أحداث ثقافية أخرى
"خيانة" غارسيا ماركيز و"قصة سرّ معلن"
محمد حجيري
الجمعة 21 كانون الثاني 2022

ضجّت وسائل الإعلام المكتوبة والالكترونية بخبر يفيد بأن الكولومبي ورائد "الواقعية السحرية"، والحائز جائزة نوبل للآداب، غابرييل غارثيا ماركيز، أخفى "سرًا" حميميًا عن العامّة، إذ تبيّن أن له بنتًا، هي ثمرة علاقة غير زوجيّة (غير "شرعية" على نحو ما نقول في ديارنا) في أوائل التسعينيات مع المكسيكية سوزانا كاتو، وهي كاتبة وصحافية عملتْ معه على كتابة نصين سينمائيين، وأجرت معه مقابلة مطولة العام 1996. أما ابنتهما فسمّياها أنديرا، وهي الآن في الثلاثينات من العمر، تعمل منتجة أفلام، ولا تحمل شهرة والدها.
 
وما وصف بأنه سرٌّ، يبدو أنه أقرب إلى "قصّة سر المعلن" على نحو ما عنون ماركيز "قصّة موت معلن"، ويشبه أسرار المسلسلات التركية والمكسيكية، إذ يعرفه كلّ "الأبطال"، أو بالتتالي، يتهامسونه في الزوايا وفي المكاتب المغلقة، ولا يريدون البوح بكل قصّته حتى لا ينتهي التشويق، ويفجّر رواق العلاقة بين ماركيز ومارسيدس برشا... والحال أن التقرير الصحافي الكولومبي عن الابنة السرّيّة، ظلّ محلّ جدل، حتى أكّد ما ورد فيه المزيد من أقرباء ماركيز، حيث تحدّثت ابنة أخ له، وهي شاني غارسيا ماركيز، مع وكالة الأسوشيتد برس، وقالت إنها كانت على علم، منذ سنوات، بأنها له ابنة عمّ تدعى أنديرا، غير أنّها، وبأمر من والديها، لم تتحدث لأحدٍ عنها، باعتبار أن ذلك "شأن خاص بحياة عمّها الخاصة" ولا ينبغي لأحد أن يعرف بشأنه. وقد حصلت الأسوشيتد برس على تأكيد مماثل من ابن أخت لماركيز، وهو غابريل إليغيو غارسيا، والذي أفاد بأنه كان على اتصال بأنديرا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنّه لم يحظ بفرصة اللقاء شخصيًا بها. ونقلتْ صحيفة "إل يونيفيرسال" الكولومبية شهادات أقرباء آخرين لماركيز، كانوا على علم بالعلاقة وأمر الفتاة، لكنهم احتفظوا بالسرّ "كرامةً" للسيدة مرسيدس بارشا، زوجة الكاتب، والتي توفّيت هي الأخرى في آب/أغسطس 2020. أمّا والدة أنديرا، سوزانا، فحفظت السرّ ولم تتحدّث عن نسبة ابنتها لماركيز، لأنها فضّلت أن تنأى بابنتها وبنفسها عن الإعلام.
 
ماركيز وأنديرا
 
 
وقال كاتب المقال غوستافو تاتيس "من المحتمل جدّاً أنّ مرسيدس كانتْْ تشعر بحدس حول ما حدث بين سوزانا وغارسيا ماركيز، لكنها بقيت حتّى آخر يوم من حياتها متكتّمة وصامتة. ومع ذلك، كان كشف وجود إنديرا بمثابة كارثة عائلية"، بينما ظلّ غارسيا يراقب ابنته حتى النهاية. وقال تاتيس لإحدى الإذاعات "قبل وفاة ماركيز بفترة وجيزة سمعت الإشاعة التي شغلتني طيلة ثماني سنوات، إذ أردت التحقق من صحّتها". وفي تقريره المعنون "ابنة: سرّ ماركيز الأكثر كتماناً"، أوضح تاتيس أنه تأكّد من "المعلومة" من كاتب سيرته الذاتية وأفراد من الأسرة وأحد أفضل أصدقاء الكاتب. ولم يكتب عنها احترامًا، حتى وفاة مارسيدس. وأوضحت الصحافية فانيسا دي لا توري، أن العلاقة بين "غابو"(لقب ماركيز) وسوزانا كاتو كانت "قصة حب طويلة الأمد، قصة من التواطؤ والإعجاب". 
 
