أحداث ثقافية أخرى
هناك دائماً مهاجرون أكثرهم من البلاد العربية
قيس قاسم
الثلاثاء 4 تموز 2017

فوز فيلم السويدي روبين أوستلوند «المربع» بسعفة «كان» الذهبية، ونزول فيلم العراقي الأصل الدنماركي الجنسية فنار أحمد «داركلاند» الى الأسواق العالمية، والمديح النقدي الذي اُستقبل به فيلم الفلندي آكي كوريسماكي «جانب آخر من الأمل»، كلها أخبار تحفز على مراجعة -ولو بإيجاز- المشهد السينمائي الاسكندنافي، ولم يجانب الناقد ابراهيم العريس الصواب حين أشار خلال تغطيته الدورة الأخيرة لمهرجان «كان» السينمائي الى وجود سينما شمال أوروبية تقدم اليوم منجزاً مهماً وعلى طريقتها الخاصة. قبل كل شيء تسمية «سينما اسكندنافية» قابلة للنقاش مع أن الجدل حول خصائص المنطقة جيو-سياسياً وثقافياً نادر وثمة شبه اتفاق على وجود مشتركات كثيرة لسكان الجزء الشمالي من القارة الأوروبية، لطالما أكدته أعمال سينمائييها وتقديم أنفسهم على أنهم جزء من روح الثقافة «الاسكندنافية» المنعكسة في الفن السابع كما في بقية الفنون والآداب مع كل تشبثهم بمبدأ «الفيلم لمبدعه في النهاية»، وتجربة الدنماركي لارش فون تريه مثالاً. في كل أعماله وبخاصة الأولى منها عكس روحاً لامست بدرجات جوار الدنمارك وأشعرت سكانه بأنه يقدم نماذج ورؤية قريبة من رؤيتهم الى ذاتهم والعالم، وهكذا كان الحال مع الراحل إنغمار برغمان، مع اختلاف أسلوب عمله وحجم شهرته، لكن من يعارض روحه الشمالية؟

الإسمان ربما يشيران الى الميزة الأهم في المنجز السينمائي الاسكندنافي، الخصوصية. ليس كم الأفلام المنتجة فيها ولا نجاحاتها التجارية ما يميزها بل تلك الأسماء الكبيرة، التي خرجت وكل واحد منها يمثل تقريباً خطاً سينمائياً متفرداً. فشغل روي أندرسون لا مثيل له. طليعي بامتياز لغته متفردة وأسلوبه المغاير يضعه بين «ثوار» عالم السينما وأفلامه («قصة حب»، «أغاني من الطابق الثاني» وآخرها «حمامة جالسة على غصن تتأمل في الوجود») تشي بطليعيّته وبانتمائه الى المدرسة «الراديكالية السويدية». وهناك أيضاً الفلندي «الصموت» كوريسماكي، يمضي وحيداً في طريق اختطه لنفسه وصارت له سمة. خروج «دوغما 95» من بلد أوربي شمالي صغير أراد بعناده ضد السائد التجاري أن يتوافق مع رغبة واعية لمناكفة «الهوليوودي» بمعناه الاقتصادي الايدلوجي لا الفني. وشغل صاحب الفائز مؤخراً بالسعفة الذهبية لا يشبه سواه. شاهدناه في «توريست» يغور في أعماق أبطاله ويفككها في الوقت نفسه يبقي المشهد عاماً واقعياً مفتوحاً على تأويلات وقراءات متعددة على غرار فيلمه المثير للجدل «لعب» والقصير مثله الفائز بجائزة الدب الذهب «حادثة عند البنك».

 

سينما المهاجرين

وسط مناخ منفتح كالموجود في اسكندنافيا وفي ظل غياب تقاليد هجرة، كانت هناك دائماً- على رغم ذلك- فرص بروز لسينمائيين مهاجرين من داخلها موجودة على الدوام. على غير تجربة بلدان المستعمرات (بريطانيا، فرنسا) على سبيل المثال، انحصرت الوجوه السينمائية في المشهد الاسكندنافي تقريباً بالجيل الثاني من المهاجرين، فيما لم تتوافر للجيل الأول، وعدد غير قليل منهم يتوافر على موهبة سينمائية مشهود لها، فرص جيدة، لعوامل كثيرة من بينها جهل المؤسسات الانتاجية بوجودهم الى جانب صعوبة تأقلم بعضهم بسبب اللغة وغيرها من أسباب -تستحق دراسة منفصلة- منعت من ظهورهم في شكل جيد في المشهد السينمائي. حتى الجيل الثاني قلة منهم ولدوا فيها ومع ذلك برز الأخوان اللبنانيان فارس وجوزيف فارس. الأخير انقطع عن الإخراج بعد نجاحاته اللافتة في «يلا يلا» و «زوزو» وغيرها، ليكرس وقته الآن لإخراج «ألعاب للفيديو» بعضها لاقى قبولاً نقدياً كبيراً، فيما الممثل فارس فارس يلعب أدواراً مهمة في أعمال سينمائية داخل أوروبا وخارجها ومشاركته الأخيرة في فيلم «كومونة» الدنماركي من بين أبرزها.

