أحداث ثقافية أخرى
فنان لبناني لا يعييه البحث في أسرار المادة
ميموزا العراوي
الأربعاء 10 شباط 2021

يجمع الفنان اللبناني شربل صامويل عون بين العمارة والتشكيل، موضوعا لاشتغالاته الفنية المتنوّعة التي تنطوي على بحث بصري مناهض للسائد ومناصر للطبيعة، إضافة إلى تقديمه اقتراحات جمالية تؤلّف ما بين الأيكولوجي والاجتماعي.
 
 
لم يتوقّف الفنان اللبناني المتعدد الوسائط شربل صامويل عون عن مُساءلة المادة المُؤلِّفة، التي نشأت منها الأشكال والأبعاد الفلسفية في أعماله الجديدة التي أطلعنا عليها قبل أن يتم عرضها، أو حتى قبل أن يأخذ القرار النهائي بعرضها.
 
أعمال تشي ببحث شخصي جدا يستحيل أن يشاركه فيه أحد، إلّا الصمت والوحدة من خلال اعتبارهما “شخوصا” مُرافقة له وساهرة على بحثه.
 
ناسك المادة
 
في خضم عالم تفنى ملامحه المُعتادة يوما بعد يوم وتعمّ فيه التساؤلات، بعد أفولها لعشرات من السنين، عن ماهية الإنسان والإنسانية ومصيرها، وذلك ليس لتناقص منسوب الفضول البشري بل لتصاعد منسوب الغرور عند الإنسان وتعاظم حسّه بأنه مالك العالم والمسيطر المطلق عليه، كان لا بد في خضم ذلك كله أن نتذكّر أعمال الفنان شربل صامويل عون التي قدّمها سابقا في صالات فنية مُختلفة، وأن نتواصل معه اليوم حول جديد قد يكون أنجزه أو هو بصدد العمل عليه.
 
يُمكن وصف الحديث معه بأنه كان، أولا، شائكا، لأنه كان بحد ذاته شبيها بطريقة تعامل الفنان مع إنجازه الفني. فعمله يتمثل بشكل خاص في محاولة تلمس أي طريق مُمكن أن يسير فيه على ضوء سراج شبيه بسراج الفيلسوف ديوجين الذي ابتعد عن التجمعات البشرية وتقاليدها، واعتبر أن الحكمة تكمن في الاستقلال عن المدنية والعودة إلى الطبيعة والبساطة.
 
ويُذكر في هذا السياق أن الفنان ولد وترعرع في قرية صغيرة على صوت العصافير ونمو الأشجار المحيطة حتى جاء اليوم الذي بدأ يجتاح الإسمنت والبناء العصري الفضاء والأرض المحيطة بمنزله.
 
عندما اختنق الجو في محيط منزله، ولكونه كما قال في إحدى حواراته الصحافية “فنانا وفلاحا”، أخذ يزرع الأرض الملاصقة لمنزله بأنواع مختلفة من الأشجار والنباتات.
 
كانت الأسئلة التي طرحناها على الفنان هي حول إمكانية وجود أي نفق قد يؤدّي عمله الفني إليه، وعمّا إذا كان هذا النفق، في حال وجوده، منيرا بشكل من الأشكال؟
 
وكان واضحا عبر إجاباته أنه تبنّى طريق البحث الشامل عن ماهية الماديّ عبر تلازمه لغير الماديّ أو إفضائهما لبعضهما البعض.
 
وفي هذا البحث المُتمثل بمعظم أعماله الفنية السابقة وكل أعماله الجديدة التي أطلعنا عليها، كاد الفنان ألّا يرى في أعماله سياقا “فنيا” واضحا. فالبحث، هو فن في حدّ ذاته.
 
عون لا “يعرف” تماما، بل يبحث ويتحسّس طريقه وهو آخذ به بكل حواسه وعقله. لا يهمّه فقط أن يصل إلى أي يقين. فآلية البحث التي يتّبعها هي في متعة الغوص في أصول الأشياء وتلاقيها وإن عبر تصادمها الظاهري في أحيان كثيرة.
 
