الفلسطينية مها الحاج متوّجة في "كان"..المقاومة المجازية
المدن
الإثنين 30 أيار 2022
تُوّجت المخرجة والكاتبة الفلسطينية مها الحاج بجائزة أفضل سيناريو عن فيلمها "حمّى المتوسط" ضمن مسابقة "نظرة ما" الموازية للمسابقة الرسمية لمهرجان "كان" السينمائي في دورته الـ75. ويمثّل الفيلم المشاركة الثانية للمخرجة في "كان"، بعد فيلمها "أمور شخصية" (2016) الذي رُشح لنيل جائزة الكاميرا الذهبية آنذاك.
من جهتها، أكدت مها الحاج أن إنجاز فيلم "حمّى المتوسط" لم تكن مهمة سهلة. وعلّقت على صفحتها الخاصة في "فيسبوك" بعد تتويجها: "يصعب وصف الشعور بالفرح من اكتمال الرحلة التي بدأت منذ خمس سنوات، كما يصعب وصف كمية الشكر والامتنان لكل إنسان كان جزءاً من مسيرة هذا الفيلم بكل مراحله من بداية الفكرة حتى هذه اللحظة، كنت محاطة بأشخاص محبين ومخلصين ولولاهم ما كان الفيلم أن يخرج بهذا الشكل". وعبّر الممثل الفلسطيني عامر حليحل، بطل الفيلم عن سعادته قائلاً: "شعور بنشوة كبيرة أن تنتج فيلماً فلسطينياً مع كل الصعوبات، وأن تصل الى أهم مهرجان سينمائي في العالم، وأن تحصل على جائزة، وأن تكون تحت قيادة مخرجة عميقة ذكية حساسة وشجاعة... كل هذا يجعل من الفرح فرحتين".
ويحكي فيلم "حمى المتوسط" قصة جارين فلسطينيين يعيشان في حيفا، الأول وليد (عامر حليحل) المهووس بعالم الكتابة والغارق في اكتئاب مزمن، والثاني جلال (أشرف فرح)، محتال صغير يشاركه وضعه البيتي، حيث تعمل زوجتاهما بينما يبقيان هما في البيت لإنجاز المهام المنزلية. يلعب الفيلم مع الأدوار الجندرية السائدة، لتنفتح حكايته على استكشاف بطليه لنفسيهما والشروع في رحلة عاطفية للمكاشفة والوقوف على عوائق ومصاعب العيش في بيئة تبدو للوهلة الأولى طبيعية، لكن تدريجياً تتكشّف مآزقها وخباياها. بالمثل، ينفتح الرجلان - المتناقضان تقريباً - على جوانب ضعفهما، لتنشأ رابطة بينهما تتقوّى بمرور الوقت وتراكم التجارب الصغيرة، لتفضي في النهاية إلى حلول ومفاجآت.
والفيلم الجديد من إنتاج مجموعة منتجين: شركة ميتافورا– قطر، باهر إغباريّة- فلسطين، ثناسيس كرثانوس ومارتين هامبيل- ألمانيا، جولييت ليبوتري وبيير مناحيم- فرنسا، ماريوس بيبريدس وجانين تيرلينج – قبرص. وصوّرت مشاهد العمل في كل من حيفا وقبرص، وذلك بين شهري تشرين الأوّل وتشرين الثاني من العام الماضي.
ومها الحاج، مخرجة الفيلم وكاتبة نصّه، فلسطينية من مواليد مدينة الناصرة، وتقيم في حيفا. فازت أعمالها بالعديد من الجوائز والتكريمات في مهرجانات سينمائية عربية ودولية، وفاز فيلمها الطويل الأول "أمور شخصية" بجوائز عديدة في الولايات المتحدة وسويسرا وفلسطين. كما حصد فيلمها القصير "برتقال" جائزة الجمهور في مهرجان مونبلييه بفرنسا في العام 2012.
قبيل عرض فيلمها في "كان"، سلّطت مها الحاج الضوء على مقتل الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، ووصفت مقتلها بأنه عملية قتل مستهدفة من قبل إسرائيل، بقولها "لقد أطلقوا النار على رأسها لمجرد قيامها بعملها في مخيم جنين للاجئين، وتغطية قصة مروعة أخرى للإحتلال". وأضافت وسط تصفيق الجمهور: “لن ننساك أبداً يا شيرين. نحبّك ونعتز بك. على الرغم من أنهم ربما قتلوا الراوي، إلا أن القصة ستظل حيّة على الدوام. نكرّس هذا العرض الأول لك".
فيلم فلسطيني تماماً
في حديثها للموقع الرسمي للمهرجان عن دوافع ومصادر إلهامها لإنجاز الفيلم، قالت الحاج: "أنا مخرجة ميلانكولية للغاية، لكني أملك روح الدعابة. لهذا السبب استطعت أن أكتب هذا الفيلم السوداوي، الذي يدور حول رجل يعاني من الاكتئاب المزمن ويطمح لأن يصبح كاتباً. من خلال هذه الشخصية الخيالية، أضغط على الأفكار المتطرفة التي قد تكون مألوفة بالنسبة إليّ. أنا شخصياً على دراية بشخصيته وطباعه. وبالتالي، فإنني أسخر من جانبي المظلم من خلال رجل يشبهني في جوانب معينة، بينما يظل مختلفاً عني. من خلال اللعب مع الأسئلة الكبيرة عن الحياة والموت، دفعتْ وليد إلى حدود قصوى لم يكن ليبلغها بمفرده. فيلمي السابق "أمور شخصية" تحدث عن هوية الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل والضفة الغربية وفي المنفى. تُسجن الشخصيات وتُحبَط ويخيب أملها بسبب تعقيد وجودهم كفلسطينيين. وليد، وهو فلسطيني يحمل الجنسية الإسرائيلية يعيش في حيفا، لا يمكنه الهروب من مشاعر العزلة والمُصادرة ذاتها".
