البحث عن مدينة فرعونية مفقودة...بُنيت للنبي موسى بموافقة عبدالناصر
المدن
الأربعاء 2 شباط 2022
كتب الصحافيان محمد الشماع وعبدالمجيد عبدالعزيز تحقيقاً شيقاً بعنوان "البحث عن مدينة فرعونية مفقودة" في موقع "عرب لايت". والمدينة بُنيت لتصوير فيلم "الوصايا العشر" من إخراج الهوليوودي سيسيل دي ميل بالألوان، وبأحدث المؤثرات البصرية المتاحة حينها، وفي الأرض الحقيقية التي شهدت أحداث قصة النبي موسى وخروجه من مصر قبل آلاف السنين. وقد استدعى ذلك بناء مدينة مصرية جديدة على الطراز الفرعوني، لكنها أكثر إتقاناً وضخامة، ثم تركَها النخرج ورحل بعد انتهاء التصوير، لينساها الجميع وتختفي المعلومات عن مصيرها. في التحقيق عن المدينة شيء من الإثارة والتشويق وحكاية المفقود. وعدا عن البحث عن المدينة السينمائية الضائعة، ومن خلال السرد، يتبين لنا الجهد الذي كان يبذل لتصوير فيلم مستوحى من أبوكاليبس التوراة وكتب أخرى... كانت بعض الأفلام أقرب إلى ثورة بحد ذاتها، قبل أن تتطور وسائل التكنولوجيا والبصريات والديجتال ونتفليكس. والمفارقة أن الفيلم صوّر في أرض مصر ومنع من العرض في مصر في الزمن الناصري الذي سمح بتصويره... نختصر جوانب من التحقيق هنا:
بدأت القصة بعجوز ثمانيني، قرر السفر جواً مسافة 10 آلاف كيلومترات من هوليوود إلى القاهرة، لمقابلة اللواء محمد نجيب باعتباره حاكم مصر في ذلك الوقت، طالباً السماح له بتصوير آخِر وأهم أفلامه الملحمية بالقرب من أهرامات الجيزة، عن النبي موسى وقومه وخروجهم من مصر. لكن بدلاً من مقابلة نجيب، فوجئ الرجل بنفسه داخل سيارة انطلقت به سريعاً صوب خيمة نصبت في الصحراء على أطراف المدينة، ليجد في انتظاره شاباً في زي عسكري، طويل القامة، ذا كاريزما طاغية، ويتحدث الإنكليزية كأهلها، إنه البكباشي جمال عبدالناصر!
يقول الصحافيان أن القصة التي نحن بصدد روايتها في السطور التالية، هي إحدى الجواهر النادرة القابعة في قلب تلك الخبيئة؛ لما تحمله من إثارة ودهشة.
وقعت أحداث تلك القصة على مدار ما يقرب من قرن من الزمان، وهي عن مدينة فرعونية بُنيت في القرن العشرين! بناها المخرج سيسيل بي دي ميل في موضع ما في صحراء مصر الغربية، ثم تركها ورحل، لتذهب طي النسيان. قصة المدينة المفقودة تبدو أشبه بفيلم أو رواية... ففي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، كان بيتر بروسنان يدرس السينما في جامعة نيويورك، عندما سمع للمرة الأولى من صديق له، عن قصة بدت مجنونة لدرجة يصعب تصديقها. قصة ستحتل حيزًا كبيرًا من حياته يمتد لأكثر من 30 عامًا! فقد أخبره صديقه أنه في مكان ما على طول الساحل الأوسط الوعر لولاية كاليفورنيا الأميركية، وتحت أفدنة من الكثبان الرملية؛ تقبع بقايا مدينة مفقودة لم يعد أحد يتذكرها.
ظن بروسنان في البداية أنه لو صحت تلك المعلومات، فقد تكون تلك مدينة أثرية ترجع إلى أحد الشعوب التي عاشت قبل آلاف السنين في الأميركيتين، إلا أن صديقه أربكه عندما قال إن تلك البقايا تتضمن معبدًا مصريًّا ضخمًا، والعشرات من تماثيل «أبو الهول»، وثمانية أسود عملاقة، بخلاف أربعة تماثيل للملك المصري «رمسيس الثاني» يبلغ وزنها 40 طنًّا! مؤكدًا أنها دفنت جميعها في الرمال على بُعد 15 ميلًا تقريبًا شمالي لوس أنجليس!
لكن كيف عبرت تلك الآثار المصرية قارة أفريقيا بأكملها وطارت فوق المحيط الأطلسي وقطعت أميركا من شرقها إلى غربها حتى استقرت في صحراء كاليفورنيا؟ إنها قصة تعود إلى العام 1923. في العام 1922، كان المخرج الأميركي سيسيل دي ميل واحدًا من نجوم هوليوود، وكانت نشاطاته السينمائية الأولى هي البذرة التي وضعت أسس مدينة السينما في العالم. بحلول ذلك العام، كان دي ميل، رغم شهرته، يعاني سلسلة إخفاقات سينمائية، وكان يبحث عن تجربة جديدة تردّ إليه اعتباره في عالم السينما الصامتة، حتى وجد ضالته في قصة «الوصايا العشر» التي تتناول فترة إقامة بني إسرائيل في مصر وخروجهم منها مع النبي موسى ومطاردة فرعون لهم، لكن من المنظور التوراتي.
