لبنانيو روسيا وأوكرانيا.. يكتشفون التمرد على رفاق العسف السوفياتي
محمد أبي سمرا
الجمعة 25 آذار 2022
عماد الدين رائف باحث ومترجم لبناني عن اللغتين الروسية والأوكرانية، وأمضى سنوات خمس (1990- 1995) طالبَ صحافة اجتماعية في جامعة مدينة روستوف الروسية. وفي بيروت ترجم 12 كتابًا في الرواية والشعر والتاريخ عن الأوكرانية. وعن الروسية ترجم كتبًا خمسة في الأدب والتاريخ والرحلات والشهادات الأنثربولوجية. ووضع كتبًا خمسة في البحث الثقافي والتاريخي عن روسيا وأوكرانيا.
وبعد حلقتن نشرتهما "المدن" الجمعة 18 والإثنين 21 آذار الجاري، روى فيهما عن حال روسيا وأوكرانيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، هنا حلقة ثالثة وأخيرة يستعيد فيها وجوهًا من الثقافة الأوكرانية في أيام الحرب الباردة، ونشوء حلقات مثقفين أوكرانيين انشقوا عن الثقافة السوفياتية، أسوة بحركات وحلقات مماثلة في أوروبا الشرقية والوسطى: في بودابست وبراغ ووارسو.
المقبرة المبتهجة
"نحن مرآة باردة/ ضبابٌ لزج/ نحن أشباح المجتمع/ تتسلّلُ بين الناس بلا أثر".
هذه هي العبارات التي راحت تدور وتدور في رأس عماد الدين رائف، مراتٍ ومرات، لما طوى الصفحة الأخيرة من رواية "كلافكا" للروائية والباحثة الأوكرانية مارينا هريميتش. والعبارات هذه للشاعر الأوكراني ماكسيم ريلسكي (1895- 1965)، وقد اقتطفها رائف من إحدى قصائده وترجمها إلى العربية، بتأثير من قراءته رواية هريميتش، زوجة سفير أوكرانيا اليوم في لبنان إيهور أوستاش (راجع حديثه في "المدن"). ورواية "كلافكا" صدرت في كييف عن دار "نورا دوك" سنة 2019، وتستعيد فيها كاتبتها أجواء ونشاطات حلقات مثقفين أوكرانيين في خضم العسف النازي والستاليني، أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، بناءً على تقصيها الواسع والمعقد لوثائق من الأرشيف الأمني السوفياتي في كييف، وعلى مراجعة مصادر الحياة الثقافية في أوكرانيا تلك الحقبة.
وحسب رائف كلمة "كلافكا" اسم علم مؤنث في أوكرانيا. وصاحبته في الرواية كانت سكرتيرة اتحاد الكتّاب الأوكرانيين. لكن هريميتش اختارت هذا الاسم لشخصيتها الروائية لتكنّي به عن لوحة الأحرف في الآلة الكاتبة (كلافييه)، والتي كانت تستعملها حلقات من الكتّاب الأوكرانيين لطباعة كتاباتهم الأدبية والشعرية "السرّية" في نُسَخٍ لا يتجاوز عددها 15- 20 نسخة، يتداولونها سرًا في ما بينهم في الخمسينات والستينات والسبعينات. وكانت تلك الآلة رمزًا لحلقاتهم الثقافية. وأتْبَعت هريميتش "كلافكا" برواية ثانية سمّتها "يورا"، وهي استكمال للأولى، وتستعيد فيها أجواء نشاط حلقات مثقفين أوكرانيين متمرّدين على العسف السوفياتي في الستينات. وفي "الموجز في تاريخ أوكرانيا" الصادر في كييف سنة 2018، ترجمه رائف إلى العربية، كتب المؤرّخ الأوكراني أولكسندر بالي عن حلقات المثقفين المتمردين في بلاده، "أن انخفاض وتيرة القمع (السوفياتي في أوكرانيا) الستينات، أدى إلى ظهور حركة تقدّميه من المثقفين سُمّيت حركة الستينات. وفي العام 1963 عذّبت الشرطة بوحشية أحد أعضاء هذه الحركة، الشاعر فاسيلي سيمونينكو (1935-1967) الذي توفّي متأثرًا بجراحه. وكان سيمونينكو اكتشف مع ناشطين حقوقيين مقابر جماعية تابعة لمفوّضية الشعب للشؤون الداخلية. والمقابر لأشخاص كانت تُرمى فيها جثثهم، بعد إعدامهم رميًا بالرصاص. وكشْفُ سيمونينكو عن المقابر أدى إلى اتهامه بتعميم الدعاية المعادية للسوفيات، فحُظرت أعماله واعتُقل. وقد اغتالت السلطة السوفياتية آنذاك المغنّي والملحّن فولولدومير إيفاسيوك، جزاء رواج أغانيه الشعبية التي تعبّر عن التحدّي".
