"أكاديمية الضحك".. كوميديا عن القامع والمقموع
بديع صنيج
الإثنين 6 حزيران 2022
مقصّ أسود ضخم يُخَيِّم على إنسان نحيل يحمل بيده اليسرى بضع أوراق. هذا التصميم على مُلصَق مسرحية "أكاديمية الضحك" (تأليف: كوكي ميتاني، إخراج: سمير عثمان الباش) كان أولى الإشارات السينوغرافية البليغة عن مضمون العرض، الذي قُدِّم في "مدرسة الفن المسرحي" في دمشق بالتعاون مع "مؤسسة اتجاهات - ثقافة مستقلة".
اعتمد العرض في أسلوبيته على كوميديا الحوار، وما تكشفه من جوانب مثيرة للاهتمام في المحادثات والعلاقات الإنسانية على حد سواء. إذ على مدار ساعتين، تتأسَّس وتتصاعد جدلية حوارية بين "مُراقب نصوص مسرحية" (لجين إسماعيل)، و"كاتب دراماتورجي" (كرم حنون - إيهاب الياس/ دبل كاست)، حول آليات المنع، وذهنية الرقيب المؤطرة بمُحدِّدات السلطة السياسية، ورؤيتها لأولويات المرحلة الراهنة ثقافياً، الرافضة للكوميديا من أساسها، في مقابل الاهتمام بما يُجَيِّش العواطف ويَشدّ من عزيمة الشعب في مواجهة الهجمات الخارجية الشَّرسة.
تشريح المسموح والممنوع في النصوص المسرحية، تم بطريقة كوميدية من خلال التعديلات المتكررة التي يطلبها "المُراقب" من الكاتب المسرحي الذي اقتبس مسرحية شكسبير "روميو وجولييت"، محوِّلاً إياها إلى "جوليو ورومييت" بإطار كوميدي ستؤديه فرقة "أكاديمية الضحك".
مرّة يكون المنع بسبب الاقتباس من كاتب أجنبي من دون الحصول على موافقة خطية منه، واعتبار ذلك سرقة أدبية موصوفة، ومرة أخرى نتيجة "أفشة" العنوان التي لم يفهمها الرقيب ولم تضحكه، مثلها مثل "الأفشات" الداخلية، وثالثة بسبب القُبَل التي يتضمنها النص واعتبرها المراقب إباحية غير مرغوبة في مثل هذا الظرف الراهن، وغير ذلك مما حدا بالكاتب لإقناعه بأن تمثيل النص هو ما يضفي الحيوية ويُحقِّق الإضحاك الكامن في الكلمات المكتوبة، ليبدأ بتجسيد أدوار المسرحية، فيكون "جوليو"، و"رومييت"، و"المُخرج"، و"مهندس الديكور"، وحتى "صائغ الموسيقى التصويرية".
كل ذلك في محاولة منه لإقناع المُراقب بنصه والحصول على موافقته بغية عرضه بعد أسبوعين، لذلك ما كان من الكاتب في كل مرة، إلا الانصياع لرغبات ذاك المراقب، رغم عدم اقتناعه بالتعديلات التي يطلبها، ومن ذلك تبديل روميو بهاملت من أجل إثارة الحماس للانتقام، المطلوب في هذه المرحلة المصيرية، لكن الكاتب كان يُسخِّر ذلك في أجواء كوميدية، ونهفات تخدم نصّه، كما فعل حينما طلب منه الرقيب إدخال جملة "يحيا يحيا.. عاش الوطن"، فحوَّل يحيا إلى شخصية "يحيى" سائس حصان هاملت، و"الوطن" إلى ذلك الحصان الذي عاش رغم إصابته بسهم، أو عندما طلب مراقب النصوص إضافة شخصية الشرطي "أبو صقر" بطلب من رئيس الأمن الداخلي الذي قرأ النص وأعجبه.
بين السُّخرية المُرَّة واللامعقولية في فرض الشروط والتأطيرات والإضافات المُمِضّة على مسرحية الكاتب، أصبحنا أمام كوميديا من نوع أعمق، مبنية على الجدل المستمر بين القامع والمقموع، بين السلطة والشعب، بين حُرَّاس بوابات الفكر والمبدعين.