اتفق دي ميل مع شركة «بارامونت» على إنتاج الفيلم، ورُصدت موازنة ضخمة له؛ ورأى دي ميل أن الفيلم يحتاج إلى مجموعة كبيرة من المؤثرات الخاصة، ووجد أن تصميم مدينة مصرية كاملة هو الطريقة الوحيدة لنقل المُشاهد بصريًّا إلى سيناء في زمن النبي موسى. وبعد دراسة وبحث، استقر دي ميل على إقامة تلك المدينة في كاليفورنيا؛ إذ كان التصوير فيها أكثر ملاءمةً من مصر التي كان التصوير بها بمنزلة مغامرة لوجستية غير محسوبة، حسب قول دي ميل في مذكراته.
كانت الصحراء التي اختارها ديميل للتصوير، تقع في منطقة شبه منعزلة، ولم تكن هناك قرى قريبة منها، فقد كانت الكثبان الرملية التي تبلغ مساحتها 22 ألف فدان، قد فصلت بلدة غوادالوبي الزراعية الصغيرة عن المحيط الهادئ، عبر تلال من الرمال القاسية والمقفرة. ورغم ذلك، كانت الصحراء الملاصقة لغوادالوبي مكانًا مثاليًّا بالنسبة إلى دي ميل.
عندما بدأ المخرج الاستعداد للتصوير، وجد أن تكاليف الإنتاج تزداد بوتيرة مقلقة، وعندما وصل إلى غوادالوبي لبدء التصوير، كانت نفقات ما قبل التصوير تقترب من 700 ألف دولار. غالبية هذه التكاليف أُنفقت على ديكورات المدينة المصرية التي سعى دي ميل إلى بنائها؛ حيث استخدم مئات الأطنان من التماثيل والخرسانة. أما حجم المشاركين في الفيلم، فقد كان خياليًّا أيضًا؛ حيث احتاج دي ميل إلى أكثر من 1500 نجَّار لبناء الديكورات وحدها، بخلاف 3500 آخرين بين عمال وممثلين، أقاموا جميعًا في مجموعة من الخيام غطت مساحة 24 ميلًا مربعًا وسط الكثبان الرملية، حتى إن البعض أطلق على موقع تلك الخيم اسم "مدينة دي ميل"!
وبسبب هذه التكاليف التي لم تكن تتوقف أثناء التصوير، أرسل أدولف زكور مؤسس شركة «بارامونت» المنتجة للفيلم، خطابًا إلى دي ميل يقول له نصًّا: «لقد فقدت عقلك. أوقف التصوير وعد إلى لوس أنجليس في الحال»، لكن دي ميل رفض إيقاف التصوير، وقرر الحصول على قرض شخصي لتوفير الأموال اللازمة لاستكمال الفيلم، كما تنازل عن نسبته من أرباح الفيلم حتى يضمن استمرار الإنتاج.
نتيجة تلك الضغوط، أجرى دي ميل التصوير بوتيرة متسارعة جدًّا، وأنجزه خلال 3 أسابيع فقط، لكن مع انتهاء التصوير، لاحت في الأفق مشكلة جديدة؛ فوفقًا لاتفاق مسبق مع مالكي الأرض التي جرى عليها التصوير، كان لا بد من تفكيك ديكورات الفيلم الضخمة قبل المغادرة، وهو ما كان يعني تكاليف إضافية على التكاليف الأساسية التي كانت قد تضخَّمت بالفعل ووصلت إلى 1.4 مليون دولار، وهو ما يفوق تكاليف أي فيلم آخر تم إنتاجه في هوليوود حتى ذلك التاريخ. فكر دي ميل في التخلي عن الديكورات وعدم تفكيكها بحسب الاتفاق، ولو كلفه ذلك بعض الغرامات البسيطة، لكنه كان قلقًا بشأن أمر آخر، وهو أن يأتي مخرجون آخرون من استديوهات منافسة ويقوموا بالتصوير في غوادالوبي مستخدمين ديكوراته لإنتاج أفلام تاريخية بتكلفة رخيصة، وهو ما لم يكن يقبله دي ميل أبدًا.
في النهاية، اتخذ سيسيل دي ميل قرارًا غير متوقع؛ فبدلًا من أن يدفع للعمال حتى يقوموا بتفكيك الديكورات؛ لجأ إلى طريقة أسرع وأرخص، وهي أن يلف المدينة بالديناميت ويفجرها، فيما تقول بعض الآراء إنه أمر الجرافات بعد ذلك بوضع الرمال فوق الأنقاض المتناثرة وغادر المدينة سريعًا.
لم يصدق بروسنان هذه القصة عندما سمعها من صديقه، لم يكن يؤمن أن الديكورات التي شكَّلت تلك المدينة المصرية الاستثنائية يمكن أن تكون قابعة بالفعل تحت رمال كاليفورنيا، حتى سعى صديقه إلى إثبات صدق ما يقول، مؤكدًا أنه يحمل دليلًا هو بمنزلة مفتاح لهذا السر خبأه دي ميل في مذكراته.
فقد أشار صديق بروسنان إلى سطر موجود في مذكرات «سيسيل دي ميل» التي نُشرت بعد وفاته في 1959 يقول فيه: «إذا حدث بعد 1000 عام من الآن، وحفر علماء الآثار تحت رمال غوادالوبي، آمل ألا يندفعوا ويظنوا أن الحضارة المصرية قد امتدت على طول ساحل المحيط الهادئ". غيَّرت هذه الجملة البسيطة من قناعات بروسنان الذي أصبح مفتونًا بفكرة العثور على تلك المدينة التي شكَّلت جزءًا منسيًّا من تاريخ هوليوود، ثم إعادة إحيائها والحفاظ عليها.
