فيروز والسيلفي التي تأخرت دهراً
وليد بركسية
السبت 26 حزيران 2021
من المذهل أن يكون العام 2021 هو العام الذي يشهد نشر أول صورة سيلفي لمغنية جماهيرية مثل فيروز التي تبقى قريبة وبعيدة من جمهورها في آن معاً، وتحيطها تلك الهالة من الغموض الآتي من زمن منصرم لا يشبه تفاصيل الحياة المعاصرة بشيء تقريباً.
تعود جذور السيلفي إلى نحو 200 عام، بشكل لوحة شخصية للرسام الأميركي روبرت كورنيليوس العام 1839. ورغم أن رسم صورة يختلف عن التقاط صورة فوتوغرافية إلا أن الجوهر واحد. وحتى مع الحديث عن السيلفي بمفهومها المعاصر، وهي الكلمة التي اختارها معجم "أوكسفورد" كلمة العام في 2013، فإن فيروز تبقى متأخرة عن الركب 19 عاماً لأن السيلفي ككلمة ظهرت لأول مرة في منتدى عبر الإنترنت العام 2002 من طريق رجل أسترالي نشر صورة شخصية له، قبل أن يتحول الموضوع إلى ظاهرة مدفوعة بانتشار الهواتف الذكية وتحرير التصوير الفوتوغرافي من ضرورة امتلاك كاميرا. وتقول نجمة المجتمع الأميركية باريس هيلتون، مراراً وتكراراً، أنها اخترعت السيلفي بين المشاهير بصورة معروفة لها مع أيقونة البوب بريتني سبيرز قبل 15 عاماً.
السؤال المهم هنا هو لماذا يتم وضع فيروز، من قبلها أو من قبل المحيطين بها، في تلك الخانة التي ترفعها عن بقية البشر، رغم أنها في النهاية واحدة من المشاهير، وإنسانة، تستحق، إن أرادت، أن تعيش ضمن لغة الحاضر ومحدداته؟
وهنا، يتم ربط فيروز (86 عاماً) عادة بمفاهيم ثقيلة أكبر من أن يحملها الفن نفسه، مثل حب الوطن والأمومة وصولاً للتدين والقيم المحافظة التي يمثلها صوت فيروز كصوت للبنان المسيحي المحافظ، بعكس الصورة التي عكستها صورة نظيرتها الراحلة صباح كوجه للبنان الليبرالي الأكثر تحرراً.
لكن ذلك الحديث يعود إلى حقبة ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية. في الوقت الراهن تظهر فيروز كصورة للماضي بوصفه حقبة زمنية أفضل، ويتم تأطير صورة السيلفي الأولى لها فعلياً بعبارة "الماضي خلفي". كما تمثل صورة لحقبة ما قبل "البوب" كنمط موسيقي سائد ليس فقط في العالم العربي بل في العالم ككل، عبر المقارنات الدائمة بين فيروز ومادونا على سبيل المثال منذ أغنية "إيروتيكا" العام 1992 التي تقول فيروز أنها تتضمن أجزاء من ترتيلة دينية شهيرة لها.
وبالتالي فإن تأخر فيروز عن ركب السائد هو جزء من تلك الصورة القائمة على تكريس الحنين إلى ماضٍ يتم تصويره دائماً كزمن أفضل وأبسط، حتى لو لم يكن كذلك فعلاً. ويصبح الفارق التكنولوجي واحداً من النقاط الجوهرية التي تفرق بين الحاضر المعقد والماضي البسيط. ويصبح صوت فيروز في المخيلة الجمعية لجمهورها، تجسيداً لذلك العالم القديم الخالي من المشاكل الاقتصادية والأمنية، في حقبة شهدت حروباً وانتفاضات ثورية ومشاكل مجتمعية كثيرة.
وعليه، قد تصبح السيلفي نفسها اليوم، شيئاً عتيق الطراز لدرجة تسمح بأن تستخدمها فيروز لمخاطبة جمهورها بعيداً من الصور الرسمية التي يتم التقاطها لها في فترات متباعدة، كان آخرها بعد انفجار بيروت في آب/أغسطس الماضي عندما زارها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منزلها، وكانت الصور شديدة الرسمية التقطها مصور خاص، لكن الحديث عندها تركز على احتكار ابنتها ريما الرحباني حق التصوير وتوزيع الصور عبر صفحات فيروز الرسمية وعدد من وسائل الإعلام المختارة، وهو جدل يتكرر اليوم أيضاً.
لكن فضول الناس للتلصص على تفاصيل حياة فيروز اليومية والخاصة، لا يتواجد اليوم لأن السيلفي لا تركز على الخلفية بقدر ما تركز على وجوهها. بالتالي، تأرجحت التعليقات الأخيرة بين التنمر وضد التنمر، لأن وجه فيروز المسن ووجه ريما لم يعجبا البعض ممن يرسمون لفيروز صورة خيالية كجارة للقمر لا تشيخ ولا تتقدم في العمر، ولعلها غذّتها هي نفسها باحتجابها عن الظهور.
بالطبع من حق فيروز أن تختفي وتظهر كما تشاء، لكن مكانتها في الموسيقى العربية تجعلها دائمة الحضور، حتى عندما تريد الغياب. وبالتالي لم يكن المشهد أخيراً في مواقع التواصل مفاجئاً، بما في ذلك الهجوم على ريما الرحباني بوصف إطلالتها "ذكورية"، وهي تعليقات قميئة في أقل تقدير، مهما كانت مواقف الأشخاص من طريقة احتكار ريما لفيروز.
المثير للاهتمام في كل ما سبق، أن المغنيات المعاصرات يعانين مشكلة المقارنة مع فيروز بوصفهن نجمات بوب، كتصنيف تحقيري لهذا النمط من الموسيقى الذي يراه البعض تجارياً، ودائماً ما يتم ربطه في المخيلة العامة بالجسد والعاطفة السريعة والجنس، بما في ذلك المغنية المغربية سميرة سعيد وهي واحدة من المُجدّدات في الموسيقى العربية الجماهيرية منذ ثمانينات القرن الماضي. وضمن هذا المحدد يتم انتقاد المغنيات المتقدمات في السن، كسميرة سعيد (63 عاماً) من باب "التصابي"، أي التصرف بطريقة لا تليق بسيدات في سنهن!
واشتكت سعيد تحديداً قبل سنوات، في تصريحات محقة، من الدعوات المستمرة لها كي تعتزل لأنها كبرت في السن، ويرتبط ذلك بتمييز قبيح مزدوج: جنسي وعُمري لم تعانِ منه فيروز بأثر من ابتعادها غالباً عن الأضواء. وبالتالي، فإن تعرضها لتعليقات ترتقي للتمييز القائم على السن (Ageism) اليوم يبدو لافتاً، وكأن السيلفي ومن قبلها كل ما قامت به ريما الرحباني خلال السنوات الماضية، لصورة فيروز ونشاطها الفني المتضمن ألبوماً جدلياً بعنوان "ببالي" العام 2017 (بغض النظر عن الجودة)، كسر قداسة فيروز قليلاً، وجعل كثيرين يرونها من زاوية مختلفة، كمغنية، بدلاً من الأيقونة المتسامية، ولو لم تتقصّد ريما ذلك وتعاملت هي نفسها مع أمها كقيمة مترفّعة.
المصدر: المدن