كامو والرسول بولس بالعامّية: الديغلوسيا وأساطيرها
شادي لويس
الإثنين 31 كانون الثاني 2022
بشكل دوري، يثير النشر بالعامية بعض اللغط، سواء في مواسم الجوائز أو معارض الكتب. قبل عامين، كان اختيار رواية "المولودة" المكتوبة بالعامية المصرية، للفوز بجائزة ساويرس، حافزاً لجدل واسع، سرعان ما تجدد هذا العام، قبل انطلاق معرض القاهرة للكتاب هذا الشهر. فالإعلان عن ترجمة رواية "الغريب" لألبير كامو، إلى "اللغة المصرية"، لم يكن الوحيد من نوعه، فالمعرض الحالي سيشهد أيضاً من بين إصدارات أخرى كثيرة بالعامية، اطلاق الجزء الأول من ترجمة رسائل بولس الرسول إلى "اللغة المصرية الحديثة"، بعنوان "رسايل بولس الرسول: قراءة عامية توضيحية".
في الحقيقة، لا تشكل تلك الإصدارات حدثاً فريداً، بل ولعل العامية المصرية تأتي متأخرة. فـ"الغريب" كان قد ترجمها ضياء بوسالمي إلى الدارجة التونسية في العام 2018، وفي العموم حظيت الدراجة في تونس بالكثير من المبادرات، وفي نطاقات تتجاوز الأدب، مثل قيام جمعية القانون الدستوري بترجمة الدستور التونسي إلى اللهجة الدارجة في العام 2014. أما رسائل بولس فمترجمها، جون دانيال، أستاذ الأدب اليوناني والعهد الجديد في كلية اللاهوت الانجيلية في القاهرة، يشير في حوار صحافي إلى استلهامه ترجمات سابقة للرسائل إلى لهجات شمال أفريقية (مغاربية).
بين عدد من ترجمات الكلاسيكيات الغربية إلى العامية، ربما تُعد ترجمة مصطفي صفوان لمسرحية "عطيل"، هي الأبرز. فصفوان، المفكر والمحلل النفسي المصري، جاءت ترجمته مقرونة بتنظير حول علاقة العامية والفصحي بالاستبداد، في كتابه "لماذا العرب ليسوا أحراراً؟". فبالرجوع إلى أفكار أستاذه الفيلسوف جاك لاكان، عن دور اللغة في بناء وتشكيل الذات والعالم الاجتماعيين، يذهب صفوان إلى أن المسافة أو الفجوة بين لغة الكتابة الفصيحة ولغة الحياة اليومية العامية، هي أحد العوائق الرئيسة أمام المجتمعات العربية، وبالتالي إن الكتابة وصياغة الأفكار باللغة اليومية هي واحدة من الخطوات اللازمة لتحرر العقل العربي.
تعدّ العربية واحدة من أبرز النماذج الممثلة للديغلوسيا، أي الازدواج اللغوي. ويعود المصطلح إلى جذر يوناني يعني "لسانَين"، فالديغلوسيا تشير إلى استخدام دائرة اجتماعية للغتين في الوقت نفسه، لوظائف اجتماعية أو لسانية مختلفة، وعلى الأغلب تكون واحدة منهما للكتابة والأخرى شفهية. كانت تلك الازدواجية هي المبرر للكثير من التنظيرات والدعوات، سواء القادمة من الخارج أو من داخل المجتمعات العربية، لاختيار واحدة من نسخ العربية على حساب الأخرى، إما استئصال الفصحى لصالح تسيّد العامية حديثاً وكتابةً، أو العكس، أي محو العامية لصالح لغة أكثر قياسية وشمولاً هي الفصحى.
إلا أن العربية ليست استثناء في تعددها، أو في تفاوت الحقول الاجتماعية لاستخدام لهجات ومستويات منها. فمجتمعات شبه القارة الهندية على سبيل المثال، تستخدم عدداً من اللغات الرسمية للكتابة، وعدداً آخر من لهجاتها للحياة اليومية في الوقت نفسه. وفي أوروبا، وفيما صعّدت الحداثة اللغات المحكية إلى مستوى اللغة القياسية في غرب القارة، ففي بعض المجتمعات في الوسط والشرق، اعتُمدت لغات الأدب العالي كلغات معيارية حديثة، وهو ما حدث مع العربية في عصر النهضة أيضاً.
غير هذا، أضحى مفهوم الديغلوسيا نفسه محل شك مؤخراً، فالفصل النظري بين الفصحى والعامية، ليس بهذا الوضوح في الواقع، ويمكننا الإقرار بوجود مستويات لغوية تمزج بينهما، وتستخدم طوال الوقت سواء في الكتابة أو الحديث. وفي العقود القليلة الماضية، توجه البحث الأكاديمي للقبول أكثر فأكثر بالـ"عربية الوسطية"، كلغة هجينة بين العامية والفصحي. والتوسع في دراسة نصوصها التراثية واستخداماتها المعاصرة، وبالأخص الفضاء الرقمي، تم بعربيات وسطية كثيرة، بحسب درجات الخلط بين القياسي وغير القياسي.
وفي هذا السياق، ينمو تيار في حقل اللسانيات يتبني مفهوم "إيديولوجيا اللغة"، أي مجموعة القناعات التي يتبناها مستخدمو لغة بعينها لتفسير ومنطقة بنيتها واستخداماتها وتراتبية تنويعاتها. ويذهب هؤلاء إلى القبول بتلك الأيديولوجيات كأمر واقع، وبذلك لا يسعون إلى فحص مدى صحة منطلقاتها أو إلى تفكيك أساطيرها، بل يهتمون بالنظر في الصراع بين تلك الإيديولوجيات وطرق تعايشها والأبعاد السياسية والهوياتية لهذا كله. ومن هذا المنظور، يتجاوز البحث الأكاديمي حول العربية المعاصرة، مفهوم النقاء، فلا فصحى نقية بالكامل، ولا عامية خالصة أيضاً، وكذا يرفض تأطيرات المنافسة، فالفصحي لا تزاحم لهجاتها، بل على العكس تشير بعض البحوث المعتمدة على دراسات ميدانية إلى أن التوسّع في استخدام العامية في الكتابة، قد يصاحبه توسع في استخدام الفصحى أيضاً. والأهم من هذا كله، يُعاد تأطير مسألة الازدواج، أو بالأحرى التعدّد اللساني في المجتمعات العربية، لا بوصفه مشكلة تحتاج إلى حل، بل باعتباره ميزة جديرة بالاحتفاء، ومصدر ثراء في الموارد اللغوية وغنى في إمكاناتها والقفز بين مستوياتها وبين مفرداتها وبُناها وطرائق التعبير بها.
المصدر: المدن