في صيف 1982، تخرج بروسنان في مدرسة السينما، وكان حتى ذلك الوقت يكسب لقمة عيشه كصحافي مستقل، وكان أول عمل فني قرر البدء به بعد التخرج، هو إنتاج فيلم وثائقي يسجل عملية بحثه عن "مدينة دي ميل المفقودة". بعدها بعام، سافر بروسنان وصديقه عبر الولايات المتحدة، من مدينة نيويورك إلى امتداد الساحل بالقرب من سانتا باربرا، ليَرَيَا الأنقاض بنفسَيْهما. بحث عن أدلة تساعده في العثور على الديكورات.. اتصل بروسنان بقاعدة عسكرية جوية كانت تقيم على جزء كبير من الساحل، يستفسر عما إذا كانوا يعلمون شيئًا عن هذه المدينة، فجاءه الرد بالنفي. وبعدما كاد اليأس يتملكه، صادف بروسنان مزارعًا مسنًّا التقاه في حانة محلية، اعتاد أن يرعى ماشيته عبر الكثبان الرملية لعقود، حكى له قصته، ففاجأه المزارع بأنه يمر على هذا الموقع الذي يبحث عنه بروسنان منذ سنوات، بشكل روتيني هو وماشيته!
على الفور، وفي صباح بارد ومظلم، وبعد عاصفة رملية وحشية أعادت ترتيب تضاريس الكثبان الرملية، صعد بروسنان والمزارع على قمم ارتفاعها مئة قدم، ثم سارا مسافة ميل نحو الأمواج المتدفقة في المحيط الهادئ، وفي نهاية المطاف، عثرا على منطقة يُطلِق عليها السكان المحليون «الكثبان الرملية التي لا تتحرك»!، ليكتشف أنه يقف فوق القبر الضخم الذي حوى ديكورات فيلم «الوصايا العشر» التي بناها سيسيل دي ميل، وكان الدليل على ذلك هو عثوره على قطعة من تمثال جصي. احتل هذا الاكتشاف عناوين الصحف في أنحاء العالم، وتلقى بروسنان مكالمات من صحيفة «نيويورك تايمز»، وغيرها من الصحف؛ حيث بدت فكرة إنتاج الفيلم الوثائقي التي كانت مجرد حلم قبل بضعة أشهر، فكرة واعدة الآن أمام بروسنان، وبدا أنه قادر على إنجازها خلال أسابيع، لكنه لم يكن يعلم أن فيلمه سيستغرق قرابة 33 عامًا حتى يصبح جاهزًا للعرض! سريعًا، وجد بروسنان متطوعين من علماء آثار محليين، عرضوا جهودهم للمساعدة في أعمال التنقيب، فيما أعربت إحدى دور المزادات الشهيرة عن رغبتها في شراء بعض القطع بمجرد الانتهاء من أعمال الحفر، بدأ بروسنان أعمال التنقيب، بالتزامن مع تصوير الفيلم الوثائقي، لكنه واجه دائمًا مشكلتين: التمويل والتصاريح.
فعندما صار لديه المال اللازم لبدء أعمال التنقيب، لم تسمح له المقاطعة بلمس المنطقة التي كانت تعتبر محمية بيئية. وبحلول الوقت الذي حصل فيه على تصريح بالتنقيب، بعد سبع سنوات كاملة، كان التمويل قد نفد! وفي العام 1990، وافقت بعض المنظمات، منها بعض دور المزادات، ومؤسسة DeMille Family Trust على تمويل المشروع جزئيًّا، فتمكن بروسنان، بمشاركة علماء الآثار، من استخدام رادار لاختراق الأرض وإظهار أن الكثير من قطع الديكورات لا تزال سليمة.
لمدة 15 عامًا تالية، بقيت الأنقاض بلا إزعاج.. كلَّ بضع سنوات كان يتصل به مراسل أو باحث، وكان بروسنان يروي تفاصيل رحلته في الكثبان الرملية... بعد سنوات، وبالتحديد في العام 2014، استأجر بروسنان منتجًا ومحررًا، بمساعدة منحة من مقاطعة سانتا باربرا، وقام فريق من علماء الآثار بمعاونته للتنقيب عن معظم الأنقاض الباقية، وبالأخص تماثيل أبو الهول، وبعدما وجدوا بعض القطع غير المكتملة، اعتبروا أن الفيلم قد اكتمل أخيرًا، وبدأ بروسنان يستعد لإنهاء الفيلم فنيًّا والتفكير في عرضه بأحد المهرجانات.
كانت القصة السابقة هي الخيط الذي بدأنا منه هذا التحقيق، والمحرك الأساسي الذي دفعنا إلى إعادة تجربة بروسنان، لكن في مصر؛ حيث قام المخرج سيسيل دي ميل بإعادة إنتاج فيلمه «الوصايا العشر» العام 1956 بالألوان، وبأحدث المؤثرات البصرية المتاحة حينها، لكن هذه المرة قرر أن يكون التصوير في الأرض الحقيقية التي شهدت أحداث قصة النبي موسى وخروجه من مصر، وقد استدعى ذلك بناء مدينة مصرية جديدة على الطراز الفرعوني، لكنها أكثر إتقانا وضخامة.
لذا كان البحث عما يخص الفيلم وتصويره في مصر سنة 1954 هو نقطة الانطلاق الأولى نحو هذا الاكتشاف الذي نراه مهمًّا، والذي لا يقل في أهميته عن مشروع «مدينة دي ميل المفقودة» في صحراء غوادالوبي... المصادر العربية التي تناولت الفيلم سارت في محورين: الأول– احتفائي بهذا الحدث الكبير؛ حيث كانت مجلة «المصور» تتابع بدقة، وفي أعداد متلاحقة بداية من شهر أكتوبر سنة 1954، تفاصيل بناء الديكورات، وكذلك أجرت حوارات مع مخرج الفيلم سيسيل دي ميل وأبطاله الذين أتوا لتصوير مشاهدهم في مصر.
