سركيس أبوزيد: إسرائيل إلى نهايتها
عبد الرحمن جاسم
الثلاثاء 15 شباط 2022
أصدرت «دار أبعاد» كتابين للكاتب والصحافي اللبناني سركيس أبوزيد: «إسرائيل إلى نهايتها (61 صفحة من القطع الصغير)، و«الدولة والمقاومة» (46 صفحة من القطع الصغير). يتناول الباحث في الكتاب الأوّل سؤالاً ربما من الأهم في التاريخ المعاصر وفي الصراع العربي الإسرائيلي: هل يقود كل ما يحصل الآن إلى نهاية كيان الإحتلال الصهيوني؟ هل هناك مؤشراتٌ وأسبابٌ رئيسية تفضي إلى اقتراب نهاية الدولة العبرية؟ يحلل أبو زيد الموضوع من خلال قراءته للعديد من الشهادات والتقارير والمصادر الصهيونية. أما في الكتاب الثاني فيدعو إلى مقاربة تدعو إلى «نقد ذاتي» من أجل تفعيل دور «الدولة والمقاومة» ضمن تلك الرؤية المشتركة التي تعتمد المواطنة كملتقى ضروري «وممكن بينهما في سبيل بناء دولة عادلة سيدة ومقاومة قادرة على التحرير والتغيير لتحقيق الإستقلال والحرية».
يهدي الكاتب كتابه الأوّل إلى «المؤمنين بنهاية إسرائيل والمقاومين ضد الإحتلال والظلم والإستبداد، معاً إلى فلسطين». وفي مقدمته التي كتبها الكاتب والصحافي حسن حمادة التي عنونها «بن غوريون: زوال اسرائيل حتمي والمسألة مسألة وقت»، يسخر حمادة من الطرح الصهيوني بأن القدس عاصمة كيان الإحتلال الأبدية، ذلك أنَّ «طرح العاصمة الموحدة الأبدية السرمدية يقوم على تصور مفاده أن التاريخ قد توقف عند التفوق الإسرائيلي المحصّن بالصهيونية العربية». بعد ذلك، يغوص حمادة في عنوان مقدمته، فيطرح كيف أنّ بن غوريون أبا الدولة الصهيونية الحديثة كان غارقاً «يشكك في قدرة الصهيونية العربية على تأمين توريث مستدام للعمالة والخيانة» من جهة، ومن جهةٍ ثانية كان متأكداً من أمرٍ واحد أن نهاية كيان الإحتلال هو الزوال. في كتاب «إسرائيل إلى نهايتها» المكوّن من 13 فصلاً وتمهيدٍ وخاتمة، يغوص أبو زيد في سرديته التاريخية المستندة إلى مصادر ومراجع صهيونية تؤكد عنوان الكتاب بشكلٍ أو بآخر. ففي التمهيد مثلاً، يستعين بمقالة الصحافي الصهيوني يونتان شيم من صحيفة «معاريف»: «تأسست تل أبيب عام 1909، وفي عام 2009 ستصبح أنقاضاً». هنا يستغرق الكاتب في الفكرة التي مردها سبب إيمان الصهاينة دائماً بـ «خراب أورشليم». الأمر الذي يطل برأسه دائماً خلال كل «حروب الكيان وأزماته».
يفصّل «اسرائيل إلى نهايتها» الأخطار التي تتهدد الكيان العبري، بدءاً من الخطر الديموغرافي الفلسطيني. يشير الكاتب إلى أنَّه خطرٌ ليس بقليل، إذ إن الصهاينة يعتبرونه «مرعباً» للغاية. ماذا إذاَ عن «الهجرة المعاكسة»؟ يشير الكتاب: «زادت الحرب الأخيرة على لبنان عدد الراغبين في ترك «إسرائيل»». بحسب مسؤول وحدة الهجرة والإستيعاب في مركز الحكم المحلي في «اسرائيل» ميخائل جنكر، هذه الحرب زادت عدد المتقدّمين بطلبات لمغادرة «إسرائيل». الأمر نفسه ينسحب على «هجرة العقول»، فمعظم عقول كيان الإحتلال تميل للهجرة منه بسبب عدم شعورها بالأمان. ماذا عن الحدث الأكبر «هزيمة تموز»؟ يمكن القول بأن «إسرائيل زرعت بذور نهايتها بيدها» كما يشير عنوان الكاتب للفصل الرابع مستعيناً بكلام بن غوريون نفسه: «إن اسرائيل تسقط بعد أول هزيمة تتلقاها». على هذا المنوال، يسير الكتاب البحثي الذي يؤرخ لسقوط كيان الإحتلال مفنداً الأسباب.
