أحداث ثقافية أخرى
كفاح عفيفي أبعد من سيرتها
روجيه عوطة
الأربعاء 1 حزيران 2022

ثمّة أفلام، يكفي أن تنطوي على حركة صغيرة تطاول مونتاجها، بما هو فقط طريقة توزيع مشاهدها، حتى تكون بمثابة تحف فنية. هذا ما ينسحب على فيلم "امرأة أبعد من الحدود"، إخراج مي مصري وجان شمعون، والذي عُرض ضمن "مهرجان السينما الفلسطينية في باريس" مشاهدته. ففي هذا الفيلم، سيرة كفاح عفيفي، المعتقلة السابقة في الخيام، وهذه السيرة مكتوبة ومقدمة بطريقة يصعب على النظر أن يشيح عنها لسبب أساس، وهو كونها تمدّ كل شريطها بأثره ووقع، وبينهما، معناه.
 
 
فهناك مشهدان مفتاحان في هذه السيرة، وهما متوزعان على طرفيه، أي على بدايته وعلى نهايته. أولاً، ثمة المشهد الذي يفتح الفيلم، وهو الذي يتظاهر خلاله معتقلو الخيام أمام السراي الحكومي في وسط بيروت مطالبين بحقوقهم. في هذه التظاهرة تلتقي الكاميرا ببطلتها، أي عفيفي، التي تتعرّض، إسوة بالمحيطين بها، لتغييبها عن حقوقها من قبل الدولة اللبنانية، فتجلس أرضاً تحت الشمس الحارقة. تكتفي الكاميرا بتصويرها في هذه اللحظة، لحظة تعرضها لتغييبها، قبل أن تذهب صوبها من أجل رواية حكايتها. فالكاميرا تعين ما يشبه بغيتها، وهي الرد على تغييب البطلة بسرد حضورها. بالطبع، عند هذا المشهد، تخطر في البال فكرة أن الفيلم، وعلى عادة الأفلام التي تروي سير شخصيات ما، قد يجعل من حكاية البطلة، ومثلما يريدها، أقوى من حضورها، مثلما تحياه. إلا أن هذا بالتحديد ما لا يحصل، على العكس، يدرك الفيلم كيف يوازن بين الحكاية وصاحبتها. 
 
لكن، وللحديث عن هذا التوازن، لا بدّ من استكمال رحلة الكاميرا مع عفيفي، التي تبدأ بسرد حكايتها. إذ إنها، وفي نتيجة القبض عليها في أثناء مشاركتها في عملية مسلحة ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، ينقلها جيش لحد في معتقل الخيام، حيث تتحمّل التعذيب على أنواعه على أيدي الجنود والعملاء، فضلاً عن "جزّار الخيام" عامر فاخوري. في أثناء رواية عفيفي لهذا الفصل تعود الى المعتقل وغرفه، تزور رفيقاتها، تستقبل العظيمة سهى بشارة في منزلها، مثلما أنها تستضيف صديقها الياباني، الذي كان من أوائل المصورين الذين دخلوا الى مخيم صبرا وشاتيلا بعد المجزرة، حيث تعرّف عليها لاحقاً. فعفيفي، وقبل أن تكون معتقلة، هي ناجية من تلك المجزرة، كما أنّ أسرتها هي أسرة الفقد بعينه، إذ أنّ ثلاثة من أخوتها قتلوا، أكان من قِبَل "حركة أمل" في "حرب المخيمات" أو من قِبَل سواها. 
 
سيرة عفيفي تراجيدية للغاية، لكن، وعلى الرغم من ذلك، لا يبديها الفيلم أنها مكسورة بفعلها. فعفيفي وجدت مكاناً لها حيال هذه السيرة، وهو يتيح لها أن تكون داخلها، وبالفعل نفسه، ألا تختزل نفسها بها. ففي الزنزانة، حيث اطفأ الفاخوري سيجارته في جرحها، تبتسم، وابتسامتها تقول إنها لن تترك لهذه الذكرى أن تحطمها. كما أنها، وفي زنزانة أخرى، تشير الى النافذة، التي كانت تستخدمها ورفيقاتها كمرآة، وبهذا، تشير إلى أن الاعتقال، وبكل عنفه الموجه ضدها، لم يستطع اقلاعها عن وجهها. ثم أنها، وفي الحديث مع صديقها المصور، يتذكران تمازحهما في مطلع صِلتهما. أما مع سهى ورفيقاتها، فهي وإياهن على طلاقة لا يمكن سوى الاستخلاص من بعدها كونهن يكسرن السجّان بحضورهن هذا.
 
لم تنتظر عفيفي ان تستحصل على مكان في سيرتها، بل إنها صنعته وحدها حيالها، كما لو أنها "أبعد من حدود" حكايتها. وهذا، فعلياً، ما نجح الفيلم في تقديمه بروية، والأهم، من دون تكلّف، خصوصاً حين ربط بين سيرة عفيفي وسير نساء فلسطينيات آخريات، مثل سميحة خليل وفدوى طوقان. من المشهد-الفاتحة للفيلم، أي مشهد تغييبها، حتى المشهد الأخير، أبدت الكاميرا عفيفي بلا أي "فيلتر" سردي، بل تركت لها أن تحضر من دون أي تأطير لها. فلم تجعل العدسة من حضور البطلة ظهوراً لها، إنما، هذه العدسة صارت، ومن مشهد إلى آخر، كأنها مصنوعة من أجله. وفي هذا السياق، يقع جانب من جوانب قيمة الفيلم، إذ إنه لم يمض إلى صناعة عفيفي مناسبة له، بل ترك البطلة تصنعه. فعل ذلك لأنه يقدر على شيء غيره، فعفيفي لم تتح له أن يعادل بين حضورها وبين حكايتها، وهو -وهنا جانب آخر من جوانب قيمته- قَبِل بذلك. 
 
إذ يقفل على مشهد بعينه، وهو مشهد البطلة مع زوجها تحت شجرة من الأشجار في جنوب لبنان، يتحدثان، وبالكاد يتبادلان الغزل، حتى تقول عفيفي للمخرجين إن كان الفيلم قد انتهى، وهي توجه، ومن قلب سؤالها، دعوة لإنهائه. فالفيلم هو فيلم الحكاية، أما حضور البطلة، فيتخطاه الى أبعد منه، إلى ما تبقى لها، إلى ما بنته من حب وصداقة لم تتلصص عليهما الكاميرا ولم تحملق فيهما حتى، بل إنها قبلت بأن تقول إن الحكاية لا تختزل صاحبتها، لأن صاحبتها هذه، مهما كان اعتقالها وتغييبها، فهي ليست معتقلة.
 
 
المصدر: المدن