"العرّاب": قصة حضور المافيا افتتاح الفيلم.. وألف دولار بقشيش!
محمد صبحي
الجمعة 11 آذار 2022
من بين جميع الحكايات المعروفة والمتداولة حول العقبات التي اعترضت تصوير فيلم "العراب"(*)، يبدو الاجتماع بين زعيم المافيا جو كولومبو والمنتج السينمائي آل رودي كأنه خارج من سيناريو أحد الأفلام. كان مقرراً أن يأتي كولومبو ويقرأ سيناريو الفيلم، وقد دُعي للقيام بذلك في نهاية أحد أسابيع العام 1971 في مكاتب شركة "Gulf + Western" في نيويورك، الشركة الأم لاستوديو "باراماونت بيكتشرز" في ذلك الوقت. حصل رجل العصابات على هذا الامتياز الفريد من خلال رابطة الحقوق المدنية الإيطالية الأميركية (IACRL)، وهي منظمة حقوقية أهلية أسّسها بنفسه في العام 1970 لمكافحة الصور النمطية السائدة عن الأميركيين من أصول إيطالية. كانت الرابطة بمثابة وكالة علاقات عامة بحكم الأمر الواقع تديرها عائلة كولومبو الإجرامية، لتمويه ومواراة عمل المافيا.
لم يكن الجميع سعداء بالأفلمة الوشيكة لرواية ماريو بوزو الأكثر مبيعاً. وصلت مكالمات هاتفية تهديدية مجهولة المصدر إلى الاستديو. ثم قام أحدهم بإطلاق النار على نوافذ سيارة المنتج رودي وترك ورقة على لوحة القيادة مكتوب فيها: "لا يوجد فيلم!". ثم كان هناك الرابطة إياها، التي دعت - أو أجبرت - المؤيدين في الحي الإيطالي بنيويورك لوضع ملصقات على نوافذهم احتجاجاً على "العراب"؛ وفجأة، ألغيت جميع حجوزات مواقع تصوير الأفلام - المحجوزة سلفاً - في نيويورك.
بدا أن لقاءً بين الاستديو الهوليوودي وعالم الجريمة المنظّمة مسألة لا بدّ منها إذا أراد المسؤولون إكمال المشروع.
كتاب شامل
في كتابه الصادر مؤخراً "اترك المسدس، خذ الكانولي: القصة الملحمية لصناعة العراب"، يسجّل الصحافي الأميركي مارك سيل الحادثة كما لو جالساً هناك بين الحاضرين.
جو كولومبو - بقبعة مشقوقة ونظَّارات قراءة – يحدّق في سيناريو "العراب" المفتوح أمامه، على الطاولة في المكتب، ليسأل بعد دقيقة أو نحو ذلك: ماذا يعني "fade in"؟ (تقنية سينمائية تُعرض خلالها الصورة تدريجياً أو يعلو فيها الصوت تدريجياً من الصفر - المحرّر).
عرف رودي أن هذا الرجل لن يخوض في سيناريو من 155 صفحة.
لعن كولومبو حزمة الأوراق ورماها على رفيقه جورج 'بوتراس' دي تشيكو، الكابّو المستقبلي لعائلة جامبينو. لكن اتضح أنه ليس قارئاً أيضاً.
في الأخير، لم تكن هناك حاجة للقراءة على الإطلاق، ووافق كولومبو بشرطٍ وحيد: أن يضمن المنتِج عدم استخدام مصطلحي "مافيا" و"كوزا نوسترا" في الفيلم تحت أي ظرف من الظروف. "هذا جيد"، وعده رودي، الذي كان يعلم أن الإشارة إلى المافيا الصقلية ليست موجودة على أي حال وأن مصطلح "المافيا" سيظهر مرة واحدة فقط، عندما يسخر المنتج الهوليوودي جاك وولتز من عائلة كورليوني. وصلت الرسالة وسعد الجميع من دون الاضطرار لتغيير الكثير.
لن يرى كولومبو النسخة النهائية من الفيلم أبداً، إذ تلقّى رصاصة في رأسه أثناء فترة التصوير.
في ليلة العرض الافتتاحي الخاص، سأل زميل من زعماء المافيا، المنتجَ رودي: "لماذا لم يُدعى أي منهم؟ إذا صنعت فيلماً عن الجيش، ألم تكن لتدعو بعض الجنرالات أيضاً؟" وهكذا، أُقيم عرض افتتاحي خاص من نوع آخر، حضره مندوبو أهم عائلات الجريمة في نيويورك. وعلى عكس رواد السينما العاديين، تأثروا بشدة؛ حتى أن أحدهم أعطى مشغّل صالة السينما بقشيشاً بقيمة 1000 دولار.
