لماذا وكيف فاز "كودا" بالأوسكار؟
محمد صبحي
الخميس 31 آذار 2022
انتهى "مولد" الأوسكار وراح صداعه. صفعة ويل سميث لكريس روك دخلت تاريخ الجائزة، بقدر ما استحقّت من الشجب والإدانة. هذا أمر يتفق عليه الجميع (حتى ويل سميث نفسه)، مثلما يتفق النقاد على حقيقة أن الفيلم الخطأ حصل على جائزة أوسكار "أفضل فيلم" في تلك الليلة. الحديث عن فيلم "كودا" للمخرجة شان هيدر، وهو دراما كوميدية عن عائلة من الصمّ ما عدا الابنة البالغة من العمر 17 عاماً، والتي تساعد الأسرة في عملها بالصيد، ثم تكتشف موهبتها الغنائية في كورال المدرسة.
البعض تندّر بأن فوبيا هوليوود من "نتفليكس"، وصراخها المتكرر حول أهمية الحفاظ على "تجربة الفرجة السينمائية"، أفضت بها إلى تتويج فيلم لم يشاهده أحد في قاعة سينما كبيرة. الفيلم من إنتاج "آبل تي في بلس"، أبرز منافسي "نتفليكس"، ويمثل تتويجه المرة الأولى التي يحصل فيها فيلم من إنتاج منصة بث على أهم جوائز الأوسكار. للمفارقة، أبرز منافسي "كودا" على الجائزة كان فيلم "قوة الكلب"، وهو من إنتاج "نتفليكس".
قد يمثّل تتويج "كودا" انتصاراً لقيم المشاركة وتمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة، لكن على المستوى الفني يبقى فيلماً تقليدياً ومتوقعاً. متعاطف مع شخصياته، لكنه محدود درامياً ومن دون مستوى الطموح الإخراجي. لطيف وخفيف كما يليق بفيلمٍ تلفزيوني أو سهرة درامية. محبوب لكن تغيب عنه الأصالة الفنية، وبسيط لكنه يثقل نفسه بانفعالات زائدة حيثما كان ذلك ممكناً.
يشير مصطلح "كودا"، بحسب القاموس، إلى مجموعة من السطور تضاف كخاتمة لقصائد معينة، أو إلى المقطع الختامي لقطعة أو حركة موسيقية، وعادة ما يشكّل إضافة إلى الهيكل الأساسي. وفي الواقع، كان تتويج فيلم "كودا" بجائزة الأوسكار خاتمة لائقة لحفلة هوليوود الختامية. لكن "كودا" الفيلم هو اختصار للأبناء من آباء صمّ، أو الأبناء المتمتعين بحاسة السمع من آباء صمّ، وهي حالة تكمن في قلب هذه القصة التقليدية عن التفاؤل وتطوير الذات، والتي تنطوي على عائلة بروليتارية حيث الجميع لا يسمعون ولا يتكلمون منذ الولادة باستثناء الابنة الصغرى، التي عقدت العزم على أن تصبح موسيقية.
على النقيض من دراما وسوداوية "قوة الكلب" لجين كامبيون، الفيلم الذي بدا أنه المفضّل، باثني عشر ترشيحاً لم يظفر منها سوى بواحد يتيم، يضغط "كودا" بدلاً من ذلك بإشراقه الخالي من الظلال على كل زرّ ممكن لإطلاق المشاعر لدى مُشاهده: هناك لحظات للضحك، وأخرى للبكاء، أو للغناء، ولا نقص في تلك التي نتوقع فيها قبلة رومانسية أو حتى لحظة مهندسة من التمرد الاجتماعي، كما في تلك المحفوظة لإلقاء خطاب مناهض للتمييز والتنمُّر. إنه فيلم ميكانيكي بشكل أساسي، ودائماً ما يكون ودوداً حتى في لحظات الصراع، وفي كثير من الأحيان يتضمَّن مبالغات تمثيلية، كما في المسلسلات الكوميدية التلفزيونية (وليس على وجه التحديد بسبب الممثلين الصمّ والبكم، فمعلّم الموسيقى يبدو متصلاً دائماً بجهد 220 فولت)، وهو مصمَّم للوصول إلى أكبر جمهور ممكن، والذي قد يبدأ الآن فقط، بعد الجوائز، في جنيه، مع توقُّع عرضه في دور السينما في أنحاء العالم.
كيف ولماذا فاز؟
في البداية، ولبيان استثنائية فوز "كودا" الأخير بالأوسكار. تتوجّب معرفة أنه من أجل العثور على سابقة في العصر الحديث لفيلم من دون إيماءة، ترشيحاً أم فوزاً، في جوائز رابطة المخرجين أو الأكاديمية البريطانية (بافتا)، أو أي جوائز نقاد رئيسية لأفضل فيلم؛ يذهب إلى ليلة الأوسكار بأقل الترشيحات عدداً للمنافسة على فئة أفضل فيلم (بما في ذلك غيابه عن فئة المونتاج)، ثم يترجم ذلك بطريقة ما إلى فوز كبير... سيتعيّن علينا العودة إلى العقد الأول من تاريخ الأوسكار للعثور على أفلام فائزة بمؤهلات إحصائية مماثلة، وكان ذلك عندما أجبرت الاستديوهات الكبرى المتعاقدين معها، من كافة مجالات الصناعة، على حشد أصواتهم وراء إنتاجات الشركة.
لذا فمثلما يكرر المسؤولون حديثهم عن التضخم وارتفاع الأسعار، فإن أسباب فوز "كودا" بجائزة الأوسكار متعددة ولا يتعلّق الأمر فقط بالإنجازات الجوهرية للفيلم، الذي يعتبر فعالاً بقدر ما يمكن التنبؤ به.
