أحداث ثقافية أخرى
"بيروت بعد الأربعين" فيلم داخل الفيلم
العرب اللندنية
الإثنين 28 شباط 2022

لم يكن “بيروت بعد الأربعين” فيلما عاديا في مسيرة المخرج أنطوني مرشاق، حيث تزامن تصويره مع كارثة انفجار المرفأ فأجبر مرشاق على تغيير الفكرة العامة للعمل، فصار فيلما داخل الفيلم يكشف صورة مختزلة عن بيروت بعد الدمار، ويمنح صاحبه جوائز ونجاحا لم يخطط له.
 
بيروت - لبنان ليس بلد الأزمات كما ينعته كثر، وليس بلدا يعاني نحو 80 في المئة من سكانه فقرا متعدد الأبعاد جراء الأزمة الاقتصادية والمالية غير المسبوقة التي تعصف به كما يخبرون، لبنان ليس فقط بلدا أنهكته الأحداث والخضات الأمنية والسياسية والاقتصادية، لبنان على الرغم من كل المؤامرات يبقى بلد الثقافة والحرف، وفيه مبدعون ومبدعات برعوا في مجالات مختلفة وأوصلوا وطنهم إلى العالمية، فغدوا بقعة نور في ليل حالك ينهك سواده يقظة المواطن، ويعطون الأمل بمستقبل مشرق وزاهر لبلد يستحق أن يكون مزدهرا ومستقرا.
 
أحد هؤلاء المبدعين، المخرج أنطوني مرشاق الذي صار بفضل فيلمه القصير “بيروت بعد الأربعين” المولود من رحم المعاناة اللبنانية، يحتل المرتبة الـ14 على الموقع العالمي “آي.أم.دي.بي” إذ تمت إضافة الفيلم إلى قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت والذي اعتبر من بين أشهر الأفلام القصيرة عربيا.
 
وفاز فيلم المبدع اللبناني بـ11 جائزة آخرها جائزة مهرجان هوليوود الذهبية، وسوف يعرض الفيلم في سانتا مونيكا في لوس أنجلس، وتم تعيين المخرج مرشاق ليكون أحد أعضاء اللجنة التحكيمية الدولية للمهرجان.
 
كما تم ترشيح الفيلم الذي يحكي قصة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس 2020 في مهرجان الدولة الذهبي للسينما في هوليوود.
 
وعن فيلمه القصير قال مرشاق لوكالة الأنباء اللبنانية “تم تنفيذ الفيلم بعد 40 يوما من انفجار مرفأ بيروت ويروي تجربتي الذاتية إذ كنت موجودا على بعد 600 متر من مكان الانفجار، بالقرب من شركة الكهرباء حيث كنت أحضر لفيلم أدعو فيه الشباب إلى عدم الهجرة، وعند الساعة 6:07 مساء دوى الانفجار وتغير كل شيء، وتغيرت حياتي وتغير الفيلم، كما قلت ذلك خلال الفيلم ‘أصبحت في فيلم داخل الفيلم وغير فيلم’، تغيرت الأحداث ولم أعد قادرا على إقناع الشباب بألا يهاجروا”.
 
وتابع “اتصلت بزميلي في الجامعة مدير التصوير يوسف الفضلي واستعدنا سويا الذكريات الأليمة في ذلك اليوم المشؤوم، وتمكنت من الحصول على لقطات من كاميرات مراقبة في الشارع القريب من المرفأ، بالإضافة إلى كاميرات المطاعم والمستشفيات في المنطقة، كي ننقل ما حدث وقت الانفجار، واستطاعت كاميرات المراقبة أن توثق ما حصل في لحظة الانفجار وتنقل ماذا حل بي وبصديقي والناس الذين كانوا موجودين في تلك اللحظة من أسى وحزن وألم أصابنا وأصاب جميع اللبنانيين”.
 
وأشار المخرج إلى صعوبات واجهته أثناء تحضير الفيلم؛ صعوبات نفسية وجسدية ومعنوية، بالإضافة إلى الضغط النفسي، وقال “مازلت حتى الآن عندما أشاهد الفيلم أشعر بالحزن وأتذكر لحظة الانفجار، إنه هدف الفيلم حتى لا ينسى العالم ما حصل في الرابع من أغسطس: انفجار كارثي دمر مدينة من أجمل مدن العالم وأعرقها ست الدنيا بيروت، وتسبب في مقتل أكثر من 200 شهيد، وثقنا الصور كي تبقى محفورة في أذهاننا ما حيينا”.
 
وشرح أن “هدف الفيلم إنساني يعكس مأساة كل لبناني عايش الانفجار وعانى تداعياته، حتى الذي لم يكن موجودا لحظة الانفجار، عندما يشاهد 25 دقيقة من الفيلم الوثائقي، سيشعر ببشاعة تلك اللحظات”.
 
وأوضح أنه واجه “صعوبات تقنية ومادية جمة، إذ أن إنتاج الفيلم كان فرديا، بالتعاون مع فريق عمل من الأصدقاء”، وقال “حاولنا إنجاز هذا العمل بأقل كلفة ممكنة”.
 
ولفت مرشاق إلى فيلم سابق أنجزه بعنوان “هيك بدن”، وهو يتناول موضوع اغتصاب القاصرات في لبنان وقصة فتاة تتعرض لاغتصاب من ابن عمها وهي تتكتم عن الموضوع، وقال “هذا ينقل صورة مجتمعنا الذي لا يعترف بحق هذه الفتاة ويتم التكتم خوفا من الفضيحة”.
 
 
 
ونال فيلم “هيك بدن” ست عشرة جائزة عالمية، منها جائزة أفضل فيلم متوسط وجائزة أفضل مخرج وجائزة التوعية الاجتماعية في مهرجان البرازيل الدولي الشهري عام 2020.
 
كما فاز عن العمل ذاته بجائزتي أفضل فيلم وأفضل تصوير في مهرجان برودواي بالولايات المتحدة في دورته الثالثة عشرة.
 
أما عن مشاريعه المستقبلية فلفت إلى أن لديه مسلسلا وفيلما سينمائيا جاهزان للتصوير، لكنه يبحث عن شركة إنتاج وعن تمويل مالي، مشيرا إلى أنه يعمل على تصوير فيلم وثائقي جديد وإنهاء كتابة فيلمه القصير الجديد “بس لو ما مات” الذي تدور أحداثه في لوس أنجلس ويحكي عن قصة حب مستحيلة، بمشاركة ممثلين من مصر وسوريا ولبنان والعراق والولايات المتحدة والمكسيك، وسيتم التصوير في ولاية لوس أنجلس الأميركية.
 
ولفت مرشاق إلى أن فيلم “بيروت بعد الـ40” مرشح في مهرجان الدولة الذهبي للسينما في دورته المخصصة للعام الحالي، والعرض سيتم في الأول من مارس المقبل في سينما مسرح “تي.سي.آل” الصيني، وهي أكبر سينما هوليوودية تعرض الأفلام المشهورة.
 
وكان فيلم “بيروت بعد الأربعين” وثائقيا واقعيا، ظن مرشاق أنه من خلاله سيتعافى نسبيا، لكن تبين له أن التئام جراح النفس أمر صعب إلا أن تلك الجراح قد تتحول إلى فرصة للنجاح والشهرة وكما غير الانفجار المرفأ ومستقبل بيروت غير الفيلم ويغير إلى الآن حياة المخرج.