كابوس
غالبًا ما يُشار إلى فيلم "القيامة الآن" باعتباره الفيلم الذي شهد أصعب عملية تصوير على الإطلاق. بسبب الإعصار الذي فجّر نصف موقع تصوير الملحمة الحربية، والنوبة القلبية التي أصابت الممثل مارتن شين، وأفاعيل النجم مارلون براندو، والعديد من العقبات الأخرى. كل ذلك دوّنه الفيلم الوثائقي "Hearts of Darkness: A Filmmaker's Apocalypse" لإليانور كوبولا، زوجة المخرج.
لكن وفقاً لكوبولا نفسه، فإن إنجاز "العراب" كان كابوساً أكبر. ليس بسبب براندو، الذي ظهر في موقع التصوير بعد يومٍ كامل من الموعد المحدّد، ثم جلس بصبر لساعات طويلة في الأوساخ، لتتضح لاحقاً ضرورة الخطوة حين تحوّله إلى العجوز دون فيتو كورليوني. على المستوى الشخصي، لم يكن لدى كوبولا الكثير ليخشاه من المافيا أيضاً، فقد تركوه وشأنه. لكن كوبولا خاض حرباً مع الاستديو. أو بالأحرى، الاستوديو أعلن الحرب عليه.
لخَّص روبرت إيفانز، رئيس استديو باراماونت آنذاك، الأمر قائلاً: "كان القتال حول اختيار عائلة كورليوني أكثر احتداماً من القتال الذي خاضته عائلة كورليوني في الفيلم". رُفضت اقتراحات كوبولا من قِبل الاستديو بعدما جهّز لائحة بالممثلين المحتملين لأداء الأدوار. كانت مسيرة براندو خربة ومزرية في أوائل السبعينيات. وآل باتشينو، الذي أشار إليه إيفانز على الدوام بـ "القزم" أو "تلك الدجاجة المشاكسة"، كان بالكاد ممثلاً معروفاً. فقط بعدما صوَّر كوبولا بتصوير فيلم/بروفة اختبار شاشة (صار أسطورياً الآن) قام فيه براندو بتقمّص شخصية الدون العجوز، بمساعدة بعض الأحذية اللامعة وبعض الصوف القطني المحشو في خديه؛ وافق الاستوديو. أما باتشينو فقد تملّكه الخوف من أنهم سيطردونه، ولم يفارقه هذا الشعور إلا حين بدء التصوير فعلياً.
كوبولا، الذي كان في أوائل الثلاثينيات من عمره، لم يقع عليه الاختيار إلا بعدما زكّته جميع أنواع الأسماء الإخراجية المعروفة (بما في ذلك إيليا كازان وآرثر بن). لم يحظ بثقة كبيرة بين أفراد طاقمه، ولتجنّب وقوع انقلاب وشيك، طرد كوبولا حفنة من العاملين بعد أسابيع قليلة من بدء التصوير، بما في ذلك مُخرجه المساعد ومونتير الفيلم. كما اشتبك باستمرار مع مدير التصوير اللامع جوردون ويليس. أراد الأخير أن تضاء "لوحاته" المظلمة بدقّة مليمترية، بينما اعتقد كوبولا أن ممثليه بحاجة أيضاً إلى بعض حرية الحركة. صراع إبداعي مشحون بين عقليتين صلبتين، بالنظر إلى النتيجة النهائية، أثبت أنه مثمر للغاية.
كراهية متبادلة
في "اترك البندقية، خذ الكانولي"، يورد مارك سيل أيضاً رسالتي فاكس تبادلهما كوبولا ورئيس الاستديو إيفانز في العام 1983، يظهر في كلتيهما كراهية وازدراء متبادلين. يطلب كوبولا من إيفانز بنبرة تحذيرية أن يتوقف عن التظاهر بأنه هو الذي أنقذ فيلم "العراب" والمسؤول عن إنجازه. إيفانز، في المقابل، يعرب عن قلقه بشأن "فصام مصحوب بجنون العظمة لدى كوبولا".
بحث سيل عن رئيس الاستديو السابق قبل سنوات من وفاته العام 2019، ومن الواضح أنه بذل قصارى جهده لمنحه بعض الفضل أيضاً. لكن مَن يقرأ الكتاب يُفاجأ بشكل أساسي من عدم كفاءة إيفانز. فهو نفسه الرجل الذي أصرّ على روبرت ريدفورد لتمثيل دور مايكل كورليوني، والذي حاول استبدال رقصة الفالس الرخيمة التي كتبها نينو روتا بموسيقى تصويرية أميركية هائجة.
