أحداث ثقافية أخرى
مركز خيرالله يحتفي بالإرث الثقافي للعرب الأميركيين الأوائل
المدن
الجمعة 4 شباط 2022

هاجر ما يقارب مئة ألف عربي (معظمهم من لبنان وسوريا) إلى الولايات المتحدة الأميركية ما بين العامين 1880 و1940، اي مرحلة السيطرة العثمانية والانتداب الفرنسي. واعتُبر هؤلاء المهاجرون حينها جزءاً من حقبة الهجرة الكبرى التي جلبت معها الملايين من حول العالم إلى أميركا، التي كانت بحاجة آنذاك إلى اليد العاملة من أجل نمو اقتصادها. وفي المهجر، كأن العرب او اللبنانيين نقلوا جزءاً من ثقافتهم الى هناك بالتوازي مع اكتسابهم مهارات ومواهب جديدة لم تكن متوافرة في مسقط رأسهم. وبرزت على أثر ذلك أشكالٌ ونتاجاتٌ ثقافية جديدة وحيويّة، استطاعت التغيير في العرب الأميركيين وأميركا والشرق الأوسط. ومن أجل تسليط الضوء على الإنجازات الثقافية العربية الأميركية، واحتفاءً بالذكرى المئوية للجمعية الأدبية الأولى للعرب الأميركيين في الولايات المتحدة (الرابطة القلمية، 1920)، قام مركز خير الله لدراسات الانتشار اللبناني بتصميم ونشر معرض "العرب في أميركا"، للاحتفال بالإرث الثقافي للعرب الأميركيين الأوائل، ويعرض حياة وقصص بعض الموسيقيين والكتّاب والشعراء والفنانين والممثلين والصحافيين وإنجازاتهم ومساهماتهم في الحفاظ على هذا الإرث... هنا تعريف بالجانب البصري من المعرض، استناداً الى كتالوغه. 
 
في إطار ازدهار الحياة الثقافية في المهجر بداية القرن العشرين، شكّل الفنانون الهواة والمحترفون، والنقاد والمعارض الفنية، والتجار الذين استخدموا محلاتهم للإتجار بالقطع الفنية، محوراً ومركزاً إبداعياً متجدداً على امتداد أرجاء البلاد. وفي قلب النشاط الفني النابض هذا، وجدت الثقافة العربية الأميركية البصرية والحسيّة مكانها. فمن داخل الولايات المتحدة وخارجها، باتت الأعمال الفنانين وسيلةً لإنصهار واندماج تجربتهم في الشتات، وانعكاساً للعديد من التقاليد والأمكنة والأساليب التي ارتبطوا بها في وطنهم أو في ارتحالهم. 
 
ويُعتبر جبران من الروّاد العرب الأميركيين في الفن. وقد أدرك نبوغه وعبقريته الفنية هذه أساتذتُه والفنانون المحليون البارزون آنذاك، عندما كان في سن الثانية عشرة. لقد أقام جبران معرضه الفني الأول في مدينة بوسطن العام 1904، وعرض فيه رسوماً تخطيطية ولوحات مستوحاة من الواقعية. ثم سافر إلى باريس لدراسة الرسم بالزيت في أكاديمية جوليان في (1 تموز 1908) تحت رعاية ماري هاسكيل. وفي العام 1910، عرض جبران لوحته المشهورة "الخريف" (1910) في الجمعية الوطنية للفنون الجميلة، كما عرض العديد من لوحاته في الإتحاد الدولي للفنون الجميلة لاحقاً تلك السنة.
 
التحق جبران، أثناء وجوده في الخارج، بكلية الفنون وتمرّس في ورشة فنان الرمزية الفرنسي بيير مارسيل-بيرونو، وهو من تلاميذ غوستاف مورو. تبنّى جبران رفض بيرونو للواقعية بأسلوبه الرمزي، وفضلّ التعبير التجريدي المحض وذا الطابع الشخصي. كما تأثرت أعمال جبران بفنان الحقبة الرومانسية وليام بلايك، ورسام الرمزية ايوجين كاريير، والنحات الفرنسي أوغوست رودان، وكذلك الرسام الفرنسي بوفيس دو شافان، وذكر فيهم "كلٌ لديه ما يقوله، وكلٌ يقوله بأسلوب مختلف"...
 
