أحداث ثقافية أخرى
بيروت الثقافية لم تمُت
روجية عوطة
الجمعة 11 آذار 2022

لا بد من تفهم تلك الخطبة التي تشيع حالياً حول موت بيروت الثقافية، في أثر رفع صورة لقاسم سليماني في معرض الكتاب المنظم فيها، ولا بد من تبني هذه الخطبة أيضاً في بعض اللحظات من باب إطلاق صافرة الإنذار حول الوضع اللبناني. لكن، في الوقت نفسه، من الضروري التنبه الى كونها ليست خطبة محايثة تلك المدينة، وقبلها، لكل البلد. ما أقوله هنا ليس نزعاً للتشاؤم، ولا حباً بالتفاؤل، إنما هو تعبير عن حذر حيال التطرف في إعلان موت مدينة، أو في الإشارة الى نهاية ثقافتها.
 
فبيروت لم تمُت ثقافياً، وأياً كان انتاجها في هذا المضمار، وأياً كانت الملاحظات التي يمكن تسجيلها عليه، فهو ما زال على قيد عيشه. بعبارة واحدة: طالما هناك مَن يكتب، ويقرأ، ويرسم، ويعرض، ويتفنن، ويروي، ويمسرح، ويؤفلم، ويبحث في تلك المدينة، فهذا يعني أن إمكان اتصافها بشيء ما من الثقافة ما زال حاضراً. اتصافها هذا لا يفيد بتحولها الى عاصمة ثقافية، كما راجت التسمية، ولا أن تكون، بفعل ذلك، أفضل المدن في الشرق الأوسط. على العكس تماماً، اتصافها ذاك يعني تخففها من هذه التسميات، التي لم تكن يوماً ملائمة لها. فعلياً، خطبة موتها الراهنة ليست سوى استمرار لخطبة تصويرها السابق كمدينة بوجه ثقافي، يعلو، بقيمته، على وجوه المدن العربية حولها. والآن، وبما أن كل ما يحيط ببيروت من مدن أخرى صار مدينة مدمرة متماثلة، صار الارتكاز على تصويرها كذلك مقارنة بغيرها، وأكثر من أي وقت مضى، ليس في محله البتة.
 
إتصاف بيروت بثقافة ما، مثلما هي حالها في الوقت الحاضر، يساوي أنها ما عادت عاصمة ثقافية لأنها لم تكن كذلك في يوم من الأيام، بل صارت كما كانت، صارت كما هي، أي مدينة تنتج ثقافة، نعم، ومثقفة، لما لا. الا أن كل هذا لا يمنع أن يرتفع في معرض كتاب منظّم فيها، صورة لقاسم سليماني، وأن تُمنع داخله حفلة موسيقية. فهذا المعرض ليس معرض بيروت، هو معرض مقام في بيروت، أي أنه لا يحتكر تمثيلها، كما أن تنظيم غيره ليس محالاً. معرض بيروت هو معرض في بيروت، أما باقي هذه المدينة، فلها إنتاجها الذي لا تُعلق فيه صورة سليماني، ولا تُمنع فيه أغنية، بل أنه، وخلافاً لذلك، أقرب من الافتنان بالموسيقى، وأبعد من الافتنان بمجرم حرب.
 
وفي الجهة عينها، لا يمكن الحسم في أن تحميل ذاك الإنتاج مهمة أن يكون حاجزاً أمام تعليق صورة سليماني، أو منع أغنية، هو فعل دقيق. قد يكون الإقلاع عن إعطاء الإنتاج الثقافي تلك المهمة، ومعها، الكثير من الأهمية، مفيد، وهذا، من باب النظر إليه على ما هو، أي من دون مبالغة في انتظار أثره، ومن دون المبالغة أيضاً في تقديم هذا الأثر كما لو أنه كان موجوداً في السابق ثم اندثر، ما سهّل رفع صورة سليماني، ويسّر منع الأغنية. لا يمكن ترقب أي شيء من هذا الإنتاج في وجه سيطرة على بلد، مثلما أنه لا يعين على أي شيء من أجل توقيفها، كل ما يقدر عليه هو أن يبقى في زواياه المعلنة وسواها لكي تظل مدينته تتصف به من دون جرها الى أن تكون مرة "عاصمة ثقافية"، ومرة أن تكون عاصمة ميتة. فلا هي الأولى، ولا هي الثانية، إنما هي مدينة متصفة بثقافة ما، يصح فيها القول انها "لا تنفع بشيء، وكل قيمتها، تستمده من ذلك".
 
 
المصدر: المدن