاب على النحو التالي: بعد الحرب العالمية الثانية، أسس صناع القرار الأميركيون تدفقاً عالمياً للثقافة كانت فيه الولايات المتحدة بشكل أساسي مهتمة بتصدير الثقافة ولم تستورد إلا القليل. وهذا يشرح الطبيعة غير المتكافئة للعولمة الثقافية بعد الحرب العالمية الثانية، ويساعدنا في إعادة التفكير بحدود "النظام العالمي الليبرالي". كما إنه يظهر أن عولمة الثقافة لم تحدث بالصدفة، بل شكّلتها السياسة، والمؤسسات، والبيروقراطيون. لقد مهّدت سياسيات الولايات المتحدة منتصف القرن العشرين للسيطرة الثقافية الأميركية. وأخذ دعم الولايات المتحدة لـ"حرية المعلومات" أشكالاً عديدة منها الانتشار الخارجي للمنشورات والسينما والموسيقى الأميركية.
 
ما حدث وفقاً لكتاب "ساترٌ دخاني طاهر: أميركا بعد الحرب وسياسات العولمة الثقافية"، أن الولايات المتحدة بعد الحرب، ومن موقعها الجديد كقوة عظمى متصدرة، نظرت إلى الخراب الذي خلفته الحرب، ووعدت ببناء عالم جديد؛ نظام عالمي ليبرالي مترابط؛ عالم حر. ولأجل هذه الغاية، جمعت نظاماً جديداً من المؤسسات الدولية، منها صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ووكالات الأمم المتحدة المتشابكة فيما بينها، وهي مؤسسات يفترض أن تربط بين الأمم وتتفادى النزاعات المستقبلية. سيكون العالم قرية صغيرة، إذاً. وأحد المبادئ المُؤسِّسة لهذه القرية هو التدفق الحر للمعلومات والثقافة. والقرويون، هكذا تم تخيّل الأمر، سيسافرون بحرية، يتاجرون بحرية، ويتواصلون واحدهم مع الآخر بحرية. وقد أحدثت هذه العبارة "التدفق الحر للمعلومات" الكثير من الضجة في الأربعينيات، وأيدتها الصحافة الأميركية، كما أصدر الكونغرس قوانين لدعمها. ووافق معظم العالم بالطبع على تلك الرؤية، فمن ليس معجباً بالحرية؟! من حيث المبدأ على الأقل. لكن، عندما وصل حوالى 600 صحافي ودبلوماسي إلى جنيف عام 1948، ليضعوا مسودة بنود حرية الصحافة لكل من إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ظهرت صعوباتٌ تعريفية. فبين ما عنته الولايات المتحدة بـِـ"حرية المعلومات" وما كانت بقية العالم بحاجة إليه كان ثمة مسافة شاسعة.
 
إن الفشل في إعادة توزيع الموارد، والافتقار إلى استثمار متعدد الأطراف لأجل إنتاج تدفق معلومات عالمي أكثر توازناً، بالإضافة إلى قوة صناعة الثقافة الأميركية منذ نهاية الحرب، أدى كلّه إلى ضمان الحق الأميركي بنشر المعلومات والثقافة عبر العالم. إن توسع وكالات الأخبار الأميركية بعد الحرب، واتساع تأثير استديوهات هوليوود، وموسيقى أميركا، خيرُ برهانٍ على ذلك.
 
ربما تكون قصة سيطرة الولايات المتحدة على الثقافة العالمية قد رويت سابقاً. لكن محط تركيز هذا الكتاب أكثر شمولاً، من حيث أنه يسأل ويجيب عن سؤال: لماذا استوردت الولايات المتحدة القليل جداً في مقابل ما صدّرته؟ إن هذا الكتاب دراسة لكلا جانبي دفتر حسابات العولمة: لقد صدّرت الولايات المتحدة ثقافتها بكميات هائلة، غير أنها لم تستورد إلا القليل. وفي حين تولت الولايات المتحدة زمام القيادة بوصفها قوة عظمى، بقيت على نحو يبعث على الدهشة منعزلة عن بقية العالم؛ إمبراطوريةً ضيقة الأفق، إنما مع امتداد عالمي.
 
يسرد الكتاب الكثير من الأدلة على ضيق الأفق ذاك منذ مرحلة ما بعد الحرب، ثم يعرّج على بعض التغييرات. فلا يمكن إغفال حقيقة أن جهود حركة الحقوق المدنية وقوة العولمة قد ذلّلتا الكثير من عقبات منتصف القرن أمام تدفق الثقافة الأجنبية؛ كما أن التكنولوجيا ساعدت كثيراً. مع هذا، يظهر ليبوفيك أن هذا التغيّر لم يحقق التوازن التام في التدفقات الثقافية وتدفقات المعلومات. فدولة الأمن القومي الأميركية ظلت تُقصي الأجانب على أسس أيديولوجية، وصناعة الثقافة الأميركية لم توقف مساعيها التجارية. كما أن الجيل الثاني من شبكة الانترنت قد طوّق الكثير من نشاطات العالم على منصات مجموعة من الشبكات الأميركية. صحيحٌ أن تفوق أميركا الجيوسياسي قد ينقضي في المستقبل غير البعيد، لكن ليس واضحاً فيما إذا كان الأميركيون سيتغيرون.
 
أخيراً، وعند سؤاله لماذا نحتاج أن نقرأ هذا الكتاب، أجاب سام ليبوفيك: "إذا كنتَ مهتماً بالتفكير بسياسة الثقافة العالمية، أو مهتماً بمعرفة مستقبل "الدولية الليبرالية"، أو تريد أن تفهم لماذا لا يعرف الأميركيون إلا القليل عن العالم برغم تأثيرهم الهائل على العالم، فأعتقد أنك ستجد هذا التاريخ الذي جمعتُه مثيراً للاهتمام، و، كما آمل، محفزاً على التفكير".
 
 
المصدر: الميادين