ماري عزيز الخوري
 
كانت ماري عزيز الخوري، التي تُعرف أيضاً بـ"أم الزمرد"، مصممة مجوهرات عالمية ذائعة الصيت، وجامعةً للتحف الفنية وعضواً في مجلس إدارة متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، وكاتبة حرة مستقلة تقطن وتعمل في مانهاتن. لقد نالت تصاميم الخوري الجذابة والملفتة للأحجار، شهرةً واسعة، وظهرت في مجلات بارزة مثل فوغ، وذي نيويوركر، وذي كريستيان ساينس مونيتر، وهاربرز بازار وغيرها. وارتدت مجوهراتها سيدات مرموقات، بينهن راقصة الباليه دزيري لوبفسكا، وبورتشيا غرافتون، والممثلتان آليس برادي وماري ناش.
 
هاجرت ماري وعائلتها من جبل لبنان إلى الولايات المتحدة وهي في التاسعة من عمرها، ووصلوا إلى نيويورك في 8 حزيران 1891. والتحقت بثانوية (درو سميناري) في مدينة كارمل في نيويورك، ومن ثم بكلية واشنطن للسيدات الشابات في العاصمة واشنطن، وتخرجت فيها العام 1900. ويعتقد بعض الباحثين أن الخوري أول سيدة عربية أميركية تتخرج في كلية أميركية. وبعد ذلك بفترة قصيرة، بدأت ماري مشوارها في الكتابة الحرة المستقلة، ونشرت مقالات في جريدة "الهدى"، وأصبحت رئيسة لمجلة "المستحسن". وأشاد بها، وبصالوناتها الأدبية، أعضاء الرابطة القلمية وأثنوا على تشجيعها لمسيرة العديد من روّاد الرابطة وأعمالهم، وبخاصة أمين الريحاني وجبران خليل جبران.
 
في الثانية والعشرين من عمرها، عقب وفاة والدها، ورثت ماري الخوري عمل الأسرة في مجال المجوهرات، (المحل الصغير لـ ت. عزيز). وبعد توليها العمل، نقلت المحل من مدينة أتلانتك سيتي، في ولاية نيوجيرسي إلى فيفث افينو المحل رقم 561، ومن ثم إلى الجزء الأعلى من المدينة إلى بارك افينو.
 
لقد أثارت ماري عزيز الخوري ثورةً في عالم تصميم المجوهرات من خلال إضفاء طابع شخصي على الأحجار الكريمة. فكانت هي من يحدد خطوط الموضة في أطقم المجوهرات والقلائد والقطع الفردية التي تصممها لطالبيها، واستوحت الخوري تصاميمها المميزة من رحلاتها الشخصية إلى الخارج ومن أشكال ورق الشجر والأزهار، والقصائد الشعرية، والمناظر الريفية وكذلك اللوحات. فعلى سبيل المثال، ظهر إعلان في جريدة ذي نيويوركر لمِشبَك "رقيق وجميل" من تصميم الخوري على شكل فراشة مستوحى من الطبيعة، "مِشبَك على شكل جناحي فراشة يخفقان، مرصَّع بأحجار الأكوامارين (زبرجد) الهائلة، ويتخلله الألماس والبلاتين (الذهب الأبيض)". وازدادت لاحقاً الرغبة في اقتناء قطعها المرصَّعة بالأحجار، وذكر مقال في جريدة ذي نيويورك تايمز أعمال الخوري ومجوهراتها باعتبارها "موعد لقاء مع سيدات المجتمع في نيويورك اللواتي يرغبن بأفخم التصاميم".
 
توفيت ماري عزيز الخوري العام 1957 عن 74 عاماً، ووصفت بأنها "أكثر شخصية مفعمة بالحيوية والألوان عاشت في أي مجتمع".
 
