زليخة تفتح عينيها... في سيبيريا
نزار آغري
الجمعة 11 شباط 2022
على خطى الكثيرين من كتّاب روسيا، من المنتمين إلى القوميات الأخرى، غير الروسية، تظهر غوزل ياخينا، التترية، كنجمة جديدة في سماء الأدب الروسي، أو المكتوب بالروسية. وهي كتبت العديد من الروايات والقصص القصيرة. غير أن روايتها "زليخة تفتح عينيها"، هي التي وضعتها في الصدارة.
رواية آسرة تمسك بتلابيب القارئ من السطر الأول. ليس بسرديتها الأنيقة ولغتها المتقنة، لكن قبل هذه وتلك، بالقصة المدهشة التي ترويها. وهي قصة حقيقية، تأخذ مادتها من مجريات العيش في الماضي القريب لروسيا، حين كانت تسمى الاتحاد السوفياتي، وكانت منجماً هائلاً للفظائع والمآثر على حد سواء. كانت السلطة الإشتراكية تنثر الوعود يميناً وشمالاً، تبشر بالفردوس الآتي بالمطرقة والمنجل. على أرض الواقع، كان ستالين وأتباعه يضعون حجر الأساس لجحيم حقيقي. يقتلعون شعوباً وقوميات من أرضهم ويوزعونهم في جهات قصية بعيدة، مثلما يقتلع المرء الأشجار من تربتها ويأخذها بعيداً ليغرسها في تربة أخرى في بقاع بعيدة. وتحفر غوزل، على غرار الأكسندر سولجنتسين وبوريس باسترناك، في تربة الجحيم: الغولاغ والمنفى السيبيري الرهيب.
زليخة، بطلة الرواية، امرأة تعيش في قرية تترية بالقرب من نهر الفولغا. تزوجت وهي شبه طفلة من رجل يكبرها بثلاثين سنة. لكنها كانت سعيدة، رغم النكد المعروف الذي تبثه حماتها. ثم فجأة: ها هم الشيوعيون يصلون إلى القرية، وها هم يطالبون المزارعين بالانضمام إلى المزرعة الجماعية الجديدة، الكولخوز. تنقلب الحياة رأساً على عقب، ومنها بالطبع حياة زليخة. يحاول زوجها، مرتضى، أن يتصدى لهؤلاء الوافدين، لكنهم يرمونه بالرصاص ويردونه قتيلاً. توضع زليخة في عربة مواشي وتبعد، كالمئات غيرها، إلى سيبيريا. لم تكن تعلم أنها حامل. ستلد ابناً في أول ليلة جليدية رهيبة في منزلها الجديد في معسكر الاعتقال على ضفاف نهر أنغارا، حيث المئات من معسكرات الاعتقال في سيبيريا، التي ملأها ستالين بالمعارضين لحكمه الدموي.
كانت الفترة الستالينية من الحكم هي الأطول في عمر السلطة التي أنجبتها ثورة أكتوبر، وهي في الوقت عينه، الفترة الأكثر إثارة للجدل في التاريخ الروسي الحديث. الفترة التي تربع خلالها في سدة الحكم، ستالين، الأمين العام للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي وسيطر على البلاد والعباد بقبضة تليق باسمه: الفولاذ. وهي طبعاً الفترة التي اتسمت بالتجميع والتصنيع القسريين من جهة، والإرهاب والقمع الدموي من جهة أخرى. هي الفترة التي أدين فيها أكثر من مليون مواطن سوفياتي بارتكاب "أنشطة معادية للثورة". تم إعدام نصفهم هؤلاء وأرسل النصف الآخر إلى الغولاغ في سيبيريا.
استلهمت غوزل ياخينا، الرواية، من تاريخ عائلتها. من سيرة حياة جدتها شاكيروفنا شاكيروفا. كان عمرها سبع سنوات عندما جرت مصادرة أراضي وأملاك والديها العام 1930. آنذاك بدأت في الاتحاد السوفياتي حملة شعواء قدمت خلالها جميع الجمهوريات خططاً لمصادرة أراضي وأملاك الفلاحين وتحويلها الى المزارع الجماعية، الكولخوزات والسوفخوزات. وقعت عائلة جدتها في براثن هذا المخطط. جرى كل شيء وفق المخطط الجهنمي في قرية زوري التابعة لناحية سابينسكي في جمهورية تتارستان السوفياتية الاشتراكية ذات الحكم الذاتي. تم تهجيرهم من القرية إلى قازان على الخيول، ومن هناك بالقطار إلى مدينة كراسنويارسك، ومن ثم بالنقل النهري من نهر ينيسي الى نهر آنغارا.
كانت هناك مستوطنة بُنيت بأيدي المهجرين أنفسهم. الجدة، التي كانت يافعة آنذاك، تعلمت اللغة الروسية وصارت تتكلم بها أفضل من لغتها الأم، التترية، وبلكنة سيبيرية. تعرفت على جد الكاتبة، الذي كان معلماً للغة الألمانية ومديراً للمدرسة، وتزوجا في ما بعد. غير أن الرواية ليست سيرة ذاتية محضة، هناك اختلافات عديدة بين الجدة وزليخة. لكن البؤرة هي ذاتها: القهر والنفي والتهجير. انبثاق حياة جديدة من رحم حياة شاقة.
لم تكتفِ الكاتبة بالنهل من حياة جدتها، وعائلتها بشكل عام، بل راجعت الأفلام الوثائقية، زارت متحف الغولاغ في موسكو، قرأت مئات الكتب والوثائق وعثرت على تفاصيل دقيقة. ولكي تفهم شعور المُرحّلين في عربات الشحن بالقطار أثناء نقلهم الى سيبيريا، ذهبت الى محطة قطار ريجسكي، حيث متحف النقل بالسكك الحديدية تحت السماء المكشوفة ووقفت طويلاً أمام عربات المواشي، تتأمل كيف يمكن السفر على هذه الألواح وهي غاصة بالركاب.
الجزء الأول من الرواية، يصف حياة القرية التترية بنبرة نوستالجية، حالمة، وبسرد شيق مُطعّم بالتعابير التترية، بلغتها الأصلية. من أجل فهم تلك التعابير أوردت في نهاية الكتاب جدولاً لشرح معانيها. في الجزء الثاني، تتأقلم البطلة مع البلدة السيبيرية وتعيش بين الناس الناطقين باللغة الروسية. تختفي النوستالجيا وتحل محلها بالتدريج إرادة البقاء والتكيف مع الواقع من أجل تطويعه والتغلب عليه.
بين الجزئين، وفي خضمهما، معمعة هائلة من الصور والمشاهد والوقائع، تلاطم من الأحداث والمواقف وخشبة مسرحية عملاقة تتدافع عليها شخصيات من جهات ومنابت مختلفة وتلاحق كلها مصائر غريبة تتمخض من أنماط عيش قاهرة فرضت عليها فرضاً. أفلحت الكاتبة إلى حد كبير في المزج بين هذه العناصر كلها. رسمت لوحة بانورامية شاملة ومتقنة في آن معاً. ليس غريباً إذن أنها، أي الرواية، لكن الكاتبة أيضاً (مواليد 1997)، تلقت تلقفاً جميلاً من النقاد والقراء على حد سواء ونالت جائزة "بين" الإنكليزية.
المصدر: المدن