أما المحور الآخر فأخذ طابع الهجوم، لا سيما أن الفيلم عُرض عالميًّا سنة 1956، لكن تم منعه من العرض في مصر... بدأ التفكير في تنفيذ النسخة الثانية من فيلم «الوصايا العشر»، بعد فوز دي ميل بجائزة الأوسكار عن فيلم «أعظم عرض في العالم» الذي كان هنري ويلكوكسون أحد أبطاله؛ حيث جلس المخرج مع منتجي شركة «بارامونت» وأخبرهم أنه يريد إعادة إنتاج فيلم «الوصايا العشر» الذي سبق أن أصدره العام 1923، ولكن هذه المرة بالألوان وباستخدام تقنية «VistaVision»، وأن يصوره في مكان الأحداث الأصلي: مصر، مستخدمًا صوتًا عالي الدقة، وأفضل المؤثرات الخاصة التي يمكن استخدامها. اختار دي ميل فريقًا كبيرًا لكتابة قصة الفيلم، كان مُكوَّنًا من أربعة: آينس ماكينز، وجيسي لاسكي، وجاك جاريس، وفريدريك إم فرانك.
قرأ صناع الفيلم الكثير من الكتب والمراجع قبل بداية الكتابة؛ لتفادي بعض المشكلات التاريخية التي شابت النسخة الأولى (سنة 1923)، ومنها مثلًا تصوير تمثال «أبو الهول» بثديَيْن تأثرًا بالأثاث الفرنسي الذي ظهر وشاع في أوائل القرن التاسع عشر.
قرأ صناع الفيلم نسخة من القرآن؛ حيث يشير ويلكوكسون إلى أن صناع الفيلم وجدوا القرآن جميلًا ونافعًا في قصة الفيلم؛ لورود تفاصيل كثيرة عن طفولة نبي الله موسى المبكرة في بلاط فرعون... ويشير موقع «معهد الفيلم الأميركي» إلى أن مصادر الفيلم الرئيسية كانت الكتب المقدسة الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن، وكتابات المؤرخين القدامى، أمثال فيلو ويوسفوس ويوسابيوس، إضافة إلى ثلاث روايات أدبية معاصرة لوقت صناعة الفيلم، هي رواية «أمير مصر» لدوروثي كلارك ويلسون، ورواية «عمود النار» لجيه إتش إنغراهام، ورواية «أجنحة النسر» لإيه إي ساوثون، بالإضافة إلى استشارة العديد من العلماء المعترف بهم في مجالات علوم المصريات والأديان والتاريخ، للتأكد من سلامة المحتوى الذي يسعى الفيلم إلى تقديمه.
كان اختيار الممثل الذي سيجسد دور النبي موسى أيضًا أمرًا محيرًا لصناع الفيلم؛ حيث ظل دي ميل يبحث لأشهر عن شخص في منتصف العمر لأداء الدور، وبعدما رفضه بعض الممثلين، استقر أخيرًا على تشارلتون هيستون. يقول ويلكوكسون إنه هو الذي أقنع دي ميل باختيار هيستون لأداء الدور، بعدما ذكر له أن «هيستون يشبه إلى حد كبير تمثال موسى لـ«مايكل أنجلو» الموجود في كاتدرائية القديس بطرس بروما، أما بقية الأدوار الرئيسية فقد كانت موفقة أيضًا إلى حد كبير؛ وبعدما استقر «دي ميل» على فريق التمثيل والقصة، كان عليه التوجه إلى مصر للحصول على الموافقات اللازمة من السلطات المصرية، قبل البدء في عملية تصوير المشاهد الخارجية؛ حيث كان على موعد مع رحلة أكثر دهشة وغرابة. كانت أجواء ثورة يوليو 1952 مسيطرة في مصر، وخلال العامين التاليَين كان هناك اضطراب كبير في الحياة السياسية وربما الاجتماعية أيضًا.
أتى دي ميل إلى مصر في زيارة أولية مصطحبًا معه ويلكوكسون باعتباره المنتج المنفذ للفيلم. بعد جهد كان الوصول الى مكان عبد الناصر في خيمته. يقول ويلكوكسون: «ملأ ناصر الخيمة بكاريزمته وعينيه الغائرتين وأسنانه البيضاء اللامعة، وإنكليزيته التي لا تشوبها شائبة». وبعدما تم التعريف والسلام، ذكر عبد الناصر لويلكوكسون أنه يعرفه جيدًا، فيما تجاهل الزعيم الراحل المخرج سيسيل دي ميل تمامًا. كان الاتفاق بين فريق العمل والسلطات المصرية قد تم بالفعل مطلع العام 1954، وبدأت طلائع صناع الفيلم تصل إلى القاهرة سريعًا.
ثم وصل خلال شهر يونيو طاقم عمل من شركة «بارامونت» وعلى رأسه مصمم الديكورات «جون ل. جنسن»، ليقوم بمعاينة الأماكن المرشحة للتصوير، فزار صحراء سيناء، وزار أيضًا المعابد في الأقصر وأسوان، ومناطق عديدة في البحر الأحمر، كما حرص «جنسن» على زيارة أماكن تاريخية وتراثية في القاهرة لاستلهام روح الفيلم؛ منها المتحف المصري بالتحرير. وفي أكتوبر 1954، كان فريق العمل الذي من المفترض أن يبدأ تصوير الفيلم في مصر قد اكتمل تمامًا؛ إذ حضر دي ميل ومعه الأبطال الرئيسيون الذين سيظهرون في المشاهد الخارجية. حسب موقع «معهد الفيلم الأميركي» كان فريق العمل يخطط لأن يكون تصوير كل المشاهد الخارجية للفيلم في مصر. أما أماكن التصوير الداخلية مثل بلاط فرعون، بارجة نفرتاري، خيمة جثرو، جناح موسى، منزل يوشابيل… إلخ، فاستقر فريق العمل على أن يتم تصويرها على مسرح «بارامونت» في أميركا، مع وجود شاشة زرقاء عملاقة، وُضعَت عليها، أثناء عملية المونتاج، الخلفياتُ الطبيعية.