أسعد غصن​
 
يعتبر أسعد ت. غصن من رسامي الصور الشخصية في أول القرن العشرين. هاجر غصن من سوريا الكبرى العام 1891 إلى إيطاليا لدراسة الرسم بالزيت في أكاديمية الفنون الجميلة في روما (Accademia di Belle Arti di Roma). وبعد هجرته إلى الولايات المتحدة العام 1904، فتح غصن ورشته الخاصة في بروكلين قبل الإنتقال إلى مدينة ريتشموند في ولاية فرجينيا، وتخصص في رسم الصور الشخصية بالزيت نقلاً من الطبيعة والصور الفوتوغرافية. وعلى مدى سنوات عمله، رسم غصن العديد من الشخصيات من ممثلي الولاية والشركات والكنائس والعائلات البارزة والعائلات العربية الأمريكية في المجتمع، الذين أسندوا إليه هذه المهام نظراً لمهارته في الرسم الواقعي وإبراز الهُويّة الشخصية. وعرض غصن العديد من لوحاته المستوحاة من المناظر الطبيعية والحياة الصامتة، ورسومات الصور الشخصية والمشاهد الشرقية في إيطاليا ومدينة نيويورك وفي معارض كوركوران في العاصمة واشنطن.
 
وبالإمكان رؤية تأثير إيطاليا في أعمال غصن الفنية، خصوصاً في ما يتعلق بمكونات اللوحة وعناصرها والأسلوب الفني فيها، لا سيما رسمه الصورة الشخصية لـ نعّوم مكرزل الذي يعكس وصفاً دقيقاً لملامح مؤسس جريدة الهدى. فقد راعى غصن في لوحته هذه الهُويّة الشخصية لمكرزل، وأدخل إشارات رمزية في إطار عرضه الصُّوري المميز، مثل جلوس مكرزل وراء مكتب بزيِّه الرسمي ممسكاً قلماً بيده وجريدة وبجانبه مجموعة من الكتب، وذلك لإبراز حياته العملية كمدير للجريدة ومساهماته الهامة الأخرى. هذا الأسلوب الفني كان شائعاً في لوحات غصن وأعماله الفنية. فكان يعمد إلى تجميل شخصياته وإضافة العديد من العناصر والمُركّبات مثل الملابس والمجوهرات والأدوات والزهور وغيرها لإظهار الجوانب المميزة في شخصياتهم.
 
يستعرض غصن في أعماله مواضيع مختلفة، مثل الرموز الدينية والروحانية والمحاور الزخرفية (الديكور) والعديد من المناظر الطبيعية حول العالم. إلّا أنه برع في رسم الأشخاص (عمل البورتريه) وإضافة كل ما يشبه ويبرز شخصيات من يرسمهم. وتُظهر المراسلات بأن غصن كان معروفاً بعمله "المتقن" ويُشار إليه كونه "فناناً حقيقياً" نظراً لاهتمامه بالتفاصيل وتنفيذه لها وقدرته على "الوصف الدقيق" وإضافة كل ما يبرز شخصيات زبائنه. إن مهارته في رسم الشخوص والتعابير بأسلوب واقعي، "قل نظيره لدى غيره من الفنانين" تضع غصن في مصاف أهم مؤرخي صور الحياة والعائلة والمجتمع، ومن أبرز الفنانين العرب الأميركيين في أوائل القرن العشرين.
 
​من بين لوحات غصن الزيتية، لوحة "سيدة لبنان" (1917)، وتعرض حالياً في كنيسة سيدة لبنان، في مدينة ويلينغ في ولاية ويست فرجينيا. ومن أعماله أيضا مُلصق جداري لـ فكتوري ليبيرتي لونز (قروض نصر الحرية) المعروض في الإنترنت ضمن مجموعة جامعة برنستون للملصقات الجدارية في المتحف الوطني للتاريخ الأميركي. أما باقي أعماله فهي تقيم ضمن ممتلكاته الشخصية.
 
نقولا سليم مقصود
 
نقولا سليم مقصود (ولد في 7 آذار 1884، وتوفي في تموز 1972 زحلة، لبنان)، رسام بارز آخر أسس لنفسه مساراً مهنياً وفنياً في بروكلين. هاجر إلى نيويورك العام 1899، ودرس الفن في الأكاديمية الوطنية للتصميم هناك، واشتُهر برسم المناظر الطبيعية وبمهارته في المنمنمات الصغيرة. وشغل مقصود على مدى سنوات عمله مناصب عديدة، منها أمين خزنة في جمعية بروكلين للفنانين، ورئيس جمعية بروكلين للرسومات والمنمنمات الصغيرة، ومن ثَمّ انتخب عضواً في نادي سالماغوندي للفن.
 
