هل يصل قطار التطبيع الإسرائيلي إلى العراق؟
المدن
السبت 30 كانون الثاني 2021
يتابع أكثر من 300 ألف شخص، صفحة إسرائيلية رسمية موجهة للشعب العراقي في "فايسبوك" تحمل عنوان "إسرائيل باللهجة العراقية" التي انطلقت العام 2018، ضمن الجهود التي تبذلها تل أبيب لمخاطبة جمهور عربي أوسع ونشر الدعاية المروجة للتطبيع، بما في ذلك صفحة "إسرائيل تتكلم بالعربية" في "فايسبوك" وحساب "إسرئيل في الخليج" في "تويتر".
وأشارت صحيفة "هآرتس" إلى أن اللغة العربية باتت مستخدمة ومطلوبة على نحو متزايد عبر السوشيال ميديا الرسمية في وقت تواجه الحكومة الإسرائيلية انتقادات مستمرة لفشلها في تضمين اللغة العربية على اللافتات والمواقع الرسمية. ونقلت عن ليندا مينوهين، مديرة الصفحة ومستشارة الإعلام الرقمي العربي في وزارة الخارجية، والمولودة في بغداد العام 1950، لصحيفة "هآرتس" أنها أطلقت هذه المبادرة بعد ردود أفعال إيجابية من العراقيين في صفحة إسرائيل تتكلم بالعربية"، حسب زعمها.
وتعتمد الصفحة على تاريخ العراق اليهودي الثري، ما أثار تساؤلات محلية عما "إذا يمكن أن يساعد ذلك في تأمين أكثر اتفاق غير محتمل للتطبيع" مع بغداد التي تعاني من النفوذ الإيراني. وقالت مينوهين أن العراقيين كانوا ثاني أكبر مجموعة تستخدم "إسرائيل تتكلم العربية"، ولم يكونوا يكتبون التعليقات المتشككة والمسيئة كتلك التي يستخدمها مواطنو الدول العربية الأخرى.
وأشارت مينوهين إلى استطلاع أجرته الصفحة، بعد وقت قصير من إطلاقها، جاء فيه أن 43 في المئة من العراقيين يريدون الاعتراف بإسرائيل. وهي تعتقد أن هذا الرقم سيكون أعلى من ذلك اليوم. علماً أنه رغم استمرار العداء تجاه إسرائيل في صفحة "إسرائيل باللهجة العراقية"، تؤيد "شبكة البارومتر العربي" للبحوث، التي أجرت بعضاً من أكبر استطلاعات الرأي العام في الشرق الأوسط، كلام مينوهين.
وخلص استطلاع للشبكة العام 2019 إلى أنه بينما كان 79% من اللبنانيين ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها أكبر عدو لهم، كان 21% فقط من العراقيين يشاركونهم هذا الشعور، وهي واحدة من أدنى النسب في جميع الدول العربية. وفسرت هآرتس ذلك بـ"التاريخ اليهودي الغني للعراق وما يمثله ذلك لشعب العراق".
يبدو أنّ الأصوات العراقية المنادية بالسلام مع إسرائيل بدأت تتعالى في البلاد، رغم سيطرة المليشيات الإيرانية على محافظات عديدة، وكانت آخرها مواقف صادرة عن حزب سياسي جديد يحمل إسم "25 أكتوبر" ويعتزم الدخول في المعركة الانتخابية المقرر إجراؤها في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2021. ورأت مينوهين أن الحنين إلى الجالية اليهودية يعكس رغبة العراقيين لاستقرار وازدهار العصر الذهبي لبلدهم في النصف الأول من القرن العشرين، على عكس الواقع الحديث لبلد يعاني من مشاكل جمة، وعقود من الحكم الوحشي لصدام حسين والتدخل الأميركي، والحرب الأهلية، ثم "داعش".
وعلقت "هآرتس" بأنه "على الرغم من مرور عقود على مغادرة الجالية اليهودية للعراق عقب تأسيس دولة إسرائيل العام 1948، مازالت الذكريات اليهودية لبغداد حية". وفي محاولة لجذب العراقيين، تعرض الصفحة بكثافة تاريخ اليهود في بغداد أوائل القرن العشرين، وتقاليد مجتمعاتهم، والأحياء التي سكنوها.
