أحداث ثقافية أخرى
"إل سيد".. تونسي - فرنسي يزيّن "جدران العالم" بحروف عربية
أمير الشلّي
الثلاثاء 21 أيلول 2021

فرنسي المولد، عربي الهوية والثقافة والهوى، يمزج بين فني الغرافيتي والخط العربي، ويزيّن جدران الأحياء والمدن من تونس إلى مصر ولبنان وصولاً إلى كندا.. تعالوا نتعرف إلى الفنان التونسي "إل سيد".
 
يُعتبر أسلوب الفنان التونسي - الفرنسي "إل سيد" (El Seed) مزيجاً بين فني الخط العربي والغرافيتي، أو ما يُطلق عليه الفنان نفسه اسم "كاليغرافيتي". هذا المزيج نابع من تأثره بثقافة فنّ الشارع التي أضاف إليها بصمته العربية. "إل سيد" المولود في فرنسا لم يكن قادراً على القراءة أو الكتابة باللغة الفصحى. في سنواته الأولى، نبذ جذوره تماماً، في محاولة يائسة للانسجام مع المجتمع الفرنسي وتجنب أي نوع من الاختلاف الذي من شأنه أن يُميزه عن أقرانه.
 
 في فترة المراهقة، بدأ البحث تدريجياً في جذوره العربية التونسية، عبر تعلم القراءة والكتابة بالعربية الفصحى. خلال هذه الرحلة، بدأ بتطوير أسلوبه الفني الذي تمثل في رسم اقتباسات وأشعار بحروف عربية، وجعلها قابلة لاكتساب أشكال هندسية متنوعة، كالتمديد فيها أو جعلها مستديرة أو متشابكة.
 
هكذا، تعكس لوحات "إل سيد" (1981) رسائل حول قيم السلام والتسامح، وهو يهدف من خلالها إلى بناء جسور تتلاقى فيها مختلف الشعوب والثقافات؛ فممارساته، على حد تعبيره، تجربة إنسانية وفنية معاً. قام إل سيد بإنجاز العديد من الجداريات حول العالم، انطلاقاً من باريس ونيويورك، مروراً بالعالم العربي وبعض البلدان الآسيوية.
 
بعد الشهرة الواسعة التي حققها من الجداريات التي أنجزها في أكثر من عاصمة عالمية، شعر "إل سيد" بالحاجة إلى إنجاز أثر فني في بلده الأم تونس، فانتقل في العام 2012 إلى قابس، جنوب البلاد، ثم شرع في البحث عن جدار يمتلك بُعداً اجتماعياً ومعنوياً للرسم عليه. لفتت انتباهه مئذنة مسجد الجارة (57 متراً) التي بُنيت في العام 1994، وبقيت لنحو 18 عاماً على لونها الرمادي. أوحت المئدنة له برِسالة أكثر صلة بالمسجد، على أن تكون مستقاة من القرآن الكريم، فما كان من إلا أن اختار الآية التي تقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا". 
 
دعا الفنان التونسي من خلال هذه الآية إلى ترسيخ قيم السلام والتسامح وقبول الآخر. وكان رد فعل المجتمع المحلي تجاه اللوحة مذهلاً، إذ جعلهم ذلك فخورين برؤية المئذنة تحظى باهتمام كبير من الصحافة الدولية والعالمية. أما بالنسبة إلى إمام مسجد الجارة، فلم يكن الأمر مجرد لوحة، بل كان أعمق من ذلك، إذ أعرب عن أمله بأن تصبح هذه المئذنة نصباً تذكارياً للمدينة، وتجذب الناس إلى هذا المكان المنسي في تونس، علماً أنه زار لاحقاً 17 مدينة وقرية تونسية تاركاً فيها 24 جدارية.
 
 
تجربة أخرى فريدة خاضها "إل سيد" في منطقة منشية ناصر في ضواحي القاهرة في العام 2016. هذه المرة، شكلت التجربة تحدياً حقيقياً له، إذ كان عليه رسم جدارية تتتوزع أجزاؤها على نحو 50 مبنى، لتشكل من بعيد لوحة متكاملة. أما الدافع وراء قرار الفنان التونسي خوض هذه التجربة، فهو يعود إلى تسليط الضوء على سكان المنطقة التي تضم مسلمين ومسيحيين يعيشون بهدوء وسلام، والذين نجحوا في تطوير تقنية جيدة لتدوير النفايات بنسبة