برز اسم مقصود كفنان مميز واكتسب شهرة ملحوظة في المعرض العثماني الذي أقيم ضمن معرض باناما والمحيط الهادئ في سان فرانسيسكو العام 1914، والذي سلط الضوء على أعماله. فقد عُرضت له 18 عملاً فنياً ما بين الرسم بالزيت والألوان المائية والصور والمنمنمات الصغيرة، استعرض فيها مقصود جوانب من الحياة اليومية في تركيا العثمانية وسوريا. وفي العام 1917 انضم مقصود إلى جمعية بروكلين للفنانين التي الناشئة حديثاً وقتذاك وعمل فيها بصفة أمين خزنة، وكان هدف الجمعية عرض الأعمال الفنية للرسامين الصاعدين في بروكلين، وتقديم المساعدات الخيرية إلى المجتمع. وأول المعارض التي أقامتها الجمعية كان لجمع التبرعات لصالح جمعية الصليب الأحمر في بروكلين. وفي العام 1919، صمم مقصود ميدالية تكريماً لوالدته، وأطلق عليها اسم (ميدالية مقصود) وكانت تُمنح للفنانين البارزين في المجتمع. كما أنه شغل أيضاً منصب رئيس جمعية بروكلين للرسوم والمنمنمات الصغيرة.
من أبرز أعمال مقصود "لقاء العلماء" (1918)، و"الرجل العجوز يقرأ"، و"صلاة وقت غروب الشمس" (1930)، "وقراءة القرآن"، و"الحمّال العربي"، و"العاصفة الترابية"، و"التأمل"، و"مشهد من شارع في القاهرة".
 
إيما أ. معلوف
 
لا يوجد في الأرشيف، الكثير حول حياتها الشخصية، إلّا أن براعة إيما معلوف كمصممة أزياء كانت باديةً في العديد من مجلات المرأة والصحف السبّاقة. ولدت معلوف في زحلة، في لبنان، العام 1892 لعائلة متعلمة ومثقفة من الطبقة الوسطى، وهاجرت مع أسرتها إلى نيويورك العام 1894. ومن بين أخوانها إسكندر معلوف، الموسيقي وقائد الأوركسترا المشهور. وبحسب ما هو مدوّن في سجلات الهجرة، فإن حنّة، والدة إيما، كانت تساعد أسرتها في لقمة العيش من خلال عمل "المطرزات والمخرّمات الأنيقة". وهكذا بات انخراط إيما معلوف في الصناعة وتوفر رأس المال اللازم لبدء العمل، من الأسباب التي ساعدتها على دخول عالم الأزياء وبراعتها فيه.
 
وبحلول العام 1922 كانت إيما معلوف تمتلك متجرها الخاص، المتخصص بملابس نوم السيدات، والواقع في شارع ماديسون وسط مانهاتن. كانت تضم نيويورك في تلك الفترة مصانع للنسيج، وعملت العديد من السيدات السوريات واللبنانيات في هذه المصانع، فالمرجح أن معلوف اعتمدت على هذه القوة العاملة في إنتاج تصاميمها وأعمالها. وفي العام 1925 نشرت مجلة "وومنز وير ديلي" وصفاً لمحل معلوف حيث يوجد إطار مشغول من الحديد فوق الباب، وهو ما ذكّر الزبائن بـ"الأيام الخوالي" عندما كانت المحلات تستخدم أبواباً مشابهة "على مدخل محلات المطرزات للسيدات في سوريا، البلد السابق للآنسة معلوف". علماً أن الصورة الإستشراقية بارزة في هذا الوصف، هذا ما استغلته معلوف، حيث استخدمت شكل محلها الذي بدا كمحل في سوريا للترويج وبيع بضاعتها وتصاميمها. وفي العام 1930، حولت إيما معلوف عملها ومحلها إلى شركة مساهمة، مما سمح لها بالتوسع فيما بعد. ففي العام نفسه، نقلت إيما معلوف محلها القديم بضع أبنية إلى 485 شارع ماديسون حيث شغلت مساحة تقدر بـ400 متر مربع.
 
