أحداث ثقافية أخرى
من الانحراف إلى الجهاد بين رف الكتب
العرب اللندنية
الإثنين 3 تموز 2017

الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبري يتساءل في كتابه عن الحضارة ما هي؟ كيف تنشأ، وكيف تموت؟ ويرى أن زوالها تساعد على الإجابة عن تلك الأسئلة.

أن يقعوا ضحايا رجال، أو نساء، يلقنونهم أيديولوجيا الكراهية والعنف، ثم يوجهونهم إلى بقع التوتر، فيتحولون من منحرفين إلى مجاهدين، وإرهابيين. أهمية الكتاب لا تكمن في توصيف الظاهرة، بعد أن أصبحت معروفة، ولكن في سبل وقاية الشباب منها، عبر فتح أبواب أمل، كالالتحاق بالورشات الفنية، والمساهمة في الأنشطة الرياضية والثقافية، والخضوع لعمليات تكوين تعليمية ومهنية للحصل على مؤهلات تسمح بالاندماج في النسيج المجتمعي.

السعي إلى موسوعة الأنوار

جديد الروائي الإسباني، عضو الأكاديمية الملكية الإسبانية، أرتورو بيريث ريفرتي رواية عنوانها "رجلان طيبان". رواية يأتلف فيها الخيال والحقائق التاريخية الموثقة، تروي رحلة شاقة أداها رجلان طيبان إلى باريس، للحصول على الموسوعة الفرنسية بأجزائها الثمانية والعشرين، نزولا عند طلب الأكاديمية الملكية الإسبانية، رغم أن تلك الموسوعة كانت محظورة في إسبانيا. يبرع الكاتب في تصوير تلك الرحلة الشاقة من مدريد إلى باريس، لا سيما أن الطريق كانت محفوفة بمخاطر ليس أقلها قطاع الطرق، ووصف الحياة الخليع في مدينة باريس في أواخر القرن الثامن عشر، بصالوناتها ومقاهيها ومكتباتها وتفسخ أهلها واضطراباتها السياسية. ولكن الصعوبات لم تزل بوصولهما إلى باريس، إذ اكتشفا أن نسخ الموسوعة نفدت، وأن جانبا من أعضاء الأكاديمية الإسبانية كان يعارض فكر الأنوار، فأرسل في أثرهما جاسوسا لإفشال العملية بشتى الطرق.

دروس هايدغر الأولى

صدر مؤخرا كتاب بعنوان "نحو تحديد للفلسفة" جمع درسين أولين كان ألقاهما هايدغر عام 1919 في جامعة فريبورغ، أي بعيد هزيمة ألمانيا، حاول من خلالهما الإجابة عن الأسئلة: ما معنى التفلسف في زمن أزمة؟ هل يكفي الرجوع إلى القيم للهروب من شدّة الحاضر؟ ما هي الروابط بين الفكر والعلم والحياة؟ هذان الدرسان يمثلان التعبير العلني الأول لفكر يبحث عن كلمات تُنطِقه، ومنهجية للوصول إلى مجاله. وكان الشاب هايدغر يجادل معاصريه، لا سيما أنصار كانْت الجدد، عن مفهوم "الثقافة" التي فقدت جلاءها بعد أعوام أربعة من العنف المدمر. من وراء نقد مصطلح الثقافة والقيم تبرز نية تقريب الفلسفة من المعيش في بعده اليومي، الذي عادة ما تهمله نظرية المعرفة. وبصرف النظر عن الظرف التاريخي، فإن الدرسين يعلنان بوضوح وبأسلوب بيداغوجي الحركات النظرية التي ستستعمل في "الوجود والزمن".

كلنا أميركان

"حضارة: كيف أصبحنا أميركيين" هو آخر ما صدر للفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبري. يتساءل فيه عن الحضارة. ما هي؟ كيف تنشأ، وكيف تموت؟ ويرى أن زوال الحضارة الفرنسية تساعد على الإجابة عن تلك الأسئلة. فمن خلال السي آي إي إلى الراب، ومن "بيت الورق" إلى "البارون الأسود" ومن انتخاباتهم التمهيدية إلى انتخابات الفرنسيين نلمس تأثر الثقافة الفرنسية بالحضارة الأميركية. بأسلوب طريف وساخر، يربط دوبري اليومي بتاريخ الإنسانية الطويل، ليذكر علاقة اليونان القديمة بالإمبراطورية الرومانية، ويبين كيف أن انتقال الهيمنة يضيء لنا الحاضر بجلاء. ذلك أن الحضارة في رأيه ليست سوى واقع متحرك. هي نظرة تأمل تنطلق لا محالة من الواقع الفرنسي المعيش في شتى تجلياته، ولكنها تنطبق أيضا على شتى الثقافات، التي تشهد غزوا أميركيا غير مباشر، عن طريق السينما والموسيقى والرياضة والأكل واللباس والسجائر.

عدو البيئة

بعد "هومو إركتوس" (الإنسان المنتصب) و"هومو هابيليس" (الإنسان الماهر) و"هومو سابينس" (الإنسان العاقل)، ها نحن اليوم أمام مصطلح جديد هو "هومو ديتريتوس" (إنسان الفضلات) عنوان كتاب جديد للباحث باتيست مونساجون، أي ذلك الذي يعيش في مجتمع الفضلات والبقايا والحطام، وقد باتت كلها سمة إنسان هذا العصر، حيث يكدس فضلاته في مصب النفايات أو ينشرها على صفحات المحيطات، أو يبثها في الجو في شكل هباءات لا مرئية. لقد كان الإنسان في الماضي يردم فضلاته أو يحرقها، وصار اليوم يقلصها أو يعيد إنتاجها واستعمالها، زاعما أنه يتخلص مما يسيء إلى البيئة بشكل قطعي، ولكن ادعاءه، يقول الكاتب، كادعاء ذكور قبيلة "شاغا" الذين يزعمون أنهم لا يتبرزون أبدا. فبرغم الوسائل التقنية الحديثة، لا تزال المؤسسات الصناعية تصنع عمى جماعيا. فهومو ديتريتوس، الوجه المقنع لهومو إيكونوميكوس، يوهم بأنه أنقذ كوكبنا بـ "إلقاء الفضلات بشكل جيد".

العالم يرتد إلى الوراء

خمسة عشر مفكرا من مختلف الثقافات يلتقون في كتاب بعنوان" عصر الارتداد" للحديث، كل من جهته، عن دخول العالم في دوامة من التقلبات عقب سقوط جدار برلين، وتكذيب ما ذهب إليه فوكوياما في "نهاية التاريخ". ذلك الحدث شكل نقطة فارقة بين عصرين، عصر التوق إلى عولمة تقرب الناس بعضهم من بعض، وعصر الانتكاس والعودة إلى الوراء، بظهور أحزاب يمينية متطرفة، وأفكار ديماغوجية كالتي يمثلها ترامب، والدعوة إلى استرجاع السيادة، كما في البريكسيت البريطاني، والنزوع إلى الفاشية والاستبداد كما في بعض بلدان أوروبا الشرقية كالمجر وبولندا، والدعوة إلى العظمة والصفاء القومي على غرار ما ينادي به بوتن في روسيا ونارنرا مودي في الهند، إضافة إلى حملات كراهية واسعة للإجانب، وجرائم عنصرية متكاثرة، وتصلب الخطب السياسية، ورواج نظرية المؤامرة وعهد ما بعد الحقيقة، والدعوة إلى إقامة جدران عازلة.




المصدر: العرب اللندنية