أما عن المشاهد الخارجية التي تم تصويرها في مصر، فقد توزعت على مواقع عديدة للتصوير. إلا أن أهم موقع للتصوير في مصر، الذي اشتمل على مجموعة الديكورات الرئيسية، هو موقع تصوير «بني يوسف»، حيث بُنيت واحدة من أضخم مجموعات الديكورات في تاريخ السينما على الإطلاق حتى ذلك الوقت، وأغلاها كلفة كذلك، واشتمل على ديكورات «مدينة سيتي الأول»، وكانت أبرزها البوابة التي أطلقت عليها الصحافة المصرية حينها «بوابة مصر»، وهو الموقع الذي شهد واحدًا من أهم مشاهد الفيلم، وهو مشهد «الخروج».
كانت ديكورات مدينة سيتي عملاقة بحق، فقد كانت أبعادها بعرض 750 قدمًا، وبواباتها بارتفاع 109 أقدام، وبعرض 650 قدمًا، وعمق 620 قدمًا، مع أربعة تماثيل عملاقة لرمسيس الثاني طول كل منها 35 قدمًا، وقد كلَّف إقامة البوابة وحدها قرابة 100 ألف دولار، هذا بخلاف 16 تمثالًا لـ«أبو الهول» نصبت أمام مدخل البوابة على امتداد مئات الأمتار.
وخلف كل هذه الديكورات، نصبت مدينة كاملة لتستوعب العاملين والفنيين والكومبارس.
وتقول مجلة «المصور» إن إقامة تلك المدينة في صحراء «بني سويف» بما اشتملت عليه من ديكورات وورش وخيم، استغرقت 70 يومًا بتكلفة إجمالية بلغت 4 ملايين دولار، استفادت الحكومة المصرية منها بمليون واحد فقط!
تقول الصحف الصادرة في العام 1954، إن السلطات المصرية التي وفرت كل وسائل الدعم لسيسيل دي ميل وفريقه لتصوير فيلم «الوصايا العشر»، طلبت من المخرج العالمي أن يترك مجموعة ديكورات «بني يوسف» بعد انتهاء عملية التصوير، وألا ينقلها معه إلى الولايات المتحدة وألا يفككها، حتى تظل معلمًا سينمائيًّا وشاهدًا على هذه التجربة الفنية الفريدة.
لكن، كما يظهر جليًّا، فإن هذه الديكورات اختفت ولم تَبْقَ على حالها. أثناء البحث، توفر مقال مطول لزاهي حواس نشر في صحيفة الأهرام بتاريخ 12 أغسطس 2000 بعنوان «قصة أهرام مصر»؛ حيث كتب حواس منتقدًا الأفلام الأميركية والعالمية التي تم تصويرها في مصر، مؤكدًا أنها ساهمت في ترسيخ فكرة أن اليهود هم بناة الأهرامات، وأن تلك الصروح المصرية العملاقة بُنيت بالسخرة، وخص بالذكر فيلم "الوصايا العشر". ويشير حواس في مقاله إلى أن ديكورات الفيلم دُفنت في منطقة «زاوية العريان».
عثورنا على القرية التي تمَّ بناء الديكورات فيها وتحديد مكانها بهذه السهولة، جعلنا نظن في البداية أن الأمر قد يكون أبسط مما نتخيل، وأننا قد لا نواجه المشكلات التي واجهها الأميركي بيتر بروسنان بحثًا عن ديكورات النسخة الأولى من الفيلم العام 1923، التي استغرقت منه ما يزيد عن 30 عامًا. وكان اعتقادنا مبنيًّا على فكرة أن سكان قرية «بني يوسف» هم من شكَّلوا المجاميع الرئيسية التي ظهرت بالمشاهد التي تم تصويرها بذلك الموقع.. وحدث كهذا بالتأكيد سيظل محفورًا في ذاكرة القرية ليتناقلوها جيلًا بعد جيل، لكن الواقع أظهر أننا كنا على خطأ كبير!
لذا، وفي ظل صعوبة الوصول إلى أي شخص يمكن أن يكون على اطلاع دقيق بموقع التصوير، كان علينا اللجوء إلى أساليب أخرى لتحديد المنطقة التي من المفترض أن تكون الديكورات قد دُفِنت بها، وكانت وسيلتنا في هذه المرة هي موقع «Google Earth».
في التصريحات التي أدلى بها المصور الفوتوغرافي للفيلم «كين ويتمور» للكاتبة في كتاب «Written in Stone»، قال إن ديكورات الفيلم أقيمت في موضع مواجه لقرية «بني يوسف» على بعد 5 أميال من أهرامات الجيزة. فحص المنطقة الواقعة داخل الدائرة عبر موقع «Google Earth» لم يقدنا إلى شيء واضح..
لذا كان علينا البحث عن دليل آخر يساعدنا في العثور على موقع الديكورات، ويؤكد لنا إما صحة الموقع الذي قمنا بتحديده باعتباره الموقع المحتمل للديكورات، أو هدم تلك النظرية. لكن إحباطنا لم يطل؛ غعثرنا على هذا الدليل داخل أروقة مكتبة الإسكندرية العريقة.
