أحداث ثقافية أخرى
لبنان في السلام له: طبيعي ومركب وملون
روجيه عوطة
الإثنين 24 أيار 2021

ثمة سلام توجهه باريس إلى بيروت في هذه الأيام، وهو كناية عن معرض في غاليري terrain vague*، يجمع عدداً من الفنانين الشباب الذين يقدمون أعمالاً حول بلدهم، أو عاصمتهم، في إثر انهياره، أو في نتيجة انفجارها. يمكن القول إن هذا السلام هو سلام جدير بتلقيه، ومرد ذلك، هو أن تلك الأعمال، التي تضمنها، تبرز، وبشكل من الاشكال، تمثيلات هؤلاء الفنانين عن لبنان بما هم من مهاجريه الذين بقيوا على صلة به كمسقط رأس أو مكان عطلة أو محل ذاكرة... اقدم هنا ثلاثة من تلك التمثيلات، التي يمكن الإضافة إليها طبعاً، غير اني اختارها من باب استوقافها لي.
 
التمثيل الأول، هو ما يمكن تسميته التمثيل الطبيعي. بالتأكيد، تسميته هذه لا تدخل في معنى الطبيعة، ولكنها، تختزله ببعده البيئي، المتعلق بالنوع أو بالمنظر. في سياق هذا التمثيل، يندرج عمل ديفيد داوود، لوحة "طريق الأرز"، وعمل ماريت فوس، لوحة "الربيع"، وعمل كلود مولار، تصويرة origènes. في هذه الأعمال، هناك استدعاء للطبيعة، وهو استدعاء ينطوي على فكرة بسيطة: بداية، أنها باقية على الرغم من تدميرها، وهذا، ما يحيل اليه الأرز المغروس في جبل ملتهم، أو الزهور النامية في الحلكة، أو رسوخ الخشب الشجري بعد مرور الزمن عليه. على أن بقاء الطبيعة في هذه الناحية سرعان ما يُربط ببقاء لبنان نفسه، بحيث أنه، وعلى نحوها، عاصي على الرغم مما يحل به. الطبيعة، بهذه الطريقة، هي الملجأ الاستعاري لهذا البلد، أو بالأحرى صارت مرجع قياسه، فطالما انها راسخة، فهو كذلك من باب تعليقه عليها.
 
التمثيل الثاني هو تمثيل تركيبي، تندرج في سياقه الأعمال التي تتركب من مواد مختلفة، كالبلاستيك والخشب والحديد الخ. كذا، عمل هيلين لوت، "ذراع الأنبياء"، أو عمل نايلة معلوف، jtm mon bb. في هذين العملين، يبدو التركيب انه إعادة هيكلة لتلك المواد من أجل الا تعود ما هي عليه في رميها وإهمالها، إنما تصير مدورة على شكل ومضمون. بالطبع، الإشارة عبرها واضحة، وهي الاشارة إلى لبنان بما هو يمكن إنقاذه، أو يمكن إعادة تأليفه، وهذا، من مواده نفسها، التي، وإن بدت من دون قيمة، فذلك لا يلغي ان هيكلتها ستهبها هذه القيمة، فتهبه اياها. على هذا المنوال، التمثيل التركيبي يجد في المواد التي لا حاجة لها في حسبان عام مصدر تجدد للبلد، أو معمل تدويره المتواصل.
 
التمثيل الثالث، هو التمثيل اللوني، الذي يندرج في سياقه عمل سيلين حايك "عبير مديني"، وعمل جان مرعي، "عشتروت الشرق"، وعمل ميسال الخوري، "بيروت في عيد". تتولى الألوان صياغة هذه الأعمال، بحيث تجعل وصفها للبنان وصفاً لخليط، مضبوط في احتفال، أو منفجر في صوره، أو مستقر على كونه رمية حبرية. وفي كل الحالات، هو خليط لا علامات عليه، أو بالأحرى منه، سوى الألوان نفسها، التي، وإن أرجع لبنان إليها، فتكون عندها ألوان ما يسمى "نسيجه". فهذا "النسيج" يتكشف عن خليط مصنوع في أشكال العيد والصور، أو المتروك كرمية في الأفق، في مجهوله، بمصير لا تحديد له، وبحاضر لا أثر له.
 
لا يلغي تقسيم الأعمال الى هذه التمثيلات الثلاث انها تشترك في نقطة بعينها، وهو ليس لبنان، انما تقديمها بعدها الايكولوجي على غيرها من ابعاده. هذا البعد لا يتعلق بارجاع البلد إلى الطبيعة من باب البقاء فقط، بل، وايضا، بالاهتمام بمواده والوانه. بعد ايكولوجي في زمن الانهيار والانفجار؟ ترف ربما، ولكن، بعيدا من ذلك، هو بعد يحمل إلى ما تبقى من إشارات على وجود البلد، وهو وجود لا مبالغة في القول إنه وجود زائل للغاية.
*في قلبي سلام لبيروت، من 6 أيار إلى ١٨ جزيران، terrain vague، 24 rue des fossés Saint Bernard. 
 
 
 
 
المصدر: المدن