ومن أعلام حركة الستينات الثقافية الأوكرانية الشاعر فاسيلي ستوس، صاحب المجموعة الشعرية "المقبرة المبتهجة". وقد ترجم عماد الدين رائف منتخبات من أشعاره إلى العربية، وصدرت في كتاب ببيروت مطلع هذا العام. وكان ستوس قد رُشّح لنيل جوائز أدبية، وهُرّبت قصائده إلى خارج بلاد الستار الحديدي السوفياتي، واعتُقل وسُجن حتى وفاته سنة 1985. وهذا غيض قليل من فيض الحركة الثقافية الأوكرانية في الستينات، والتي تناولتها مارينا هريميتش في روايتيها. وفي سائر بلدان أوروبا الشرقية والوسطى في الحقبة السوفياتية، ظهرت آنذاك حركات "الانشقاق" الثقافي والأدبي عن المذهب السوفياتي الشيوعي، وواقعيته الاشتراكية الستالينية "المجيدة".
دبابات الرفاق السوفيات
لكن، يا للمفاجأة والغفلة والجهل: أوكرانيا عرفت، كسواها من بلدان المعسكر السوفياتي، ظاهرة الأدب المنشق والثقافة المنشقة، التي كان تصدّرها ألكسندر سولجنتسين، المولود من أبٍ روسي وأم أوكرانية. ثم تصدّرها بعده في الثمانينات والتسعينات الروائي التشيكي الهارب من بلاده، والحائز على الجنسية الفرنسية، ميلان كونديرا، صاحب مقولة "أوروبا (الوسطى والشرقية) المخطوفة"، بعدما عاش اجتياح الدبابات السوفياتية عاصمة تشيكوسلوفاكيا براغ في ربيع تمرّدها الغنائي على الرفاق السوفيات سنة 1968. واستعاد كونديرا مشاهد من ذاك الربيع في روايته الأشهر "خفّة الكائن التي لا تُحتمل". وهو قال مرّة إن الحياة في براغ كانت قابلة للاحتمال، بل من أجمل أيام حياته في حلقات كتّاب ومثقفي السرّ والانشقاق. رغم وطأة السلطان الشيوعي السوفياتي ورقابته الخانقة، قبل أن تجتاح دباباته براغ وربيعها ذاك.
ولدبابات الرفاق السوفيات تاريخها العريق في أوروبا كونديرا المخطوفة، كلما حاولت أيٌّ من عواصمها أن تتمرد على صمتها واختطافها. ففي سنة 1956 اجتاحت الدبابات السوفياتية بودابست عاصمة هنغاريا، وسحقت تمرّدها. وفي مطلع الثمانينات انتفض على الرفاق السوفيات اتحاد نقابات العمال البولندية (سوليدرنوسك= تضامن) في غدانسك، وعاصمة المعسكر السوفياتي وارسو. واستمرت تلك الانتفاضة العمّالية السلمية بقيادة ليش فاليسا، أكثر من سنة، وظلت ذيولها تعسُّ في بولندا، بعدما تمكّنت قوات حلف وارسو السوفياتية من حصارها وإخمادها جزئيًا وموقتًا.
أما حلقات تمرّد مثقفي أوكرانيا وعاصمتها كييف، وكتّابها المنشقين عن عقيدة الأخ الأكبر، فظلّت مجهولة أو مغمورة، على الرغم من اقتفاء مارينا هريميتش أثر أعلامها وإعادة إحيائها مأساتهم في روايتين. وربما من سخريات القدر والتاريخ ألاّ نتعرّف على أوكرانيا وتاريخها وثقافتها وجغرافيتها وحركات تمرّد مثقفيها وكتّابها، إلا بعدما اجتاحت دبابات روسيا البوتينية، ودمّرت مدنها وتعمل على حصار عاصمتها كييف. وها نكتشف اليوم متأخرين أولئك الذين كتب ماكسيم ريلسكي -وهو منهم- "أنهم كانوا أشباحًا يتسلّلون بين الناس بلا أثر".
وها الروائية الأوكرانية مارينا هريميتش تقيم بيننا في لبنان الذاوي، المظلم والمسلوب الإرادة، فيما بلدها يُدمَّر ويغرق في مأساة وطنية ودولية، بعدما نقل بوتين روسيا الحرب من أطراف العالم إلى قلبه ومركزه. وكانت هريميتش قبل مأساة بلدها قد كتبت رواية "أجنبية في سيارة حمراء" تناولت فيها حسب مترجمها إلى العربية عماد الدين رائف، "موزاييك الطوائف وتشعُّب العلاقات بين أشخاص من بلدها وآخرين من لبنان. وفي بؤرة الرواية (صدرت بالعربية عن "الدار العربية للعلوم") امرأة أوكرانية متزوّجة من لبناني، وتدور أحداثها في كييف وبيروت".