ومع ابتعاد أزياء السيدات عن الطراز المحافظ والرسمي الذي كانت عليه خلال سنوات 190 و1910، وتحوّلها إلى تصاميم خفيفة وأكثر بساطة وراحة في العشرينيات والثلاثينات من القرن الماضي، اكتسبت ملابس نوم السيدات شهرةً أكبر. واستفادت معلوف من هذه الطفرة في التصميم والأزياء، وصممت أزياءً مريحة وراقية من الحرير والدانتيل وقماش الكريب القادم من الصين. وطوال سنوات إنتاجها، ظهرت تصاميم الخوري وأعمالها في مجلات مثل "فوغ"، و"ذي نيويوركر"، و"هاربرز بازار"، بالإضافة إلى ظهورها في إعلان لجنرال الكتريك عن مُشّغل الفونوغراف. وقورنت تصاميمها وأزياؤها مع المصممة الإيطالية السا سكيباريلي، وهي إحدى المصممات المعاصرات لكوكو شانيل. واليوم يحوي متحف المتروبوليتان إحدى تصاميم معلوف المصنوعة من الحرير.
 
​وفي مقابلة معها العام 1940 إحتفالاً بالسنة 18 لتأسيس محلها، ذكرت معلوف "إن المصممين الأميركيين لملابس النوم الخاصة يمتلكون قدرات إبداعية لا تقل عن أولئك الفرنسيين، إذا ما أبدى المستهلك الأميركي قبوله للصناعة اليدوية المحلية"، وهذا أثبت مدى ارتباطها وإخلاصها لعملها في صنع أزياء عالية الجودة. وفي نهاية الحرب العالمية الثانية، صممت معلوف خطاً آخر أسمته "مرحبا بعودتكم"، وهي معاطف "ترتديها كل زوجة من أجل زوجها العائد (من الحرب)". وذكرت مقالة في ذي نيويوركر العام 1957 أن معلوف وتصاميمها كانت من المحلات القليلة التي لا تزال تبيع "ملابس النوم المصنوعة يدوياً".
 
أمين الريحاني 
 
لا يعتبر أمين الريحاني الأميركي من أصل لبناني، مفكراً وكاتباً وخطيباً لامعاً فحسب، بل كان رساماً تخطيطياً وناقداً فنياً معروفاً أيضاً. كان الريحاني محاطاً بفنانين من أرجاء العالم، كونه عضواً في الأندية والمجتمعات الأدبية في نيويورك، وربما هذا ما أغنى ميول الريحاني الفنية وسعيه لتطويرها. وفي العام 1915 التقى الريحاني ببيرثا كيس، وهي فنانة أميركية أصبحت زوجة الريحاني فيما بعد، تعرف أمين من خلالها على مدى تأثير وقوة الفن الأوروبي لفنانين مثل هنري ماتيس وبابلو بيكاسو وبول سيزان.
 
داوم الريحاني على الرسوم التخطيطية للشخوص والكاريكاتيرات من العام 1896 حتى 1940. وفي البداية استلهم الريحاني شخوصه وكاريكاتيراته من روايات شكسبير مثل ليدي ماكبث وهاملت، حتى أن شكسبير نفسه تجلّى حبراً على ورق الريحاني. وتعد سنوات 1910 وكذلك العشرينيات من القرن الماضي، من أغزر سنوات الريحاني إنتاجاً وإنجازاً، فقد انتقل فيها إلى رسم الصور التخطيطية للشخوص فقط، مستخدماً الحبر والرصاص، وكانت غالبيتها لنساء عاريات أوروبيات أو أميركيات من أصل أوروبي، ورجال عرب.
 
