أحداث ثقافية أخرى
تفجير المرفأ وعجز الكتابة والقراءة
محمد حجيري
الجمعة 6 آب 2021

تعلّق الاعلامية ليال خروبي في فايسبوكها قائلة "معتكفة عن قراءة أي نص يرتبط بـ4 آب، نجترّ الموت، كأننا ابتلعناه أصلاً، كأنه فارق أفواهنا، أنا الآن كائن بليد الاحساس، لن تهزّني الذكرى، سأنتظر أعواماً وبُعداً قادماً لا محالة، قبل أن أُخرج الموت من جوفي وأقرأه أو أكتبه
بالتالي الصدمة أقوى من أي شيء يكتب"... 
 
ليست المرة الأولى التي أقرأ مثل هذا التعليق، هو رائج وسائد في وسائل التواصل الاجتماعي، أحياناً يكون قرفاً من الواقع السياسي، ومرات يُكتبُ يأساً من الواقع الاجتماعي، أو مللاً من الطموح التغييري والثوري... في ما يتعلق بتفجير مرفأ بيروت، ربما الكلمات التنظيرات أو التعليقات الكثيرة، تعجز عن قول أي شيء أمام هول الفاجعة والألم والدم المراق والنازف والنفسيات المحطمة والأرواح المحتضرة... ربما لأن الفيديوهات التي انتشرت عن انفجار المرفأ، والتي يتكرر بثها في نشرات الأخبار أو صفحات الفايسبوك، اختصرت كل شيء، أتخمتنا بصور الموت والرعب والتوحش. قالت ما يمكن قوله، قالت المُقال والذي سيقال مباشرة في اللحظة التي وقعت الواقعة وحفرت عميقاً في وجداننا ونفوسنا... مئات الكاميرات والهواتف النقالة، صوّرتْ أو نقلتْ مواقع الفاجعة والكارثة من زوايا مختلفة من البحر والبر والجو، من المنازل والشوارع والنوافذ والشرفات... انفجار نووي في مكان، وألم وموت ودم في أنحاء بيروت، زجاج في الأجساد الوجوه والعيون، فهل ترتقي السرديات الكتابية لتكون بمستوى الصورة؟ وهل ترتقي اللغة لتكون الألم؟ وهل ترتقي السينما الخيالية لتكون بمستوى الواقع؟ وهل يمكن للشاعر أن يقول الأهوال؟ 
 
تفجير مرفأ بيروت فاجعة كبرى يصعب توصيفها، هي حتى الآن، تبدو أكبر بكثير من أن يعبر عنها في الفنون والآداب، هناك كتابات كثيرة حاولت أن تقول شيئاً عنه، لكن في وجدان الناس بقي هول الحدث أقوى بكثير من أي تجارب أو كتابات تحاول التطرق إلى ما حصل... في الشعر بقيت الكتابة خجولة واقتصرت على دواوين وقصائد قليلة من هنا وهناك. هي قصائد تعيش هول الصدمة والانفجار، وتسأل ما إذا كان في الإمكان الكتابة عما حصل. في الرسم ثمة تجارب حاولت أن تقول شيئاً من خلال إبراز الألم الفردي والصرخة في لحظة المأساة، وهناك أعمال جاءت نمطية ومستعجلة وضمن قوالب جاهزة وركيكة. فنانون أصبحوا "ماركة مسجلة"، قاموا بإسقاط انفجار المرفأ على أعمال كانوا قدموها سابقاً... ثمة أعمال لهواة قائمة على الابتذال والتسرع والكيتش، أدواتها صور الانفجار والعلَم اللبناني والأرزة ومواطن أو مواطنة تتألم، وكليشيهات من هنا وهناك أشبه بالمدرسية. فنان مثلاً رسم لوحة، تحاكي "طوافة للجيش اللبناني في مهمة إنقاذ بعد دقائق من إنفجار مرفأ بيروت"، وقال بعد اطلاق اللوحة: "إن الفن يتحسس جداً معاناة شعبنا خصوصاً بحجم جريمة كبيرة كإنفجار مرفأ بيروت وما خلفه من سقوط شهداء وجرحى وتدمير عاصمتنا بيروت. وبالتأكيد تأتي اللوحة لتوقظ الضمائر الى ضرورة محاسبة جميع المسؤولين". فنان بريطاني يقيم في بيروت، يسارع الى رسم كل حدث لبناني في أعماله، يرسم الوقائع بطريقة تخلو من أي جهد خيالي، يعمد الى استسهال تحويل صور الفوتوغرافية الى أعمال ملونة بلا نكهة.
 
الأرجح أن انفجار مرفأ بيروت، لو حصل في أوروبا أو أميركا، لكان التعاطي الثقافي والأدبي والسياسي معه سيكون مختلفاً وبشكل جذري... من ناحية كانت "الدولة" حمّلتْ النظام المسؤولية، وسقط "رموزها" من دون تظاهرات أو احتجاجات. لا يحتاج مثل هكذا انفجار الكثير من التفسيرات حتى يفهم أركان الدولة مسؤوليتهم، ويذهبوا الى المحاكمة، على عكس لبنان الذي يبدو أن كل السلطة (هي غير الدولة) كانت على علم بالأمونيوم، لكنها تتصرف كـ"شاهد ما شافش حاجة"... في الكتابة، لو أننا في أوروبا، كان كثر ليبحثوا عن الحقيقة ويصدروا الكتب عن أصل الأمونيوم وفصله، ولأصدر مؤرخون كتباً عن تاريخ المرفأ والمدينة، ولصعدت موجة روايات وأفلام وأبحاث ودراسات تكون مفاجئة باعتبارهم مجتمعات فردية، لديها هامش كبير من الحرية والرؤية، وما زالت تهتم بالكتب والتوثيق بشكل جدي...
 
في لبنان كل شيء انهار أو تصدع، لا أحد يجرؤ على قول الحقيقة في السياسة والقضاء، وبالتالي ثمة مخاطر من إصدار كتب عن حقائق الأمونيوم وتداعياته.. في التاريخ، بعض النخب كتبت دراسات لافتة عن تاريخ المرفأ من أيام المصريين والعثمانيين مروراً بالفرنسيين وحتى الحرب الأهلية، لكن المحنة أن الكارثة في المرفأ حصلت في زمن الأزمة الصحية والاقتصادية التي انعكست سلباً على كل شيء ثقافي، سواء إصدار الكتب أو بيعها أو قراءتها. في الرواية، من المبكر الحكم على ما إذا كانتْ الروايات الأدبية اللبنانية ستستلهم انفجار المرفأ، لكن في كواليس ما حصل، من فساد واستهتار وقتل، ما يوحي بأن المرفأ مادة دسمة للكتابة البوليسية... بعض المتضررين من التفجير كتبوا عن ذلك اليوم المشؤوم في حياتهم، وفي حياة المدينة، لكن الكتابات بقيت في إطار ضيق...
 
 
المصدر: المدن