الأكرنة اللغوية والثقافية
وروى رائف بعضًا من حوادث إقامته في مدينة روستوف الروسية القريبة من الحدود الأوكرانية، في النصف الأول من التسعينات، عقب انهيار الاتحاد السوفياتي. فتحدّث عن رحلات في قطار موسكو الذي كان يمرُّ في دانتسك وخاركوف (خاركيف) في أوكرانيا. وكان هدفه مع مجموعة من طلاب لبنانيين وعربٍ في جامعة روستوف، الجلوس في مطعم القطار لتناول الطعام، في أيام القلّة وفقدان المواد الغذائية والجوع، والفوضى الأمنية والسياسية في الديار الروسية. وقطار باكو الذي كان يصل إلى خاركوف ليلًا، غالبًا ما كان محمّلًا بالأجبان النادرة في الأسواق.
ومن وقائع رحلات أولئك الطلاب إلى أوكرانيا، اكتشافهم المفاجئ أن الأوكرانيين يجهلون لغتهم ولا يتكلمونها، بل يتكلمون الروسية التي أرادوا العزوف عن الكلام بها، استجابة ليقظتهم الثقافية الوطنية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. لذا قامت المحطات التلفزيونية الأوكرانية التي كانت تبثّ حلقات من مسلسل تلفزيوني أميركي مدبلج باللغة الروسية، باستبدال الدبلجة بأخرى أوكرانية. فقامت قيامة الأوكرانيين لأنهم ما عادوا يفهمون شيئًا من لغة المسلسل في دبلجته الجديدة. وحدثت بلبلة في البيوت الأوكرانية، فيما كانت اللافتات والإشارات على الطرق والشوارع تتغير لغتها من الروسية إلى الأوكرانية، تحت شعار "الأكرنة اللغوية"، لتخليص اللغة الأوكرانية من لهجتين لغويتين تجعلها هجينة:
- السورجيك، ومعنى الكلمة الأصلية الخبز المصنوع من خليط أنواع مختلفة من القمح. واستُعملت للدلالة على لغة/لهجة مهجّنة من الروسية والأوكرانية.
- الترياسنكا، وهي لهجة/لغة تخلط الأوكرانية والبيلاروسية التي يثقل لفظها على اللسان.
وفي غمرة "الأكرنة اللغوية" نجح الأوكرانيون في استعادة لغتهم، وصناعة ثقافة أوكرانية وأدب أوكرانيّين جديدين، في سياق إنجاز هويتهم الثقافية الوطنية. واليوم يحترم الأوكرانيون لغتهم وثقافتهم وأدبهم، كعلامة على وطنيتهم. وإقامة مارينا هريميتش في لبنان منذ سنوات، حملتها على التعرُّف إلى ثقافة اللبنانيين ونمط عيشهم. وهذا ما أدى إلى إقامتها "الركن البيروتي" في أحد أهم معارض الكتب السنوية في كييف. واستضاف ذاك الركن عددًا من دور النشر اللبنانية وكتبها، كما دعت كتّابًا لبنانيين إلى المشاركة في نشاطات المعرض الثقافية.
لبنانيو أوكرانيا
وختم عماد الدين رائف شهادته هذه في حديثه عن أجيالٍ متعاقبة من اللبنانيين الذين تلقّوا تعليمهم الجامعي بمنحٍ طلاّبية من جامعات الاتحاد السوفياتي الكثيرة الموزّعة في أكثر من 50 مدينة من البلاد الروسية وفي أوروبا الشرقية والوسطى، ويبلغ عددها أكثر من 200 جامعة. وأكثر من نصف الطلاب اللبنانيين الذين تخرّجوا من تلك الجامعات، تخرّجوا من جامعات أوكرانيا: خاركوف، دانتسك، لوغانسك، ماريوبول، كييف، أوديسا، وعدد كبير منهم ظلوا مقيمين في تلك المدن وتزوّجوا أوكرانيات، بعدما أمضوا معظم أيام شبابهم وتجاربهم الحياتية وتفتّحهم الذهني والثقافي في تلك المدن والبلاد الفسيحة، المفتوحة والمترامية الأرجاء.
وهذا عقب مغادرتهم لبنان الحروب الأهلية، من بلداتٍ وقرى ومدن صغيرة مختنقة.
المصدر: المدن