وبعد زواجه من بيرثا كيس العام 1916 إرتاد الريحاني معارض فنية في نيويورك وباريس ولندن. وفي 1918 بدأ في كتابة المقالات في ذي "انترناشنال ستوديو" و"ذي برنت كونواسور"، وهما مجلتان مقرهما في الولايات المتحدة تعرضان الأعمال الفنية الأميركية والأوروبية، وتنشران المقالات حول الفنانين والمدارس الفنية الجديدة وأساليب الرسم الحديثة.
 
عيسى الحلو 
 
كان عيسى الحلو (1892-1935) رساماً واعداً، هاجر وعائلته من طرابلس، إلى الولايات المتحدة العام 1899. وصلت العائلة في البداية إلى لاتروب في ولاية بنسلفانيا، إلاّ أن الحلو وعائلته استقروا لاحقاً في شرق ألتونا، في بنسلفانيا، والتحق هو لاحقاً بالمدارس الحكومية وتخرج في الثانوية العامة العام 1916. وبعد تخرجه، عمل الحلو لوقت قصير كبائع سجاد، كما كان والده، ومن ثم تحوّل إلى بيع وشراء الأعمال الفنية. وفي 28 تموز 1918، اُرسل الحلو إلى قاعدة جاكسون العسكرية من أجل التدريب الأساسي في مدينة كولومبيا في ولاية كارولينا الجنوبية، حيث عمل رساماً في قسم التمويه. وبعد انتهاء خدمته العسكرية لاحقاً تلك السنة انتقل الحلو إلى فيلادلفيا، وفي بداية العشرينات من القرن الماضي وجد طريقه إلى نيويورك حيث درس الفن.
 
في جملة نقده للحلو، ذكر الريحاني أن الحلو لم يلتحق بمدرسة فنية رسمية. وتابع أن الحلو تعلّم الرسم من فناني نيويورك البارزين مثل آلدن وير، وكلايد هاسم، وبول دوتري، وماكس بوهم. ويعرف هؤلاء بـالفنانون الأميركيون العشرة، وهم مجموعة من الرسامين الإنطباعيين انفصلت عن جمعية الفنانين الأميركيين العام 1898، والتي بدورها كانت قد انفصلت عن الأكاديمية الوطنية للتصميم العام 1877، إحتجاجاً على السلوك المحافظ وموقفهم من الأساليب الفنية غير التقليدية. تأثر الحلو بشكل كبير بهؤلاء الفنانين، حتى غلبت على رسومه ولوحاته الخصائص والعناصر الإنطباعية مثل التلاعب بالضوء وأشكاله، وبعث وإثارة الحركة في موضوع ساكن. حتى أن أحد النقاد قارن أسلوب الحلو الفني بكلود مونييه، أحد أشهر فناني الإنطباعية في فرنسا.
 
وخلال عشرينيات القرن الماضي، احتفظ الحلو برسائل خطية من أمين الريحاني، حيث تبادلا الآراء وتناقشا حول الأساليب الفنية والتأثيرات والمقالات النقدية. وقد دعا الحلو الريحاني إلى زيارة معرضه في بيت لحم (بيثلاهيم) في ولاية بنسلفانيا وآخر في ديترويت في ولاية ميتشيغن. وفي رسالة إلى الريحاني بتاريخ 12 كانون الأول 1920، أعرب الحلو عن تخوفه من الإشارة إليه كـ فنان شرقي "فأنا كفنان ورسام أرغب كثيراً في أن يُنظر إلى أعمالي الفنية على أنها مساهمة فنية أميركية… أنا أتمنى… أن يظهر انتمائي الأميركي في أعمالي لكن مع عدم تجاهل أثري وأصولي الشرقية".
 
أنتج الحلو معظم أعماله الفنية المعروفة في عشرينيات القرن الماضي، وأقام معارض لها في شيكاغو وفي ديترويت، وفي بيثلايهم في بنسلفانيا. ونشر الريحاني في العام 1928 مقالاً نقدياً حول أعمال الحلو في ذي سيريان وورلد، جاء فيه "تعكس أعمال عيسى الحلو حالةً من التأمل والجاذبية الشعرية…  فيظهر مدلوله اللوني الثري ويخفت، ويُبرز أحياناً حساً بسيطاً من المزج والتصميم". وفي 9 أيلول 1929، ذكر مقال نقدي آخر حول إحدى أعمال الحلو الفنية الموجودة في فندق وايت سوان في يونيون تاون في بنسلفانيا، "لا تُصنف أعمال الحلو الفنية بانتمائها إلى أي مدرسة، فهي تجسيد للفن الإبداعي في أرقى صوره، فريدة ولا تخضع للقوانين أو المبادئ أو الأساليب والتوجهات الفنية العصرية". بعض من أعمال الحلو: "منظر طبيعي مع المحيط" (1922)، و"الحارس المسلح"، و"البركة المقمرة" (1930). توفي الحلو في أيار 1935.
 