في العام 1954، كان المهندس أنيس سراج الدين واحدًا من المهندسين المصريين المعروفين في الوسط المعماري، بوصفه أحد رواد الهندسة المصرية الحديثة؛ وكان قد صمم ونفذ مجموعة من المباني المهمة، أبرزها مقبرة الأغاخان في أسوان. لذا عندما وصل الفريق الخاص بدي ميل إلى مصر منتصف العام للبدء في تجهيز موقع التصوير، اختير سراج الدين ليقوم بتنفيذ تصميمات الفيلم ومجموعة ديكورات «بني سويف».
فور تكليف أنيس سراج الدين بمهمة تنفيذ ديكورات الفيلم، سارع إلى البدء في اختيار موقع التصوير، ووضع التصميمات اللازمة، ثم بدأ في إقامة عدد من الورش في الموقع تمهيدًا لبناء الديكورات تحت متابعة الفنيين القادمين من هوليوود.
يقول ويلكوكسون إن سراج الدين لم يخيب ظن «دي ميل» على الإطلاق؛ فقد كان قيامه بإعادة بناء آثار الأقصر بمنزلة عودة بالزمن إلى الوراء؛ حيث تم بناء مجسمات عملاقة لم تشهد السينما العالمية مثيلًا لها حتى ذلك الوقت، وكانت تمتاز عن ديكورات النسخة الأولى من الفيلم بأنها أصلية أكثر ودقيقة، وقد تم وضع تفاصيلها استنادًا إلى النسخ الأصلية للمباني والآثار الحقيقية.
وعندما وصل دي ميل إلى مصر وتوجه إلى موقع التصوير ورأى البوابة المصرية العملاقة التي أقامها العمال المصريون بإشراف المهندس أنيس سراج الدين؛ أسرع إليه وهنأه قائلًا: «يقولون عني إنني ممن لا يعجبهم العجب، ولكن هذه البوابة في نظري هي العجب العجاب. وصدقني أنني كنت أضع يدي على قلبي خشية أن تفشل في تصميم ديكورات الفيلم في مصر، ولم أكن أتصور أن في مصر عمالًا فنيين يستطيعون إقامة مثل هذه البوابة الأثرية العجيبة».
كان إعجاب «دي ميل» بتنفيذ الديكورات بداية علاقة وطيدة بينه وبين سراج الدين، ازدادت أكثر عندما عرض المهندس المصري استضافة المخرج العالمي في منزله، بالفيلا التي أقامها لأسرته في الجيزة بالقرب من حديقة الحيوان، والتي حملت اسم «عروس النيل»، وهو العرض الذي قبله «دي ميل»، مؤكدًا أنه «لا شيء يفوق كرم الضيافة في الشرق الأوسط».
أثناء البحث، كنا نرى أن المهندس سراج الدين هو أكثر شخص اقترب من الديكورات بحكم عمله؛ لذا كنا نأمل أن نجد لديه مفتاحًا يساعدنا على تحديد موقع الديكورات بدقة.
كنا نعلم أن من الراجح أن يكون الرجل قد توفي قبل سنوات، لكن كان أملنا أن نجد شيئًا في كتاباته أو مؤلفاته عن عمله في الديكورات يساعدنا في مهمتنا، لكننا صُدِمنا عندما اكتشفنا أن المهندس سراج الدين توفي بعد أشهر عقب الانتهاء من تصوير الفيلم في حادث سير أنهى مسيرته المعمارية مبكرًا.
بحثنا عن أي مؤلفات لسراج الدين فلم نعثر على شيء، كما اكتشفنا أن المعلومات المتاحة عنه في الإنترنت، سواء بالعربية أو الإنكليزية، تكاد تكون معدومة؛ لذا لم يكن أمامنا سوى البحث عن نجله الدكتور إسماعيل سراج الدين، إلا أن محاولاتنا الأولية في التواصل معه باءت بالفشل، وعلمنا أنه خارج مصر ولم يكن هناك من يعرف وسيلة للتواصل معه.
في أثناء ذلك، حصلنا على معلومة قيمة للغاية، كان لها تأثير كبير في مجريات البحث، مفادها أن أسرة سراج الدين تبرعت بمجموعة تصميماته المعمارية إلى قسم الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بمكتبة الإسكندرية، التي تضم تصميمات 16 مشروعًا من مشروعاته الهندسية، منها أعماله على ديكورات فيلم «الوصايا العشر».
على الفور، توجهنا إلى مكتبة الإسكندرية، وطلبنا الاطلاع على التصميمات، كنا نأمل أن نعثر بينها على أي خريطة يمكن أن تساعدنا في تحديد موقع الديكورات بدقة، إلا أن العاملين بقسم المجموعات الخاصة، أخبرونا أن المجموعة ما زالت في المخازن، ولا يمكن الاطلاع عليها. وبعد نقاش طويل لتوضيح غرضنا من البحث، قرروا مساعدتنا عبر قيام أحد الموظفين بالدخول وحده في المخازن والاطلاع على كل التصميمات بنفسه بحثًا عن أي تصميمات بها خرائط، ثم عرضها علينا.
وبالفعل، بعد عملية لم تطل، عاد إلينا الموظف حاملًا لوحة وحيدة، مؤكدًا أنه لا يوجد بين عشرات اللوحات التي تخص الفيلم في المخازن سوى هذه اللوحة التي تتضمن ما يشبه خريطة. أما باقي اللوحات فتتضمن مساقط ورسوماً تفصيلية للبوابة والتماثيل، وقد كانت هذه اللوحة كافية بالفعل لإرشادنا إلى ما نبحث عنه.