واعترفت الصحيفة هنا بأنه رغم تطبيع العلاقات مع السودان والمغرب والإمارات والبحرين، فإن شعوب هذه الدول تبادل الإسرائيليين "قليلا من الحب" باستثناء الإمارات. وعقبت مينوهين": "الوضع مختلف بالنسبة للعراقيين، فالسلام الذي نحاول تحقيقه هو من القاعدة إلى القمة: هناك دفء حقيقي واتصال بين الشعبين"، زاعمة أن حملات وسائل التواصل الاجتماعي الإسرائيلية "سارعت في نشر هذا الدفء".
وبحسب التحليلات الإسرائيلية، أدى ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وسقوط نظام صدام حسين العام 2003، إلى فتح قنوات اتصال جديدة بين الشعوب التي مازالت دولها من الناحية الفنية في حالة حرب، مثل تلك بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، و"في ظل غياب العلاقات الدبلوماسية، سعى البعض إلى إعادة الاتصال بأصدقائهم وجيرانهم القدامى".
وكمثال على هذا التواصل، أشارت "هآرتس" إلى مجموعة "الحفاظ على اللغة العراقية" في "فايسبوك" التي تضم 72 ألف شخص، وتركز على الهوية العراقية بين الإسرائيليين، وكذلك جمعية الصداقة العراقية اليهودية التي تضم 12 ألف عضو يتحدثون باللغة العربية، إلى جانب مجموعات "واتساب" أخرى. وقالت مينوهين أن هذا التحول "لم يكن ليتحقق من دون التكنولوجيا".
ونقلت "هآرتس" عن رونين زيدل، المتخصص في شؤون العراق في مركز "موشيه دايان" لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا: "يضيفني العراقيون في فايسبوك كل يوم تقريباً، وننخرط في المحادثات. لقد اكتسبت بعض الأصدقاء الجيدين عبر ذلك".
وعبر الصفحة تتم مشاركة كل شيء من موسيقى نجم الروك الإسرائيلي دودو تاسا إلى وصفات حساء الكبة الحمراء، والنكات العراقية والعبارات الدارجة. ويحظى المحتوى بنسبة تفاعل إيجابية عطفاً على طبيعته غير السياسية على الإطلاق. فعلى سبيل المثال نال مقطع فيديو 24 ألف إعجاب، ويظهر فيه الإسرائيلي المولود في البصرة سامي خضوري هلالي ليناقش بلغة عربية متقنة، أحد أكثر الفصول المروعة في تاريخ اليهود العراقيين، وهي حادثة شنق بغداد لتسعة يهود بتهمة التجسس، ومن بينهم شقيقه نعيم البالغ من العمر حينها 21 عاماً.
ورغم ذلك، مازال الكثيرون يرفضون بشدة هذه العلاقة. فكتب أحد العراقيين مثلاً أن الصهيونية كانت مسؤولة عن تمزيق نسيج العراق متعدد الثقافات. وقال آخر أنه يدعم إعادة تجنيس اليهود ضمن المجتمع العراقي، لكن هذا يختلف عن إقامة علاقات ثنائية بين العراق وإسرائيل حسب قوله. وتبقى العلاقات بين البلدين في العموم واحدة من المحرمات.
وبقدر ما حاولت مينوهين أن تتجنب السياسة، فإنها تبقى دائماً في خلفية كل ما تقوم بنشره. وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، نشرت الصفحة مقطع فيديو يظهر "قطار تطبيع" يصل إلى العراق بعد مروره بالدول العربية صاحبة الاتفاقيات الثنائية مع إسرائيل. وطرحت الصفحة سؤالاً وسط ما زعمت أنها دعوات في وسائل الإعلام العراقية للانضمام إلى النظام الإقليمي الجديد: "ما هي الفوائد التي تراها في تطبيع العلاقات مع إسرائيل؟".
وتلقى المنشور أكثر من 10 آلاف إعجاب وأقل بقليل من 10 آلاف تعليق في غضون أسبوع واحد. وأوضحت مينوهين أن المنشور وصل إلى أكثر من 6 ملايين شخص وأثار "نقاشاً حقيقياً"، لكن الانقسام كان واضحاً في التعليقات، فبينما تحدث البعض عن الفوائد الاقتصادية لإقامة علاقات مع إسرائيل وعن التعب من العداء الذي لا ينتهي. قال آخرون أن التخلي عن القضية الفلسطينية يرقى إلى مرتبة التنازل عن الكرامة.
المصدر: المدن