الفنانات العربيات الأميركيات 
 
 
تكشف مجموعات المهجر اليوم، الإغفال والإستبعاد المتواصل للفن النِسوّي في صفحات الأرشيف، وتسلّط الضوء على حالات التهميش التي يتعرضن لها في عالم الفن. ففي الوقت الذي شكلتا فيه ماري عزيز الخوري وإيما أ. معلوف استثناءً، إلا أن المقالات في الصحف والمجلات لم تقدم لنا سوى النزر اليسير عن المساهمات التي قدمتها الفنانات الأميركيات من أصل عربي. فعلى سبيل المثال، الفنانة ر. د. زمّر من ولاية ميسوري، سافرت مع منظمة الصليب الأحمر الأميركي في أرجاء البلاد متحدثةً عن عملها الإنساني، وباعت أعمالها الفنية في (الكز لودجز) لجمع التبرعات للمنظمة. وبالمقارنة، فقد تمّ الإحتفاء بالفنانة اميليا جونز التي اختيرت لتصميم الملصق الجداري للفيلم المصري "وداد" (1936) من أجل الترويج له في أميركا (1938) في مدينتها والكس-بار في ولاية بنسلفانيا، إلاّ أنها تغيبت عن مجموع الأعمال المعاصرة.
 
على سبيل المثال أيضاً، فقد سافرت الفنانة ر. د. زمّر من ولاية ميسوري مع منظمة الصليب الأحمر الأميركي في أرجاء البلاد تتحدث عن مساهماتها الإنسانية، وباعت أعمالها الفنية في (الكز لودجز) لجمع التبرعات من أجل المنظمة. التحقت زمّر بأكاديمية القديس فنسنت للفنون في فرنسا ودرست فيها خمس سنوات، وتخصصت في العديد من الفنون مثل الأقمشة المخرّمة، وتلوين المنمنمات الصغيرة من العاج، واللوحات الزيتية. أما اوديت برصة، التي تعتبر أول من بدأ تصميم ملابس نوم السيدات في منهاتن، فقد باتت مصممة معروفة لملابس السيدات إلى جانب معاصرتها إيما معلوف، بعدما بدأ مصنع زوجها المختص في صناعة النسيج يتكبد الخسائر في فترة الكساد العظيم. وبالمقارنة، فقد تم الإحتفاء بالفنانة اميليا جونز، التي اختيرت لتصميم الملصق الجداري للفيلم المصري "وداد" (1936) ضمن الحملة الترويجية له في أميركا عام ١٩٣٨، وبموهبتها الفنية في مدينتها ويلكس-باري في ولاية بنسلفانيا، إلّا أنها تغيبت عن مجموع الأعمال المعاصرة.
 
يشير العدد القليل للفنانات العربيات الأميركيات، وأعمالهن غير الموجودة أو المفقودة، إلى التركيز والقيمة الفنية التي وضعتها الدراسات التاريخية على عبقرية الرجال الفنية. وهذا يؤكد أسباب إغفال الفن الذي قدمته السيدات، ويسلط الضوء على الصمت الحاصل تجاه العديد من الفنانات العربيات الأميركيات الأُوّل.
 