باستثناء ممرضة يهودية ظهرت في مشهد واحد، فإن الفيلم لا يشمل أي شخصيات إسرائيلية .الابتعاد عن كل ما هو إسرائيلي كان هاجساً ملازماً لمها الحاج في فيلمها الأخير، خصوصاً بعد الزوبعة التي صاحبت فيلمها الأول. تعرّف الحاج فيلمها بأنه من إنتاج فلسطين وقطر وفرنسا وألمانيا وقبرص. على الرغم من أن أحداثه وتصويره في حيفا، إلا أنه لا يصنف نفسه على أنه إنتاج إسرائيلي ولم يتلق أي تمويل إسرائيلي. اختارت الحاج عدم تلقي تمويل إسرائيلي لفيلمها، مشيرة إلى القانون الإسرائيلي الذي يفرض على الإنتاجات التي تتلقى تمويلاً حكومياً تقديم نفسها على أنها "أفلام إسرائيلية". يُذكر أن الفيلم السابق للمخرجة مُنع من العرض في مهرجان بيروت السينمائي العام 2016، بسبب هذا التفصيل تحديداً.
وقالت الحاج خلال مقابلة مع مجلة "فارايتي": "كان يهمّني تقديم الفيلم باعتباره فيلماً فلسطينياً. ليس لدينا مؤسسة فلسطينية لإنتاج ودعم الأفلام، لذا فقد استغرقنا جمع الأموال للإنتاج بعض الوقت، ثم جاء فيروس كورونا كمكافأة لاختبار صبرنا أكثر قليلاً". وأضافت الحاج: "عندما يتحدث الناس عن حيفا، فإنهم عادة ما يفكّرون في التعايش. لكن هذه ليست حيفا التي أقدّمها في الفيلم لأنها لا تضمّ إسرائيليين. هناك مدينة حيفا التاريخية التي أُحتلّت عام 1948. اختفت أحياء بأكملها وأُجبر أهلها على المغادرة. هذه هي حيفا التي أردت عرضها. أستخدم البيوت المهجورة لوصف الحزن الذي يعيشه بطلا الفيلم. بالنسبة إلي، هي قصة عن الكفاح اليومي الذي نختبره كفلسطينيين، سواء كان ذلك في غزة أو الضفة الغربية أو داخل الأراضي الإسرائيلية أو في الخارج. يتعلق الأمر بالشعور بأنك مسجون دون معرفة متى سيُطلق سراحك، إذا كان سيحدث ذلك من الأساس".
المقاومة بعيداً من المباشرة
على عكس كلمات المخرجة، الصريحة والواضحة سياسياً، يتجنّب فيلمها التطرق المباشر للوضع السياسي في الداخل المحتلّ، إنما تأتي إشاراته إلى القضية الفلسطينية وهموم ومعضلات الهوية لدى فلسطينيي الداخل في الغالب مجازية، يستحضرها عبر حوار شخصياته وفي بعض الحالات من خلال أمكنته، بالسخرية اللاذعة أحياناً وبرسائل المقاومة المبطّنة أحياناً أخرى. كلا البطلين يعاني من مشكلات نفسية، بمستويات مختلفة، ومن دون أعراض ظاهرة، وعبر تطورات الأحداث يورّط الفيلم مشاهديه للاشتباك مع شخصيتي البطلين وفهمهما. تحضر يوميات الفلسطيني العادي، كأي إنسان آخر، ولا تغيب القضية.
عن شخصياتها، تقول المخرجة: "قررت التركيز على شخصية واحدة فقط ومعالجة الاكتئاب على المستوى الفردي وليس على المستوى المجتمعي. قد تبدو حياة وليد مريحة ومرغوبة لمعظم الناس. ومع ذلك - وهذا يتفق مع فهمي الشخصي للاكتئاب - ومع ذلك، هناك دائماً شيء عميق، يحجبه المجهول، مفقود دائماً. في الأخير، حين يصل وليد إلى نقطة اللاعودة ويقرر أن يصبح سيّد مصيره الوحيد، بأن يقرّر إنهاء حياته من خلال تمويه انتحاره كموتٍ طبيعي لأنه، كأبّ محبّ لعائلته، لا يفقد إحساسه بالمسئولية.
أضع شخصية وليد مع جلال جنباً إلى جنب، وهو محتال صغير متفائل ومليء بالحياة ومتواضع جداً لدرجة لا تسمح له بالغرق في الاكتئاب. إنه عكس وليد، لدرجة أن بُعداً هزلياً يُولد من لقاءهما الذي يلقي الضوء على تاريخ وليد المظلم. يوفّر تقاسم عالميهما المتعارضين عمقاً للشخصيتين ويؤدي إلى حلّ أزمتهما الوجودية."
وعن قرارها بالتصوير في حيفا، أجابت: "ثلث سكان حيفا فلسطينيون. وظلّت بعض أحيائها مهملة ومتدهورة منذ بدء الاحتلال عام 1948، مثل أحياء وادي الصليب ووادي النسناس وحليسة. قمنا بالتصوير في هذه الأماكن تحديداً من أجل إظهار الجانب الفلسطيني من المدينة. صوّرنا في الخريف لترسيخ الفيلم بشكل أفضل في أجواء المنطقة الصعبة، مع سمائها الرمادية الملبَّدة بالغيوم وبحارها العاصفة وجوّها الكئيب وألوانها الحزينة وثيقة الصلة بيأس البطل واكتئابه".