هل يمكن طائرة مدنية عملاقة من طراز بوينغ 200 - 777؛ طولها أكثر من ستين متراً وارتفاعها يقارب بناية من خمسة طوابق وفيها أكثر من مئتي راكب أن تختفي بسهولة ولا يعثر لها على أثر؟ من يقف وراء اختفائها؟ عطل فني أم عمل ارهابي أو أنها أُسقطت بصاروخ أطلق عليها من طريق الخطأ من قاعدة عسكرية؟
كل تلك الأسئلة ظلت، ولمدة ثلاث سنوات، من دون اجابة. وإلى حين اغلاق التحقيقات في بداية العام الحالي، لم يعرف أهالي وأقارب الضحايا شيئاً عن موتهم أو غيابهم المريب، ما دفع فريق العمل التلفزيوني الفرنسي البحث بنفسه عن أجوبة أو على الأقل معرفة نتائج التحقيقات وتفاصيلها وكيف يشعر أهالي الضحايا اليوم بعد اعلان توقفها.
يبدأ برنامج «الوجهة المجهولة إم إتش 370 « بعرض لقطات سجلتها عدسات مراقبة مطار كوالالمبور لركابها أثناء عملية تفتيشهم الروتينية قبل دخولهم الى متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الماليزية بلحظات. اللقطات تُعرض لأول مرة، أما الوجوه التي تظهر فيها فلن يراها أحد ثانية لأنها اختفت باختفاء الطائرة التي أقلّتهم على رحلتها المرقمة (إم إتش 370) المتجهة الى بكين.
ونظراً الى غموض اختفاء الطائرة وسرية التحقيقات وتكتم دول وشركات على نتائج البحث، يمضي فريق العمل مدة طويلة في فحص تفاصيل دقيقة متعلقة بالحادث ثم يقوم بعد ذلك بمقارنتها لمعرفة مقدار تطابقها مع المنطق العلمي ومع آراء الخبراء والعلماء المختصين بالطيران، اضافة الى أطراف غير رسمية دخلت على خط القضية وقدمت مساهمات مفيدة لكنها لم تحسم نتائج التحقيقات ولم تساعد على فتحها ثانية، ما دفع أهالي الضحايا للتشكيك فيها وباحتمال وجود جهات لا تريد التصريح بما توصلت اليه، بل يذهب بعضهم الى الاعتقاد بأن ذويهم وأحبتهم ما زالوا أحياء وهم رهن الاعتقال في مكان ما!.
يشير الوثائقي (عرض على القناة التلفزيونية السويدية) الى كل تلك الجوانب من دون البت في صحة أي منها، حتى تلك التي تبدو أكثر قرباً للحقيقة، لكنه في جانب آخر يشير إلى وجود اهمال وتقاعس عند أطراف معنية بالحادث مباشرة مثل؛ السلطات الماليزية والصينية والأسترالية.
تشير المعطيات المثبتة في حواسيب أجهزة مراقبة الطيران الى انطلاق الطائرة بعد منتصف ليل الثامن من مارس (آذار) 2014 وكان كل شيء فيها على ما يرام، ولكن وبعد مرور ساعة تقريباً على اقلاعها انقطع الاتصال بها تماماً. واحدة من الحقائق المثيرة للاستغراب، رجوع الطائرة عن خط سيرها أثناء اقترابها من فييتنام ثم عبورها عرضاً ماليزيا باتجاه المحيط الهندي، الذي سارت فوقه قرابة سبع ساعات من دون أن يعرف سبب ذلك الرجوع.
والحقيقة الثانية أن الإشارات اللاسلكية المنطلقة من الطائرة لم تنقطع بالكامل، وفق القمر الاصطناعي البريطاني «إنمارسات». فلماذا أخفت الجهات الماليزية تلك الحقيقة؟. عمليات البحث التي كُلفت بها أستراليا دامت سنوات وكلّفت قرابة مئتي مليون دولار أميركي لكنها لم تنجح في العثور على هيكل الطائرة ولا على جثة أحد من ركابها.