رغم أن المشاهد الخارجية للفيلم تم تصويرها في مصر بين خريف وشتاء العام 1954، فإن صُنَّاعه الأميركيين أكدوا في شهاداتهم درجات الحرارة المرتفعة في صحراء مصر، التي كانت تهدد الخام المستخدم في التصوير فعلًا، وقد تغلَّب الفنيون على هذا الأمر بأن وضعوا الخام المستخدم في صناديق من الثلج لحمايته، ثم نقله يوميًّا إلى هوليوود بالطائرة لتحميضه في معامل «بارامونت»، ثم إعادتها مجددًا إلى مصر لكي يطلع عليه «دي ميل» داخل «ستوديو مصر» في القاهرة؛ وذلك للتأكد من سلامة المشاهد.
بفحص اللوحة التي عثرنا عليها في مكتبة الإسكندرية بين أوراق أنيس سراج الدين، وجدنا أنها خريطة مبدئية رسمها المهندس للموضع الذي اختاره لبناء الديكورات قبل تنفيذها فعلًا، ليوضح للمخرج والقائمين على الفيلم مزايا اختيار هذا الموضع تحديدًا. بالإضافة إلى أن الموضع المختار كان يجب أن يُظهِر أهرامات الجيزة الثلاثة بحجم معين، وبشكل واضح في خلفية الديكورات، لا هو قريب للغاية من الأهرامات فتظهر في الخلفية أكبر من اللازم، ولا هو بعيد فتظهر الأهرامات صغيرة وتختفي خلف الديكورات.
النظرة العامة للخريطة، تظهر أن موضع الديكورات، كما حدده سراج الدين، كان يقع بجواره غربًا طريق رئيسي، كما يقطع الديكورات من المنتصف تقريبًا طريق قديم يمتد من الشمال إلى الجنوب –كتب سراج الدين على الخريطة ملحوظة أنه سوف يقوم بإزالته– وينحني جنوبًا ليتقاطع مع الطريق الرئيسي جنوب غرب الديكورات.
أما عن المسافات، فتشير الخريطة إلى أن ديكور البوابة كان يمتد من الشرق إلى الغرب على مسافة 175 مترًا، وأن الطرف الغربي للبوابة كان يبعد عن الطريق الرئيسي نحو 65 مترًا، كما تشير الخريطة إلى أن البوابة كانت موضوعة بشكل مستقيم يتناسب مع الاتجاهات الأصلية؛ أي أنها تمتد من الشرق إلى الغرب، كما أن واجهتها تنظر إلى الجنوب مباشرةً، وخلفية الديكور تنظر ناحية الشمال، بينما تتوزع قواعد تماثيل أبو الهول الستة عشر أمام مدخل البوابة لمسافة تزيد عن مئتي متر.
بعد الفحص الكامل للخريطة وتحليلها، كان علينا مطابقتها بالموضع الذي حددناه مسبقًا، والذي قادتنا المعلومات التي أتيحت لنا، إلى ترجيح أنه الموقع الأقرب للديكورات، وهو الدائرة التي يبلغ طول قطرها (ميلًا واحدًا) الواقعة بالشريط الصحراوي الملاصق لقرية بني سويف.
قادتنا عملية المطابقة التي أجريناها للخريطة على موقع «Google Earth» إلى موضع مثير للاهتمام يقع شمال الشريط الصحراوي لقرية بني يوسف، وداخل الدائرة التي قمنا بتحديدها.. كان هذا الموضع ذا لون داكن ويمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي على مسافة تصل إلى قرابة 180 مترًا –صورة رقم 5– وهو ما جعلنا نشك في أنه قد يكون الموقع الذي أقيمت فيه الديكورات.. وبالتحديد موقع دفن «بوابة مصر»!
فقد كان يقع بجوار هذا الموضع غربًا الطريق الذي سبق أن أشرنا إلى أنه يمتد شمالًا، وهو ما يتطابق مع الطريق الرئيسي المذكور في خريطة أنيس سراج الدين! المطابقة بين خريطة سراج الدين وجوجل إيرث أظهرت أننا على الطريق الصحيح. تقول المصادر التي اطلعنا عليها إن الموازنة النهائية للفيلم تجاوزت 13 مليون دولار، ليصبح بذلك أضخم إنتاج سينمائي حتى ذلك التاريخ؛ حيث تجاوز وقته النهائي على الشاشة 3 ساعات و40 دقيقة.. رُشِّح الفيلم لسبع جوائز أوسكار في موسم 1957، بما فيها جائزة أفضل فيلم، لكنه لم يُرشح لجائزة أفضل إخراج، ولم يحصل سوى على جائزة واحدة فقط هي جائزة أفضل مؤثرات بصرية. إلا أن أكبر مفاجأة حدثت بعد إصدار الفيلم، هو أن الفيلم لم يُعرض في سينمات مصر، بعدما رفضت الأجهزة الرقابية دخوله البلادَ؛ حيث تقول صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، في خبر نشر بصفحاتها في ديسمبر 1959، إن الفيلم لم يشاهده أي شخص في الجمهورية العربية المتحدة –مصر وسوريا– حتى ذلك التاريخ، رغم مرور ثلاث سنوات على إصداره، والسبب وراء المنع لم يكن نتيجة ظهور النبي موسى على الشاشة كما قد يعتقد البعض بسبب حساسية المسلمين تجاه تجسيد الأنبياء في الأعمال الفنية.
لكن يبدو أن هذا المنع لم يستمر طويلًا؛ حيث أشارت الكاتبة ماجدة خير الله، في تصريحات سابقة لها، إلى أن التلفزيون المصري سبق أن عرض فيلم «الوصايا العشر» على شاشته، فيما نعتقد أن الفيلم قد يكون عرف طريقه إلى دور السينما المصرية أيضًا بعد العام 1977 الذي شهد توقيع اتفاقية «كامب ديفيد» بين مصر وإسرائيل.
