"أطلس أدب أميركا اللاتينية": خريطة غير مستقرة
شادي لويس
الإثنين 11 نيسان 2022
ماذا لو كان عليك اختيار كاتب لوضعه في الخريطة؟ من سيكون؟ هذا كان السؤال الذي طُرح على 47 كاتباً ومتخصصاً في أدب القارة اللاتينية، كنقطة انطلاق لكتاب "أطلس أدب أميركا اللاتينية" الصادر مطلع الشهر الجاري، من دار النشر الإسبانية "نورديكا".
النية المعلنة هي أن يقدم الأطلس ترسيماً بديلاً لخريطة الأدب اللاتيني. ولذا تشترط محررة الأطلس، الأكاديمية والكاتبة الأرجنتينية، كلارا أوبليغادوا، على المساهمين، أن يتجاهلوا جيل "البوم". فبين 50 مؤلفاً من 20 بلداً اختِيروا لتمثيل أدب القارة، لا يظهر اسم بورخيس ولا خوان رولفو، ولا أي من رواد الواقعية السحرية الكبار. بالضرورة، كل عملية اختيار تتأسس ضمناً على الكثير من الحذف، إلا أن شرط المحو المبدئي في الكتاب لا ينطلق من مفاضلة أو مبدأ مغاير للاختيار، ولا حتى مجرد مناوشة تتحدى رسوخ الأطلس القائم، ببساطة تشير أبوليغادوا إلى عدم الحاجة لتضمين ما هو مرئي بالفعل.
ككل أطلس أدبي آخر، يتموضع الكتاب عند نقطة تقاطع الجغرافيا السياسية والمتن الثقافي المعتمد. لذا، بالقدر نفسه، يمتلك الأطلس الأدبي سلطتهما المرجعية، سلطة الخريطة وسلطة المتن، وكذا إشكالياتهما الاختزالية. فغير أن رسم الخريطة هو مهمة اعتباطية تتم بأشكال بالغة العنف في الأغلب، وخصوصاً في أميركا اللاتينية، عبر موجات من الغزو والتقسيم والتهجير والإبادة، فإن رسم الخريطة الأدبية لا يقل اعتباطية. على سبيل المثال، يختار الأطلس روبرتو بولانيو، وتتم موضعته في الخريطة داخل حدود تشيلي. ليس بولانيو بالاسم المجهول بالطبع، وإن كان يمكن اعتباره نجماً من الدرجة الثانية مقارنة بمواطنه نيرودا، أو لعل مكانه المناسب هو تقديره كأحد رواد جيل ما بعد "البوم"، وهو جيل يأتي في ظل سابقه من حيث الانتشار، وإن كان هذا لا يعني أنه أقل منه قيمة أو موهبة. وعلى الأغلب يأتي اختيار بولانيو في مقارنة مع اسم واسع الانتشار تجارياً، مثل مواطنته إيزابيل الليندي.
إلا أن المعضلة هنا تكمن في تنسيب بولانيو إلى تشيلي. فبالرغم من كل التنظيرات حول العولمة، وأدب العالم أو عالمية الأدب، تظل الدولة الوطنية، بأكثر معانيها تبسيطاً وقسرية، هي المحدد الرئيسي للتصنيفات الأدبية. صحيح أن بولانيو ولد في تشيلي وحمل جنسيتها، إلا أنه انتقل في صباه مع والديه إلى المكسيك، ومن ثم هاجر في شبابه إلى إسبانيا ليقضي بقية حياته هناك.
علق بولانيو نفسه على ذلك الوضع، بأنه تشيلياني في المسكيك، ومكسيكي في تيشلي، أميركيّ لاتيني في إسبانيا، وأوروبي في أميركا اللاتينية. أما في ما يخص أعماله، فأحداثها موزعة بشكل لا يأتي بتشيلي على رأس اللائحة الهوياتية، بل ببساطة تجعل منه كاتباً مكسيكياً أولاً، وإسبانياً في المقام الثاني. وبالإضافة إلى ذلك، فحجم أعماله التي تدور أحداثها في تشيلي لا تزيد كثيراً عن التي تجري في الأرجنتين.
وبخصوص التفاوتات السياسية للخريطة الأدبية، يجلب الأطلس إلى دائرة الضوء، أسماء مجهولة، مثل البنمي روخيليو سيمان، والذي بحسب الفصل المخصص له يُعد كاتباً كبيراً، ولو كان أرجنتينياً أو تشيلياً لنال نصيبه من الشهرة بشكل أفضل وأكثر استحقاقاً. لكن بعض مساحات الجغرافيا الأدبية، كأميركا الوسطى، لا تحظى بالاهتمام من صناعة النشر، كون الأوزان النسبية لآداب البلدان الصغيرة لا تتعلق بالضرورة بالأدب وحده، بمقدار تعلقها بالأوزان الجيوسياسية وآنية حضورها في نشرات الأخبار.
بين خمسة من الأسماء المُنتقاة من المكسيك، هناك أربع كاتبات، وكاتب واحد. تلك النسبة التي تقلب التراتبية الجندرية للأدب اللاتيني رأساً على عقب، تجسّد آليات الاختيار في الأطلس ومنطلقاتها النسوية. لكن هل يكفي تضمين المزيد من النساء في لوائح الأدب، لتعديل المتن المعتمد بأثر رجعي؟
يحمل الكتاب عنواناً فرعياً هو "بُنى غير مستقرة". ويمكن فهم تلك العنونة الفرعية على مستويين: الطبيعة العنيفة والمتقلّبة للخريطة السياسية للعالم اللاتيني، وكذا حيوات ومصائر كتّابه. أما من الناحية الأخرى، وهي الأهم، فيشير إلى ديناميكية التغيرات التي تطرأ باستمرار على عمليات ترسيم المتون الثقافية، وتحديد القيمة وتخليد الأسماء وتراتبيتها. تلك العملية التي يساهم فيها الأطلس الجديد بوعي، عبر التفتيش في الأرشيفات غير المرئية والأقل حظاً، وإن كان هذا الوعي لا يعصمه من ارتكاب تعميات أخرى، غير مقصودة ولا يمكن تجنبها تماماً، فالحجب هو أحد المرتكزات الرئيسية لرسم الخرائط.
المصدر: المدن