مدى ضآلة الإدراك وسوء التقدير النسبي الذي كان لدى المبدعين أنفسهم في بداية مشروع "العراب"، يظلّ حقيقة لافتة في سيرة ما يعتبر الآن أحد أعظم كلاسيكيات السينما. ماريو بوزو، مدمن القمار الذي لم يقابل في حياته رجل عصابات واحد قبل نشره "العراب" في العام 1969، كتب روايته المثيرة والمسلّية بسبب احتياجه الشديد للمال من أجل إعالة أسرته. لم يكن كاتباً معروفاً، لكنه اختزن في رأسه كثير من القراءات السابقة لقصص المافيا والعصابات الإجرامية. حتى استديو بارامونت، الذي اشترى حقوق الفيلم بثمنٍ بخس حتى قبل نشر الرواية، لم يكن متأكداً من قراره بإتمام المشروع، خصوصاً أن فشل فيلم العصابات "الأخوية" (1969، مارتن رِتّ)، من بطولة كيرك دوغلاس وإنتاج بارامونت، كان طازجاً لا يزال.
وضع كوبولا الرواية جانباً بعد خمسين صفحة فقط، إذ وجدها "بذيئة وقذرة". لكن صديقه وربيبه جورج لوكاس (الذي كان لا يزال مجهولاً) جعله يعيد النظر في اقتراح باراماونت: "ألم يكن هناك شيء مهم في كتاب بوزو نهائياً؟" لعب المال كذلك دوراً: كانت شركة أفلام كوبولا "American Zoetrope" مدينة بمبالغ ضخمة للاستوديوهات بعد إنتاجها فيلم لوكاس الأول "THX 1138" ودراما "ناس المطر" لكوبولا، اللذين نالا بعض التقدير لكنهما فشلا في اجتذاب الجمهور. أراد كوبولا هذا الفيلم ليتمكّن من سداد ديونه وتحقيق الأفلام التي يحلم بتصويرها.
تأريخ عائلي
هكذا سيسير الأمر، اعتقد كوبولا، الذي غاص في مكتبة سان فرانسيسكو لقراءة كل ما وقع تحت يده عن المافيا. وهكذا أصبح مفتوناً برواية بوزو، بمزيجها الغريب بين الروابط العائلية وعلاقات البيزنس، بين إنسانية هؤلاء المجرمين ووحشيتهم. دراما شكسبيرية حول خلافة عرش مملكة عائلية، حيث يمتلك كل من أبناء كورليوني الثلاثة - سوني وفريدو ومايكل - شيئاً من عظمة والدهم، بحسب كوبولا: "الأكبر شغفه وعدوانيته، والثاني طبعه الرقيق ومرحه، والثالث ذكاؤه ودهاؤه وثقله". عن السلطة الأبوية كانت الرواية، مثلما عن الهجرة والحلم الأميركي. قرر المخرج أنه من الأفضل تصوير "العراب" كقصة عائلية، تأتي فيها أعمال الجريمة كاستعارة للرأسمالية.
حين علمه بذلك، ردّ إيفانز، رئيس ستوديو باراماونت، على النحو التالي: "اللعنة عليه وعلى الحصان الذي يركبه. هل هذا الرجل مجنون؟". أضحت حرباً. وانتصر كوبولا.
مصادر إلهام وخبرات لازمة
عند كتابته "العراب"، اعتمد ماريو بوزو بشكل أساسي على واحد من أكثر الكتب غير الخيالية مبيعاً حينها، بعنوان أوراق فالاتشي (1968)، وفيه تحدّث جو فالاتشي - أول عضو مافيا على الإطلاق - عن الأساليب والمراتب داخل مجتمع الجريمة المنظمة في الأوساط الإيطالية-الأميركية. استلهم شخصية دون فيتو كورليوني من رئيس العصابات جو بروفاسي، المعروف أيضاً باسم "ملك زيت الزيتون"، وفرانك كوستيلو، الذي استعار منه مارلون براندو صوته الأجشّ.
لكن النموذج/المثال الأكثر أهمية كان والدة بوزو نفسه: امرأة صلبة وصعبة المراس، معتدة بكرامتها وعاشت لعائلتها، وتحبّ التحدث بأقوال مأثورة؛ ومنها أخذ بوزو العبارة الأيقونية "سأقدّم له عرضاً لا يمكنه رفضه". قال بوزو لاحقاً إن صوت أمه كان في أذنه أثناء كتابته الجمل الحوارية لدون كورليوني في الرواية.
ضمّ "العراب" الممثلين الضروريين في فريق العمل ممن خبروا المافيا عن كثب. الممثل جياني روسو (كارلو في الفيلم)، الذي تزوج ابنة دون كورليوني، كان يوماً ما صبياً مهماً لزعيم المافيا فرانك كوستيلو. آل ليتيري (سولوزو التركي)، كان له صهر عمل "كابّو" في عصابة جينوفيزي الإيطالية. المصارع السابق ليني مونتانا (لوكا برازي الحارس الشخصي لكورليوني)، كان حارساً شخصياً لعائلة كولومبو الإجرامية.
(*) يُعرض الفيلم حالياً في بيروت والقاهرة، بمناسبة مرور 50 عاماً على إصداره.
المصدر: المدن