يشتد أثر هذه الكوميديا بعدما أقنع الكاتب الرقيب بمشاركته التمثيل ولعب دور الشرطي "أبو صقر" ومارس عليه دور المخرج في تحديد دخولاته وخروجاته، وزمن نطقه لحواراته، ضمن عملية قلب للأدوار، أضفت حيوية أخرى على العرض، لا سيما في ظل الأداء المتقن لكل من لجين إسماعيل وكرم حنون، والتعارض النفسي في شخصيتيهما، بين التَّجبُّر والخنوع، التَّسلُّط والرُّضوخ، الصرامة والتَّساهل، والذي خفت شيئاً فشيئاً بعد تكرار لقاءاتهما يومياً، ومحاولة الكاتب كسب ود الرقيب بعفويته المفرطة عبر شراء فطائر ساخنة في أول مقابلة، اعتبرها الأخير رشوة في البداية ولكنه قبلها في ما بعد بموقف مضحك، أو من خلال أحاديثهما عن الغراب الذي اقتحم منزل الرقيب، وصناعة مدير ديكور فرقة "أكاديمية الضحك" بيتاً له، ثم قيامه بإهدائه مجموعة من طيور الحَسّون، لينتج عن ذلك نوع من الألفة بين الشخصيتين، تمتَّنَتْ شيئاً فشيئاً، بفعل الاحتكاك اليومي، واقتناع الرقيب بأن الكاتب ذو موهبة فذة، ليخبره بأنه قادر على توظيفه مباشرة بمنصب مستشار درامي في دائرة مراقبة النصوص، وأنه كان يضحك في المنزل وهو يقرأ نصه وتعديلاته. لكن الكاتب اعتذر بعدما جاءه تبليغ للالتحاق بخدمة العلم، ورغم الحصول على موافقة الرقيب أخيراً، لا سيما بعد تجسيد بعض فقراته تمثيلاً مع الأقنعة، إذ لعب الرقيب شخصية الكاهن، بينما جسد الكاتب شخصية جولييت، إلا أن الرقيب تراجع عنها بعد بوح الكاتب له بأنه سَخِرَ من السلطة ورقابتها الصارمة وخنقها لحرية المُبدعين، وبأنه سيبقى معارضاً شرساً لها، ليعود الرقيب إلى طلب تعديلات جديدة غير معقولة، لا همَّ لها سوى مواصلة ممارسة جبروتها على الأفكار.
عن سبب اختيار هذا النص الياباني وآلية تكييفه سورياً قال المخرج د. سمير عثمان الباش في تصريح خاص بـ "الميادين الثقافية": "اعتدنا بمدرسة الفن المسرحي أن نطرح في عروضنا أفكاراً أكثر من قصص وحكايات عابرة، ونص "كوكي ميتاني" يطرح الكثير من الأفكار، وعلى ما يبدو أنه في بلدنا، نحن بحاجة أن نراجع الكثير من أفكارنا، ونؤسس من جديد بعض المداميك التي نبني عليها سوريا الحديثة ومستقبلنا".
وأضاف: "بما أننا نعرف حياتنا، حاولنا قدر المستطاع أن نعكسها على خشبة المسرح مستخدمين هذا النص، الذي ساعدنا كثيراً لأنه غني جداً وفيه أفكار متنوعة، خاصةً أنه مدموغ بأنه كوميديا فلسفية، فحاولنا التقاط انعكاساته على الواقع السوري، من خلال التلاعب باللغة، وإيجاد معادلات لبعض الكلمات والعبارات بالعربية، مع المحافظة على روح الفكاهة القائمة على المحادثات بين البشر باعتبارها مصدر سحر كوميدي خاص".
الباش قال إن شخصية المراقب "كانت عبارة عن آلة بيروقراطية، ومن خلالها صورنا قدرة الفن على تحريك الإنسان وتحرير مشاعره، بما يؤكد ضرورة الفن المسرحي. كما لاحظنا شخصية الكاتب الذي يكتب بعيداً عن الواقع مسرحية كوميدية، عن أحداث جرت في القرون الوسطى، بينما حياتنا مليئة بالكوميديا، وهو ما يحيلنا إلى الكثير من الكتاب الذين يصيغون الكثير من الأعمال المنضوية تحت شعار "الفن للفن"، وهذا لا بأس به، لكننا اليوم بحاجة لأن نفهم أنفسنا أكثر، ونحدد مصيرنا بشكل أوضح".
وقال المخرج: "أعتبر المسرح مختبراً للحياة، فكما أن هناك مختبرات للكيمياء، فإن حياتنا، وهي الأهم، لديها مختبرها المتجسد من خلال المسرح، وفيه نختبر مشاعرنا وعلاقاتنا وأفكارنا، وبالتالي المسرح ضروري جداً، ومن قال "أعطني مسرحاً أعطيك شعباً" محق جداً".
أما عن طريقة التقاطه لمفاتيح شخصية "المراقب" فقال الممثل لجين إسماعيل في تصريح لــ "الميادين الثقافية": "كل عمل يفرض طريقة البحث عنه وطريقة الأداء لشخصياته، وتبقى الرؤية الأولى والأخيرة للمخرج، ونحن كممثلين نحاول قدر الإمكان تطويع أدواتنا التي تختلف في المسرح عن غيرها من السينما والتلفزيون".
وأضاف: "أتمنى أن أكون نَوَّعت عما قدَّمته سابقاً، لا سيما أن التحولات في هذه الشخصية واللعب فيها كان على درجة عالية، وخصوصيتها تأتي من التغييرات التي طرأت على حياتها، وجعلت ذاك المراقب يرى الأمور بشكل آخر ومن منظور آخر، فهو إنسان بالنهاية، ويقدر حسب الظروف والأوضاع التي يمر بها، أن ينتقل من مكان لآخر وهو ما حصل".
يذكر أن ملصق وديكور العرض من تصميم الفنان يوسف عبدلكي، إضاءة ومساعدة مخرج: مرح العريضي، صوت: رغد عزقول، إدارة منصة: لجين حمزة، ميخائيل مخول، علي شربجي، ويستمر العرض لثلاثة أيام مقبلة هي: الجمعة والسبت والأحد .
المصدر: الميادين