وفي النروج يبرز اسم الكردي العراقي هشام زمان وتميز شغله بعمق المعالجة وعلو مستواه الفني. ويجمع زمان مع الأخوين فارس وبقية أغلب المهاجرين هاجس «الاغتراب» والتصادم الثقافي في المجتمعات الجديدة. ولعل فوز زمان بجائزتي أفضل فيلم من دول الشمال خلال دورتي لمهرجان غوتنبرغ السينمائي يتمحوران حولها، يقول الكثير. بدت موهبته ظاهرة في «قبل سقوط الثلج» وقتها وصفناه بـ «حكاء واعد يعرف كيف يمسك خيوط الحكاية ويمضي بها الى أقصى حدودها». ثم نراه يتوج تلك الموهبة في «رسالة الى الملك» المرتقي مستواه الى مستوى الأفلام الكبيرة، التي تدخل الى عوالم واسعة من خلال حكاية مهاجرين كحكاية العجوز الكردي، الذي أراد العودة الى كردستان وظل يطلب لقلة حيلته مساعدة الملك على تحقيق حلمه الصغير!

واليوم في كوبنهاغن يقترن اسم فنار أحمد بأسماء دنماركية مهمة ويعوَّل على موهبته كثيراً في تقديم أعمال سينمائية لمخرجين من أصول مهاجرة يعرفون جيداً مادتهم، بخاصة تلك المتعلقة بأصولهم ووجودهم «المهمش» في المجتمع. وفيلمه الأخير على رغم ما فيه من طابع «مغامرة» و «إثارة» لا يحيد عن الدرب فيعود الى أصل المشكلات، التي يُعانيها المهاجرون وكيف تجر مَن يحاول التكيف منهم مع المجتمع الجديد ويتوافق مع شروطه، الى مواقع لا يريد العودة اليها والانغمار في مشكلاتها. لكن ما جرى للطبيب العراقي أعاد دورة الأزمان الى بدياتها وزج به في مغامرة الانتقام من قتلة أخيه المتورط بأعمال غير قانونية. «داركلاند» حظى بقبول نقدي محلي وانفتحت أمامه فرص العروض التجارية العالمية الى جانب المشاركة في المهرجانات السينمائية المهمة وكرس معه اسم الموهوب «دار سالم» ممثلاً. دار (ذرى اسمه الحقيقي) عراقي الأصل كبر في الدنمارك ودخل عالم السينما والتلفزيون بخطوات متدرجة حتى أضحى من بين الممثلين الدنماركيين المطلوبين في شكل خاص في المسلسلات التلفزيونية لدوره الرائع في واحد من أهمها، «بورغن» ولأدائه الجيد في أفلام متباينة المستوى مثل «مع السلامة جميل»، «حقائق عن الرجال»، «اختطاف»، «خروج: ألهة وملوك». وهو برع في أغلبها كما برع ابن بلده فنار وفرض حضوره رغم صغر سنه، بفضل قوة صنعته وقدرته على كتابة نصوص تلامس موضوع الهجرة والمهاجرين من زاوية لا تتوافق بالضرورة مع اتجاهات خاصة لكنه يعرف كيف يصيغها بلغة سينمائية مقبولة على نطاق واسع، وفرصته لاختيار أعمال تنحو نحو التفرد كبيرة لقوة تأسيسه وانفتاح المجال أمامه لإنجاز ما يتوافق مع رؤيته كمخرج دنماركي الثقافة من أصول مهاجرة لم يتنكر لها ولم يترفع عن الاقتراب منها، حاله حال جيل جديد لن يغيب عن المشهد السينمائي الاسكندنافي الشديد الخصوصية!

 

المصدر: الحياة