أما كتاب «الدولة والمقاومة» الآتي على شكل دراسةٍ صغيرة، فيهديه أبوزيد إلى «قوى التغيير والمقاومة» و«الملتزمين بالعمل من أجل تفعيل المقاومة الوطنية»، فينقسم إلى مقدمة وخمسة فصولٍ وخاتمة. يبحر الكاتب في فكرته حول أن الدولة والمقاومة صنوان، ولا يمكن الفصل بينهما، خصوصاً إذا ما أردنا لكليهما أن يستمر وينجح وينتصر. يشير الباحث إلى أواليةٍ رئيسية: «تواجه الدولة والمقاومة في لبنان تحديات متعددة وشاملة منها: استكمال التحرير، إضافة إلى الردع والدفاع ضد العدو، ضرورة تحقيق التنمية والعدالة والمساواة، وتحصين الوحدة الوطنية ووحدة المجتمع، كسر المعادلات التعجيزية السابقة لمصلحة إبداع صيغة جديدة تجسد تكاملية الدولة والمقاومة على أساس بناء دولة المواطنة المدنية الديمقراطية المقاومة». يحاول أبوزيد في فصله الثاني الإجابة عن سؤالٍ شديد الأهمية حول مفهوم «قوة لبنان في ضعفه» التي حملها اليمين المسيحي طوال سنوات، ولا يزال بعضه يحمله؛ مقارباً فكرة «الدولة» في لبنان مشيراً: «لبنان ما زال دولة مؤجلة أو دولة قيد النشوء والتأسيس، لأنه دائماً بحاجة إلى من يدير شؤونه الداخلية، بسبب عدم وجود نظام متفق عليه من جميع اللبناني، وغياب المؤسسات التي يحتكم إليها في الأزمات». ويعود للفكرة بشكل أعمق حين يقول: «لطالما اعتبرت الدولة اللبنانية أن قوة لبنان في ضعفه، لذلك فهي لم تعطِ تعزيز وضع الجيش أو تسليحه وإعداده الأولوية اللازمة، ونأت بنفسها عن المواجهة العسكرية المباشرة مع الكيان الإسرائيلي منذ نشأته». هذه الخاصرة الرخوة التي تفتش عن قوةٍ تملأها كانت سبباً في نشوء «جبهة المقاومة الوطنية» أولاً، ثم «المقاومة الإسلامية» لاحقاً كردة فعلٍ «طبيعي على الاعتداءات الإسرائيلية والإجتياح وتقصير الدولة».
يؤكد الباحث اللبناني أن الأزمات في لبنان ليست عابرة بل هي عند كل مفترق طرق تكاد تكون «أزمة وجودية كيانية وأزمة هوية»، تخلق شعوباً في لبنان، لا شعباً واحداً، ويعطي دليلاً أن أحدهم في إحدى المناسبات خاطب جمهوره قائلاً: «يا شعب 14 آذار». في الوقت عينه، يشير الكاتب إلى أنَّ بعضهم يضع المقاومة في لبنان أمام خيارين: التخلي عن قوتها العسكرية لمصلحة فائض ضعف الدولة، والثاني إستدراجها –أي المقاومة- إلى التماهي مع الحكم وتجييرها إلى كنف الدولة. من هذه الشروح بأكملها، ينطلق أبوزيد نحو مفهوم المواطنة الذي هو أصلاً «ملتقى الدولة والمقاومة» كما أشار في مقدمته.
هما كتابان بحثيان صغيران حجماً كبيران من حيث المحتوى، يطرق فيهما الكاتب سؤالين بالغي الأهمية، لناحية المقاومة والدولة والمواطنة، أو لناحية الصراع مع كيان الإحتلال؛ كل سؤال منهما يحتاج للكثير من الشروحات والتفاصيل، وقد يكون هذان الكتابان بدايةً مهمة للوصول إلى ذلك.
المصدر: الأخبار