ومختصر القول إن سرّ العلاقة غير الزوجية والابنة، فقط الزوجة المسكينة مارسيدس لا تعرفه، وربما تعرفه و"تطنش"، ونجد أن الصحافي وكاتب السيرة والقريب والقريبة، يعرفونه منذ سنوات، ويتحدثونه عنه، ولم يكن ينقص السرّ سوى الكتابة والضجيج الاعلامي، وربما يكون الضجيج هذا جزءاً من تسويق آخر لماركيز وكتبه، عن قصد أو عن غير قصد. ويقول الأديب اللبناني عمر فاخوري "من المسلّم به أنَّ الخاصة والعامة — بدافع الفضول الإنساني — هم سواء في تولعهم بالأخبار والنوادر والأقاصيص، ولا تثريب علينا إذا قلنا إنهم أشد بها تولعًا منهم بأي شأن آخر، لا يؤثرون شيئًا على معرفة الشخص وحوادث حياته، حتى الهنات والزلات. ولكفاية هذه الحاجة الملحة في نفوس القراء، ترى جمهرة الكتاب يكثرون من التأليف في سير المشاهير من رجال الفن والفكر". والحال أن مردّ الضجيج في خبر ماركيز، هو أنه من القائلين بأن "الخيانة الزوجية تقتل الحب"، يعرف عنه زواجه المستقر والممتدّ على مدى أكثر من خمسة عقود مع مرسيدس بارشا، رفيقة عمره، التي تزوجها العام 1958، وأنجب منها رودريغو وغونزالو، وعاشت الأسرة معًا بلا فضائح ولا هزّات تذكر، في العاصمة المكسيكية، حيث قضى ماركيز معظم أيّامه. وقال غابو ذات مرّة إنّ "لكل كاتب ثلاث حيوات: حياة عامة وأخرى خاصة وثالثة سرّيّة". واعتبر تاتيس تعليقاً على هذا القول إنّ "النساء لعبن أدواراً في كل حياة من حيواته الثلاث".
 
وأنجب ماركيز وزوجته ولدين، هما غونزالو ورودريغو، نشرا العام الماضي كتاب "وداعاً لغابو ومرسيدس" خصص للأيام الأخيرة من حياة الكاتب. وقصة ابنة ماركيز من غير زواج، جزء مكمل لظاهرته، فكل شيء في حياته يؤول إلى ما يشبه الرواية او الحكاية. فالكاتب المتأثر بألف ليلة وليلة وعوالمها، "خراط" و"فناص" على نحو ما شهرزاد راوية. ويقدر صاحب "خريف البطريرك" أن يكتب قصص حبّ غرائبية "ساحرة"، ويؤلف حكاية من لا شي. سواء من قصة قارئه الذي قال إنه جاء ليحاسبه على خطأ في احتساب الليالي القمرية عن مرحلة زمنية تعود الى أكثر من قرن. أو قصة نشره رواية "مئة عام من العزلة"، والبحث عن ناشر وإرسالها في البريد على دفعتين وبيع الخاتم الزوجي، بمعنى أنه أحاط الرواية "الأسطورة" بأساطير أخرى تتعلق بالكتابة والنشر والنجاح. وهذا عدا علاقته بماكوندو وكاسترو وكلينتون، ويكاد ماركيز ان يجعل من حياته الخاصة "واقعية سحرية".
 
على أن الابنة من غير زواج تبدو من الأمور العابرة في البلدان الأوروبية والأميركية، وأحياناً تأخذ بُعداً دراماً ومأسوياً، كما هي الحال مع هالفا، ابنة الشاعر بابلو نيرودا، التي تهرب منها بسبب إعاقتها، وكُتبت عنها رواية تبيّن زيف الشاعر الذي طبل الدنيا بالشعر الإنساني. أما في "ديارنا"، فما زالت الأمور أعقد بكثير، بتعقيدات المجتمع وأديانه. فحين أراد الشاعر سليم بركات أن يتحدّث عن محمود درويش وأسراره، همَس همساً أنه سمع، من خلال التليفون، درويش يتحدث عن أو مع امرأة، وأنه قد تكون لديه إبنة من غير زواج، وبقي قوله موضع بلبلة وتأويلات وأسئلة سخيفة وتكهنات... ذلك أن ثقافة الهمس طاغية على كل شيء، حتى في النقد، فكيف الحال في قول الأسرار.
 
 
 
 
المصدر: المدن