شكل الحديث الذي جرى معه حول انشغاله الفني الحاضر إثبات جديد على أن سياق ومسار شربل صامويل عون الفني “تاريخيا” رغم صغر سنه (من مواليد عام 1980)، كان دوما غائصا في أصول الأشياء المادية المُشكّلة والمُشكّل بها على السواء والمشرعة أبوابها على نقيضها، أي مفتوحة على عالم من الروحانيات لم يتمّ حتى الآن، على الأقل بالنسبة إليه، تحديد تجلياته بشكل واضح. لذلك يحلو لنا أن نطلق على الفنان لقب “ناسك المادة”.
 
فالمادي الذي يتناوله بعمق ويشتغل عليه بوفرة يستحيل إلّا أن يأخذ المُشاهد إلى أفكار تتعلق بالفناء والولادة وما بعدهما، والعكس صحيح.
 
أعماله المشغولة كانت ولم تزل إما مشغولة بمواد طبيعية كالحجارة والخشب وأغصان الأشجار الدقيقة والغليظة والرمل والتراب، وإما استوحت من تلك المواد أو استحضرت منها تفاصيل حاك بها الفنان عالمه الفني المُعقّد والبسيط في آن واحد.
 
في أكثر من مناسبة ذكر الفنان أن أعماله لا تريد أن تكون نخبوية، هذا بالنسبة إليه الناسك في أحوال المادة والمُنصت إلى نبضها وتقلّباتها في هيئات وطيّات الطبيعة الباطنية والخارجية ولكنها، أي أعماله، نخبوية في معالجاتها وليس من منطق توجهها المقصود إلى النخبة بل بسبب تعدّد مستوياتها وتداخلها تداخلا حثيثا توالدت منه الرموز والإشارات المفتوحة على التأويل.
 
تشكيل صوفي
 
من الصور الفوتوغرافية التي أرسلها إلينا (وتعتبر عملا تجهيزيا)، صورة بدت فيها فتاة تقف بكاميراها مرتدية قميصا أسود اللون عليه صورة جمجمة. بدت الفتاة واقفة أمام حفرة في التراب بشكل طوليّ، مستطيل وضيّق. حفرة أضاءتها شموع موضوعة بداخلها. خلفها وقف الفنان وكانت ملامحه غير واضحة.
 
وفي صورة أخرى، تعتبر أيضا عملا تجهيزيا استوفى شروط “تجهيزيته” كلها، ظهر الفنان داخل هذه الحفرة وهو بكامل يقظته وقوته آخذا وضعية المُسجّى واقفا. ومن الأعمال أيضا لوحات تشكيلية غلب عليها اللون الرمادي، نابضة بحياة صامتة وتعد بقيامة لا ريب فيها.
 
بعضنا قد يتذكّر وهو ينظر إلى تلك الصور، ولكن ضمن سياق ومنطق أعمال الفنان الأخرى، الصوفيّ الشهير ابن عربي حين كتب فتوحاته المكية في باطن حفرة مقصود بها القبر، وما تمور فيه من حياة “غيبية” وشديدة الغموض.
 
يمكن أن نقرأ أعمال الفنان اللبناني بطرق مُختلفة، لا بل متناقضة، ومع ذلك لا نستطيع إلّا أن نقرّ بأن عون ابتكر عالما شديد الغموض فيه كمّ هائل من السوداوية، ولكنه في الآن ذاته مُنتج لرؤية جديدة قوامها استقبال الكآبة وكأنها فرح آت، وخلاص موعود لا محالة.
 
شربل صامويل عون قدّم العديد من المعارض في لبنان وفرنسا والإمارات وإيطاليا وتركيا؛ من بينها “نزوح الهشاشة” (بيروت 2015)، و”من التراب” (باريس 2015)، و”فقدت الربيع” (بيروت 2012)، و”نبض” (دبي 2011)، و”التدفّقات” (بيروت 2010) وغيرها من المعارض الدولية والمحلية.
 
 
 
 
المصدر: العرب اللندنية