النقد الفني 
 
كان أمين الريحاني أحد أهم الأقلام الناقدة للفن العربي الأميركي. فبالإضافة إلى الأدب، كتب الريحاني الكثير عن الفنانين والأساليب الفنية المختلفة والأعمال الفنية حول العالم. نُشرت مقالاته النقدية في "ذي سيريان وولرد" والمجلات المختصة بالفن مثل "ذي انترناشونال ستوديو" و"ذي برنت كونواسور" من 1910 إلى 1930. ومن ضمن الفنانين الذين كتب عنهم بول داوتري (1877-1947) وادوارد آدم كريمر (1866-1941) وفردريك غاريسون هول (1879-1946) وويليام اوبرهاردت (1882-1958) واندرز زورن (1860-1920) وويليام سيمونز (1884-1948) وجوناز لي (1880-1940) وايسو هالو (1892-1935). 
 
على الرغم من أن نقد الريحاني شمل الفنانين العالميين، وتطوُّر الأساليب الفنية، إلّا أن مقالاته قدمت للقارئ باللغة الإنكليزية أيضا مواضيع أخرى مثل الشرقية أو الإستشراق. بعض من هذه المقالات: "الإستشراق والديكور في الباليه الروسي" و"السوري في الفن الأميركي" (1930) و"الغزو الشرقي للمسرح الأميركي".
 
لخص الريحاني عام 1930 آراءه حول تأثير عالمية الفنانين في مقاله "السوري في الفن الأميركي": "إن الفن المحلي، رغم تميّزه في الحيوية والأسلوب، لا يعتبر بعيداً عن التأثير العالمي، وعندما يتطور هذا الفن من خلال الإنسجام والإندماج مع العناصر الجديدة، يبدأ باكتساب مظهر وأسلوب جديدَين. وبمعنى آخر، فالروح المحلية تمنح الفن صوتاً، والروح العالمية تعطيه أجنحة. لكنه لا يفقد هُويّته عندما يصل إلى العالمية. بل على العكس، فإن شخصيته الجديدة، كما هو الحال في أسس التصميم، واللحن الخافت في الإنشاد، وتوزيع الألوان في الرسم، تصبح بالتمازج والإندماج أكثر تميزاً وتأثيراً".
 
أماكن العرض
 
 
يعد القرن العشرين فترة إنتقالية للفنانين العرب الأميركيين الذين تركوا خلفهم مناظر طبيعية نابضة بالحياة من أجل الهجرة إلى الولايات المتحدة. ورغبةً منهم في إثبات فنهم الحقيقي وقيمته الفنية، لجأ هؤلاء الفنانون إلى مجتمعاتهم الجديدة من أجل دعمهم في عرض أعمالهم الفنية والترويج لها. واستجابة لهم، فتحت المطاعم والفنادق ومتاجر الأزياء والدكاكين والمحلات والمعارض الصغيرة في المدن أبوابها ونوافذ عرضها وجدرانها لعرض الأعمال الفنية للعامة. فعلى سبيل المثال، عرض الفنان الياس حواط المقيم في بروكلين لوحته الزيتية الشهيرة لمغنية سوبرانو الأوبرا السورية م. كلزوم في (المطعم اللبناني) في شارع واشنطن في منطقة "سوريا الصغيرة" في مانهاتن. وأيضا ج. شبير شادي، الذي عرض لوحته المستوحاة من الرومان، في نوافذ متجر الأزياء (ف. هـ. روجرز) في باري في فيرمونت، حيث "أسَر وجودها في نافذة العرض اهتمام المارة".
 
وقبل أن تبلغ أسماؤهم سماء الشهرة، عرض جبران خليل جبران وعيسى الحلو ونيكولاس مقصود أيضا أعمالهم في معارض صغيرة وفنادق وورش عمل لفنانين آخرين قبل أن يدخلوا إلى صالات العرض الكبرى. مثلا، عرضت لوحات عيسى الحلو أولاً في صالة عرض في فندق بلاكهوك في دافنبورت في ولاية إلينوي. واعتمد جبران في بداياته أيضا على شبكة من الفنانين في بوسطن لعرض أعماله والترويج لها. ففي سن الـ21 أقام جبران معرضاً كاملاً مع ثلاثة فنانين آخرين في أستوديو تصوير (فريد هولاند داي) في بوسطن، ووصفت الصحف المحلية أعماله الفنية الأولى حينها بـ"الفظاظة في فن الرسم"، لكنها أيضا أقرّت بمهارته ومدى تقارب أعماله مع "ويليام بليك في الرمزية والروحية".