أولاً، من الواضح أنه من بين حوالى 9500 عضو مصوّت في الأكاديمية، ما زالت هناك مقاومة قوية في هوليوود بمواجهة "نتفليكس"، المنصة التي كانت وراء "قوة الكلب" والتي لم تعد تعرف ماذا تفعل – من "الإيرلندي" لمارتن سكورسيزي إلى طاقم الممثلين النجوم في "لا تنظر للأعلى" - للظفر بأية تماثيل صغيرة، وخاصة "أفضل فيلم"، التي استعصت عليها منذ المقامرة الكبيرة التي كانها في يوم من الأيام فيلمها "روما" (2018) للمخرج المكسيكي ألفونسو كوارون.
حقيقة أن الجائزة الوحيدة من بين الاثني عشر التي رشّح لها "قوة الكلب" كانت من نصيب المخرجة النيوزيلندية جين كامبيون، تُظهر أن مجتمع الأكاديمية أراد منحها لها على وجه الخصوص، بشكل فردي تقريباً، وليس للإنتاج نفسه، لأنه فيلم "نتفليكس". ليس هذا هو الحال مع "كودا"، وهو نسخة جديدة باللغة الإنكليزية للفيلم الفرنسي "عائلة بلييه" (2014)، شارك في إنتاجه الطاقم الفرنسي نفسه للفيلم الأصلي، وباركه مهرجان "صندانس" السينمائي مطلع العام 2021، ومؤخراً فقط استحوذت عليه منصة "آبل تي في بلس" بمبلغ قياسي بلغ 25 مليون دولار، والتي، على عكس سياسة "نتفليكس"، سمحت ببثه في دور السينما وحتى وقّعت اتفاقيات مع منصّات أخرى في مناطق مختلفة.
لهذه الأسباب يُضاف آخر مهم. في السنوات الأخيرة، في سعيها لتجنب الركود والوقوع في شراك غيتو خاص بها، كما حدث مع جائزة "غولدن غلوب" التي تعاني مواتها حالياً، انفتحت أكاديمية هوليوود على العالم بطرق مختلفة، وأهمّها إضافة أعضاء لهم حقوق التصويت من المجتمع السينمائي الدولي، بما في ذلك منطقتنا العربية. لكن في الواقع، أصبح الفرنسيون الآن كثيرين جداً لدرجة أن الأكاديمية نظّمت في باريس، بالتزامن مع حفلة هوليوود، نوعاً من حفلة موازية لمشاهدة الحفلة على الهواء مباشرة، حيث يتشارك الحضور كأساً من النبيذ الفوار في قصر بلانش، الذي يعتبر أقدم وأهم مدرسة سينمائية في باريس، قبل ان يتحوّل حالياً إلى نادٍ خاص فخم.
تمتلك فرنسا حالياً ثالث أكبر كتلة/حصة من ناخبي الأوسكار بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وتضم 200 عضواً، بما في ذلك إيزابيل هوبير، وألكسندر ديبلات، وكوستا غافراس، وماريون كوتيار، وجولييت بينوش، وطاهر رحيم، وأوليفييه أساياس، وإيزابيل أدجاني، وكلير دوني، والمدير الفني لمهرجان كان السينمائي تييري فريمو، وتشارلز غيليبرت وفلوريان زيلر، من بين العديد من المنتجين الآخرين من اللاعبين الرئيسيين في النخبة السينمائية الفرنسية، والذين تمت دعوتهم جميعاً لحضور حفلة يوم الأحد، وبثتها قناة "كانال بلوس".
في بيئة تقودها وتسودها التربيطات واللوبيات لسنوات ماضية وأخرى تالية، يصعب إهمال حقيقة (أو حتى إحتمالية) أن شركة الإنتاج الفرنسية باثيه Pathe قد قامت بحملة دعائية مكثفة من أجل فيلمٍ يخصّها في المقام الأول، باعتبارها المنتج الأصلي للفيلم الفرنسي المأخوذ عنه النسخة الأميركية المتنافسة على جائزة الأوسكار.
مجتمع آخر من بين الأكثر والأفضل تمثيلاً في عضوية أكاديمية هوليوود هو مجتمع الممثلين والممثلات. قبل أسابيع قليلة من ليلة الأوسكار نال طاقم تمثيل "كودا" تكريماً هائلاً في حفل توزيع جوائز نقابة الممثلين (SAG)، واستقبلهم زملاؤهم بحفاوة مماثلة لما حدث ليلة الأوسكار، وتلك الجائزة تحديداً تحمل خصوصية فريدة إذ أن بعضاً من الأفلام الفائزة بجائزة الأوسكار الرئيسية في السنوات الأخيرة فازت بتلك الجائزة دون سواها ("ذي كينغ سبيتش"، "آرغو"، "بيردمان"، "سبوتلايت").
أخيراً، هناك إمكانية الاستفادة من نظام تصويت الأوسكار، حيث يقوم كل ناخب بترتيب المرشحين حسب الأفضلية: إذا لم يحصل أي فيلم على ما نسبته 50% (أو أكثر) من أصوات المركز الأول، تحسب الأكاديمية أصوات المركز الثاني، بعد استبعاد أقل المرشحين أصواتاً، وهكذا دواليك حتى الوصول إلى عتبة الخمسين في المائة. فيلم "كودا" عاطفي وسهل التأثير ويعطي الفرصة لإسماع "صوت من لا صوت لهم"، وهذه كلها أسباب كافية ليصبح الفائز- المفاجأة، باعتباره أكثر فيلم "محبوب" و"مهضوم"، بعيداً من الجماليات والسينما.
المصدر: المدن