يترك البرنامج التحقيق ونتائجه ويذهب برفقة مغامر أميركي أثاره غموض الحادث فراح يبحث بنفسه عن أجزاء من الطائرة المنكوبة، قرب السواحل الأفريقية وتحديداً سواحل جزيرة مدغشقر وليس السواحل الأسترالية كما ذهب التحقيق. وعن سبب هذا الاتجاه قال بلين غيبسون وهو يقود سيارة «غولف»: «البحر يلفظ هنا ما في جوفه من قذارات يرميها الإنسان وأيضاً بعض حطام سفن وطائرات». بعد ثلاث ساعات من مرافقته عثر على قطعة اعتقد أنها تعود الى الطائرة وبعد تصويرها تأكد ذلك ما طرح سؤالاً عن عجز سلطات دول وجيوش وشركات مختصة عن العثور على أجزاء من الطائرة بينما استطاع مغامر أن يعثر بيديه فقط على ما يُفيد التحقيقات؟
أما الجهات الماليزية فبرّرت عدم ذهابها الى السواحل الأفريقية باعتمادها على نتائج القمر الاصطناعي البريطاني الذي حدد مكان السقوط قرب أستراليا، وتركيزها على جوانب محتملة أخرى منها؛ تورط الطيار في الحادث أو وقوف منظمات ارهابية وراءه أو وجود أخطاء تقنية أدت الى سقوطها. معظم الخبراء الذين قابلهم البرنامج استبعدوا احتمال حدوث عطل كلي في أجهزة الاتصال ورجحوا احتمال حدوث سقوط سريع لها.
يلتقط الوثائقي اشارات الخبراء ويقاربها مع معلومات ذكرها مدير شركة طيران سابق اسمه مارك دوغان في مقال نشره في مجلة متخصصة ورجح فيه، إسقاط الطائرة بصواريخ أميركية عند اقترابها من قاعدتها العسكرية الإستراتيجية في جزيرة «ديغو غارسيا».
لقد تضمّن مقاله وصفاً افتراضياً لاقتراب الطائرة «التائهة» فوق المحيط الهندي من حدود الجزيرة، ما دفع الجيش الى اطلاق صواريخ لإسقاطها خوفاً من أن تكون هدفاً عدائياً. بعد نشره المقال تلقى كاتبه تهديدات من جهات أمنية وصفت خطوته «بالخطيرة وباللعب بالنار»، بعدها أعلن توقفه الخوض في الموضوع «خوفاً على حياته».
وللتأكد من اقتراب الطائرة من «ديغو غارسيا» ذهب الوثائقي الى كوداهوفادو، احدى جزر المالديف، وقابل عدداً من سكانها الذين أكدوا له رؤيتهم طائرة ركاب كبيرة باللونين الأزرق والأحمر تمرّ فوق جزيرتهم على غير المألوف، فالطائرات الكبيرة لا تمر من هناك عادة. الجهات المسؤولة في المالديف كذّبوا السكان وأحالوا فريق العمل على الجهات الماليزية المعنية بالتحقيق.
وصول الأجزاء المتناثرة من الطائرة الى السواحل الأفريقية يعزز فكرة احتمال سقوط الطائرة قرب القاعدة الأميركية، وبعد العثور على جزء من جناحها قرب ساحل جزيرة «رينيون» زادت القناعة بذلك وإن لم تُحسم في شكل نهائي. ومع هذا لم تحضر الجهات الماليزية الى هناك ولم تحقق في الأمر أو تتحمس على الأقل لمعرفة ما إذا كانت هناك آثار لمواد متفجرة على سطح الجناح. بل اكتفت بالصمت، ما دفع بالمغامر الأميركي الى التشكيك في الجهات المتولية التحقيق، التي عجزت عن العثور على أجزاء من الطائرة الغريقة في حين حصل هو حتى الشهر الثاني من السنة الحالية على ثلاثين قطعة منها. وقال أخيراً: «على المحققين والسلطات الماليزية التزام الشفافية ومكاشفة أهالي الضحايا المساكين بكل ما تعرفه عن ملابسات الحادث».
المصدر: الحياة