كنا في حاجة إلى ترتيب الأدلة التي سوف نعتمد عليها في القول بأن هذا الموضع هو مكان دفن الديكورات بالفعل، ووضعها في نسق واضح يُسهِّل على من يقرأها استيعاب حجتنا، فجاءت الأدلة كالتالي:
1– هذا الموضع يوجد داخل الشريط الصحراوي الملاصق لقرية بني سويف طبقًا لحدودها الإدارية المذكورة على موقع البوابة الإلكترونية لمحافظة الجيزة.
2– هذا الموضع يوجد داخل الدائرة التي رسمناها طبقًا لتصريحات المصور «ويتمور»، التي قال فيها إن الديكورات على بعد 5 أميال من الهرم الأكبر.
3– تشابه هذا الموضع مع كثير من التفاصيل الواردة في خريطة المهندس أنيس سراج الدين، كما أنه يتفق واتجاه القبلة الذي ظهر في صورة أداء الفنيين المصريين للصلاة في موقع التصوير.
4– يمتد هذا الموضع على طول 180 مترًا تقريبًا، وهي مسافة قريبة للغاية من طول الديكور المذكور في خريطة سراج الدين (175 مترًا).
5– وجود طرق قريبة من هذا الموضع كما في خريطة سراج الدين، وتتقاطع بشكل مشابه للغاية للتقاطع بين الطريق القديم الذي تم محوه والطريق الغربي الرئيسي الذي لايزال موجودًا إلى الآن.
6– مناسبة هذا الموضع لأن تظهر أهرامات الجيزة الثلاثة خلفه بشكل متطابق، حتى إنه وُضع بمحاذاتها تمامًا، وهو ما يتناسب مع الغرض من اختيار الموقع طبقًا لخريطة سراج الدين.
7– في بعض صور الفيلم، يظهر خلف الديكورات شريط من الأرض الزراعية الممتد إلى داخل الصحراء من الشرق إلى الغرب، وهو ما يظهر خلف هذا الموضع أيضًا؛ حيث يمتد من داخل قرية «أبو مسلم» الملاصقة لقرية «بني يوسف» من حدودها الشمالية –يفصل بينهما طريق محاجر «بني يوسف»– ويظهر بوضوح خلف هذا الموضع.
8– سبب عدم مطابقة هذا الموضع للجهات الأصلية على عكس البوابة المرسومة بخريطة سراج الدين، يرجع إلى أن سراج الدين في الغالب، قام بتعديل بعض الأمور عند تنفيذ الديكورات على الأرض: التعديل الأول كان بتغيير اتجاه ديكور البوابة، وعدم اتجاهه ناحية الجهات الأصلية بالضبط. والسبب في ذلك أن الهدف من وضع الديكور في هذا المكان –كما يفهم من خريطة سراج الدين– هو أن تكون الأهرامات الثلاثة ظاهرة بوضوح في الخلفية، وهو ما لا يتحقق لو كان مدخل البوابة يتجه إلى الجنوب مباشرة؛ فحينها لن تظهر الأهرامات خلفه، بل ستظهر خلفه أراضٍ زراعية. أما الأهرامات فستكون بعيدة إلى الشمال الغربي؛ لذا اضطر سراج الدين إلى تعديل موضع أبوابها واتجاهها، وجعل البوابة بمحاذاة الأهرامات الثلاثة بالضبط، وهو ما ينطبق على الأثر الداكن المشار إليه.
9– طول المسافة بين هذا الموضع والطريق الرئيسي بما يزيد عن 135 مترًا عن المسافة ذاتها في خريطة سراج الدين، يرجع أيضًا إلى السبب السابق ذاته؛ أي الرغبة في أن تظهر الأهرامات في الخلفية بوضوح؛ فلو كان الديكور أقرب إلى الطريق بـ65 مترًا، لم تكن الأهرامات لتظهر خلفه كاملة، بل كان سيظهر هرمان فقط –الأوسط والأصغر– أما الهرم الأكبر فسيكون خارج كادر التصوير؛ لذا كان الحل إبعاد موضع البوابة إلى الشرق قليلًا لضمان ظهور الأهرامات الثلاثة.
يقول الصحافيان: "استطعنا الوصول إلى الدكتور إسماعيل سراج الدين نجل المهندس أنيس سراج الدين منفذ ديكورات مجموعة «بني يوسف»، وأخبرناه عن التحقيق الذي نعمل عليه للعثور على تلك الديكورات. أبدى سراج الدين سعادته البالغة بفكرة التحقيق، واعتبر أنه سوف يكون فرصة لتعريف الأجيال الجديدة من المهندسين والسينمائيين المصريين بدور والده في واحد من أهم الأفلام السينمائية التي صُنعت في تاريخ هوليوود. قال الدكتور سراج الدين إن ما يعلمه هو أن الديكورات تم تدميرها بالفعل عقب انتهاء التصوير، وقد أخبره والده أن بعض جامعي القمامة أخذوا ما عثروا عليه من حطام الديكورات، وقاموا ببيعها، ولا يعلم إن كان هناك شيء مُتَبَقٍّ منها تحت الرمال أم لا!...
يقول الصحافيان "قد تكون النتيجة محبطة للبعض، إلا أننا لا نخفي أنه لا يزال لدينا أمل في العثور على بعض هذه الديكورات. نعم، لا نزال نأمل أن يكون بعضها قابعًا تحت رمال صحراء بني يوسف ينتظر من ينقب عنه ويخرجه".
المصدر: المدن