"نقد العقل الكلبيّ" لبيتر سلوتردايْك.. الحياة في بُعدها التهكمي
المدن
الإثنين 28 كانون لأول 2020
يصدر قريباً عن منشورات الجمل كتاب "نقد العقل الكلبيّ/ المجلّد الثاني" لبيتر سلوتردايْك، ترجمة ناجي العونلّي...
بيتر سلوتردايك؟ الملّقب بـ"النيتشوي-الجديد" و"الفيلسوف الساخر"، ولد العام 1947 في مدينة كارلسروه في ألمانيا، واعتبر أحد أهم الفلاسفة على قيد الحياة، وكتابه "نقد العقل الكلبي" هو ما ضمن له الخلود وأكسبه شهرة واسعة في كل البلدان الغربية تقريبًا وصولاً إلى اليابان. وهو في ضجيجه الفلسفي يشبه بعض الفلاسفة مثل السلوفيني سلافوي جيجيك، والفرنسي ميشال أونفري، وتستغل كتاباته إمكانات الإثارة إلى حدودها القصوى.
يُعدُّ سلوتردايك، الأقرب لنجم إعلامي في بلده الأم، شخصيةً جدليةً في ألمانيا والمجتمع الفلسفي عموماً. منذ كتابه الأول “نقد العقل الكلبيّ” عام ١٩٨٣، الذي استكشف فيه النزعة التشاؤمية الساخرة في التاريخ الأوروبي، راق لسلوتردايك اتخاذ مواقف متمرّدة، مُناهضة لأيقونات وبعض شعارات الليبرالية. جعل سلوتردايك الفلسفة تتحدث على لسانه للجمهور و"تكف عن مواصلة الحرب الأهلية التي شنها أفلاطون ضد العامة وتحولت إلى عُرف فلسفي حتى عصرنا الحالي تثوي خلف مسميات عدة لاهوتية أو إيديولوجية" بتعبير الصادق العبدلي، بيد أن الفلسفة الحقيقية هي التي تنبع من تمردها على ذاتها التي شبهها نيتشه ذات مرة بـ"المومس" والتي أشار إليها سلوتردايك بـ"القونية" أو "الكلبية القديمة" التي سكّها ديوجين وجسدها كتجربة تعاش ولا توصف. هي وحدها الفلسفة الجديرة التي ينبغي العودة إليها والنهل من منابعها الأصيلة حتى تصير الفلسفة تمردا وسخرية ومقاومة. و"لم يسأم بيتر سلوتردايك تكاليف الحياة في عصرنا اليوم" بما هو "عصر كلبي من كلّ أنحائه".
درس سلوتردايك سنة 1968 الفلسفة والأدب الألماني والتاريخ في مونيخ وهامبورغ وفي سنة 1971 قدم رسالة الماجستير بعنوان لا يخلو من غرابة "البنيوية بما هي تأويل شعري" وفي سنة 1972 كتب مقالا فلسفيا عن فوكو بعنوان حول "ميشال فوكو؛ والنظرية البنيوية في التاريـخ"، وله الكثير من المؤلفات المثيرة للجدل. وإلى جانب عمله أستاذا للفلسفة وعلم الجمال في جامعة كارلسروه، يعد سلوتردايك من أبرز أعلام النقد الثقافي في أوروبا، ونجح في نقل الفلسفة إلي التليفزيون (ساحة أثينا الجديدة) منذ عام 2002 من خلال قناة الألمانية، التي تستضيف أصحاب الفكر والرأي لمناقشة قضايا المجتمع والعالم برؤية فلسفية ابداعية في برنامجه الشهير "المربع الفلسفي".
مسرحُ ظهور الكلبيّة الجنسانيّة وتقطّباتها إنّما ابتكرته الإيديولوجيات المثاليّة في الجنس التي تعزو إلى الجسم دورا منحطّا بالنسبة إلى "المشاعر العليا". كيف حصل بالتفصيل، هذا الفصل بين الجسم والنفس وبناءُ تراتبيّة، هذا ما سيكوّن بابا مركَّبا في تاريخ العادات والنفس. ونحن يجب علينا أن ننطلق من نتيجة هذا التاريخ، من ثنائيّة النفس والجسم واختلافهما، من الوجدان والتناسل، من الجنسانيّة والنسل، من الأعلى والأسفل– حتّى وإنْ كنّا نريد التسليم بأنّ هذه الثنائيات لا يجب أن تدلّ في كلّ المجالات، على تعارضات متعادية.
