هكذا حلم الانطباعيون بالسينما قبل أن يعرفوها
روجية عوطة
الأربعاء 22 كانون لأول 2021
كان من الممكن اطلاق اسم مختلف على المعرض المقام بعنوان "واخيراً، السينما!"، حول بداية السينما في متحف أورسي، وهو "ولادة صورة". فصحيح ان المجموعة البصرية التي قُدمت فيه تعمد الى تأريخ السينما، فاتحتها على وجه التحديد، الا أنها، وفي الوقت نفسه، تتيح الاطلاع على سياق بروز الصورة المتحركة قبل أن تصير صورة فيلمية. بالطبع، هذه الصورة لم تكن على حركتها دوماً، ولهذا، اسنُدت في مجموعتها تلك، بما فتح لها الطريق لكي تحضر، اي، ليس التصويرة الثابتة او الفوتوغرافية، إنما هي شيء آخر، أي اللوحة الانطباعية. فهذه اللوحة كان يسكنها حلم كبير، وهو ان تمثل الطبيعة في لحظات تبدلها، في لحظات انتقالها من طور الى غيره، اي، وبعبارة اخرى، في لحظات تحركها قبل ان ترسو على سكينة ما. ففي تلك اللوحة، كان هناك عشق لحركة الطبيعة، وهو عشق لا ينفصل عن الشروع في رؤية العالم بطريقة اخرى: عالم متحرك، متبدّل، يقوم بسرعات متفاوتة، مثلما تأهله، وبما هو غرة المعمورة الحديثة، بتقنيات وماكينات تبشر بأنه سيقلع عن جموده، وينطلق على عجلاته.
كل هذا يبدو في لوحات غوستاف كايبوت مثلا، بحيث انه يحاول فيها ان يرسم مشاهد معينة من مدينته، باريس، تظهر حركات لأناس على الأرصفة، أو لامطار تنزل على الارض، او لاوراق شجر تتساقط من الاغصان إلى مهب الريح، بالإضافة إلى عربات تجرّها الاحصنة لكي تنقل ركابها. يمكن القول إن الحركة التي رسمها كايبوت كان يشير اليها بأمر محدد، وهو تداخل العناصر داخل اللوحة، كما لو أن الحركة تخلطها. وهذا على عكس بيار بونار، الذي كان، وعندما يرسم هذه الحركة، لا يجعلها مبدأ لخلط كل العناصر في المشهد، انما مركز ثقالته. فحين يرسم سيارة مثلاً، جعلها في وسط لوحته، التي تتوزع عناصرها الاخرى، لا سيما الناس حولها على شكل يشير الى اجتيازها لهم، كما لو انها تبشر بالذهاب إلى عالم مختلف عن عالمهم. فعليا، هذا العالم لم يتأخر في قبوله، ومعه، اقبلت صورة أخرى، وهي تنطلق من حلم اللوحة الانطباعية نفسها، أي من تمثيل الحركة، لكن، مع هذا الحلم، كان هناك بغية اخرى، وهي ليست منقطعة عنه: الدقة في تمثيل هذه الحركة، والفضاء الذي يحتويها، اي جعل صورتها مطابقة لتحققها الواقعي. فحلم الحركة هو أيضا حلم ضبطها، اي تأطيرها، وجعلها في محل مقفل، حيث لا تعود متفلتة، اي يمكن ان تحصل في كل مكان وفي كل حين.
هذا، على الاغلب ما يفسر ان المعرض، وحين يقدم تاريخ مختصر للسينما، لا يضع التصويرة الفوتوغرافية قبل الصورة المتحركة، كما لو أن الثانية هي تطوير للاولى، على العكس، يشير الى التوازي بين الاثنين، وإلى كونهما على هم واحد حيال الحركة وفضاء دورانها. بالتأكيد، توازيهما يتعلق ايضا بكونهما ينمان عن تجارب تقنية عديدة، كانت تتطلع إلى ربط التصاوير الثابتة ببعضها البعض على سبيل استخلاص حركتها منها. فلم تكن التصاوير تلك تُعتبر انها بلا حركة بالمطلق، بل إنها تنطوي عليها، ولكن، لا بد من براكسينوسكوب او تيليوسكوب لإعانتها على ابرازها. فهذه التقنيات هي تقنيات تساعد التصويرة الثابتة على تمكنها من حركتها، يعني على ان تظهر كونها صورة متحركة.
لكن الصورة المتحركة، وفي حين أنها كان تتجه إلى تمثيل الحركة بدقة، بدا لها الأمر أنه عويص للغاية، كما لو أن الحركة تلك تتسرّب منها باستمرار، مثلما أن تحديد الفضاء، حيث تحصل، غير ممكن دوماً. ما حملها إلى توجه مختلف، وهو انتاج تلك الحركة، انتاج ذلك الفضاء، وهذا من خلال التأدية، أي من خلال صناعة الفيلم. فيمكن الإستنتاج في هذا السياق ان الفيلم ليس شريطاً صورياً لنقل الواقع إليه، إنما هو في أصله صناعة لمكان-زمان لخلق الحركة فيه، اي ما يهمه ليس الواقع ذلك، ليست ترجمته الى صور، إنما الحركة، انتاجها. طبعا، يمكن القول إن الفيلم يهتم بهذا الواقع في حال كان ينظر إليه على أنه ديكور الحركة او ديكور مؤلف من الحركة، تماماً، كما في الحالة الانطباعية، ولكن، لا يهتم به كمحض مشاهد او مواقف.
على هذا النحو، قد يصح الاعتقاد أن صورة الفيلم، وبعدما عجزتْ الصورة المتحرّكة عن تحقيق حلمها، قد توجهت إلى تحقيقه عبر صناعة حركة خاصة بها. فالفرق بين الصورة المتحرّكة والصورة الفيليمة ان الاولى تكتفي بالحركة التي تحاول التقاطها، ولا تقدر على ذلك بطريقة كاملة. أما الثانية، فبدلاً من ان تحاول التقاطها مرة أخرى، تعمد إلى صناعتها، أي تصنعها وتسجلها من دون أن تفلت منها. هكذا، صارت الصورة تصنع الحركة بواسطة الفيلم. لكن هذا ما طرح إشكالية اخرى، بحيث أن الحركة غير المصنوعة عبرها لا تزال حية، وهي تظهر في تصرفات المتفرجين عليها. فهم، وحين شاهدوها، راحوا يتفاعلون معها بالتحرك صوبها، او بالسعي الى اختراقها حتى، كما لو ان الحركة التي صنعتها تمسهم وتحركهم. ما ادى الى تصويرهم مرات ومرات، مثلما هي حالهم امام فيلم ليونس بييريه، "ليونوس السينماتوغرافي". اذ ان المخرج، وفي حين كانوا على كراسيهم أمام فيله الصامت، أقدم على التقاطهم في تصويرة ثابتة، كما لو أنهم يريدهم أن يتفرجوا على الحركة من دون أن يتحركوا. من هنا، ولادة الصورة الفيليمة هي ايضا ولادة المتفرج الهامد!
المصدر: المدن