إحدى أقوى النظريّات الغربية في الحبّ، الأفلاطونيّة التي ما يزال لها (باتّصالها مع المسيحيّة) تأثيرٌ [462] إلى أيّامنا هذه، تطرح أيضا مسألةَ أصلَ انقسام الجسم والنفس، والفصلِ بين الجنسين؛ ولما كان أفلاطون لا يريد أو لم يمكنه أن يفصّل القولَ في هذا الباب، فإنّه توخّى ضربا من الاقتضاب. إذْ حينما لا يريد المرء أن ينتج قصصا تاريخيّة طويلة، يستعين بأسطورة قصيرة تجمع الأساسيّ من الصور. لنستمع إلى حكاية الخنثى في محاورة المأدبة لأفلاطون:
في البداية، كما يقول أفلاطون، وهذا موجود في شعر أسطوريّ وضعه أرستوفان على لسان أحد ضيوفه، كان الإنسان كائنا كفيًّا بنفسه على الصعيد الجنسيّ، كائنا كاملا، خنثى يجمع سائر صفات الأنثى والذكر. كانت للإنسان في أصله أربعة أرجل وأربعة أذرع ووجهان، وكان مدوَّرا مثل كرَّةٍ، وكان يملك الأعضاء الجنسيّة للذكر والأنثى معا. وعلى هذا، فمن يا ترى سيستغرب من أنّ هذا الحيوان الخنثويّ كان معتدّا بنفسه بما له من فكرة خارقةٍ عن ذاته؟ غير أنّ الآلهة الحسودَ جعلت تفكّر في الطريقة التي بها يمكن أن تعاقب هذا الكائن الهجين. وبواسطة منشار، شقّ هذا الكائن الأصليّ إلى شطرين بشريّيْن. وسمّي نصف بالرجل والنصف الآخر بالأنثى، وكُتب على كلّ نصف أن يلهثَ بنفس منفطرة وراء النصف الآخر الذي فُصل عنه، حتّى يتبيّن لهما أنّ الجزء ليس هو الكلّ وأنّ الإنسان ليس هو الإله. مذّاك، صار كلا نصفي الكائن البشريّ يبحثان عن مساعدة من الإيروس الذي بوسعه أن يوحّد الجزأين اللّذين ينتمي أحدهما إلى الآخر، ويعيد للبشر طبيعتهم الذاتيّة.
إنّها حكاية ساخرة لا يمكن أن نسيء فهمها إلاّ بكيفيّة واحدة، أعني متى وقع تأويلها على أنّها تعبّر عن السذاجة. ذلك أنّ حكاية الخنثويّة تشكّل في سلسلة الخطابات عن الإيروس [463] المحطّة الشعريّة الساخرة، وإذن مجرّد لحظة أو طورٍ للحقيقة. لا بدّ أن يعبَّر أيضا عن الحقيقة بهذه الطريقة، ولكن ليس البتّة بهذه الطريقة وحسب. في المحاورة الأفلاطونيّة يحدث نوع من فكّ الشفرة الساخر المتبادل بين الشعر واللغة الفلسفيّة– ترجمة الحماس إلى حصافة والحصافة إلى حماس (وهو ما يصدق على كثير من الأساطير التركيبيّة، أي تلك الأساطير التي تنعكس في لغة عقلانيّة بديلة). لن نفهم بالتمام الكلبيّة الشعريّةَ لهذه القصّة إلاّ إذا تذكّرنا إلى أيّ حدّ كانت الحضارة الإغريقيّة أمْثَلت الجسمَ الإنسانيَّ ومجّدته. فالرّواي يقدّم لأصدقائه في أثناء المأدبة، مسخا هندوسيّا بثمانية أطراف ووجهيْن، نموذَجا أصليّا لشكل بشريٍّ تامّ، وفوق كلّ ذلك، مدوّرٍ مثل كُرَّةٍ، غيرِ قادرٍ على طور الوقوف الذي كان مع ذلك، يشغل كثيرا الإتيقا الجسميّة عند الإغريق. ومن المحال أن نتصوّر أيَّ شكل كان سيتّخذ في الألعاب الأولومبيّة.
ينكشف البعدُ التهكّميُّ في القصّة حالما نتبيّن أنّ الكمال يبدو على أنّه نقص، أعني نقصا في الجمال. لذلك تحمل قسوة الآلهة التي تشقّ إلى نصفين الغول الأصليَّ النرجسيّ، من جانبٍ الدلالة على العقاب، ومن جانب آخرَ منظوريّةً إبداعيّة. ذلك أنّه من الفصل بين الرجل والمرأة ينشأ في ذات الوقت وبسخرية إلهيّة، جمالُ الجسم الإنسانيّ. وهذا الجمال وحده هو الذي يوجّه الشوق. وقبل أن يُقسم إلى اثنين، لا يستطيعُ بعدُ ذلك الكائن الذي في شكل الكرّة أن يخوض تجربة الحبّ، لأنّ الجمال لا يوجد فيه بعدُ، الجمالَ الذي يستحقّ عذاباتِ الشوق والهيام. لذلك لا يمكن لكمال فعليّ أن يغدو ممكنا في الوحدة الثانية التي تنشأ عن اتّحاد الطرفيْن المفصوليْن [464]، وهو كمال ما يزال غائبا في الوحدة الأولى من جرّاء نقص الجمال. مذّاك، لا بدّ أن يشارك الإيروس، إله الرغبة في الاتّحاد وسكرة الجمال، في اللعبة، إذا ما تعيّنَ أن يحصل اتّحاد[1]. إنّه بعد الفصل فقط يمكن للأجسام الإنسانيّة أن تتعانق ويحتضن بعضها بعضا في رغبة ولذّة.
[1] جدليّة الكمال: في الكامل لا يزال يوجد نقص؛ وإذن يجب المزايدةُ على كمال البداية بكمال الغاية –مرورا باضطراب أو تعكّر. هو ذا ما يكوّن شكلا أساسيّا لفنطاسيّات الحركة الجدليّة: ذروةٌ أولى "فُقدت" تُستعاد ارتقاءً إلى ذروة ثانية أعلى.
المصدر: المدن