جان هامون: وحده الترويج هو الفن
روجيه عوطة
الخميس 17 كانون لأول 2020
لمن يحب الطواف على قدميه في باريس، من الممكن أن ينتبه الى صورةٍ، يظهر فيها شاب، لا يتعدى العشرين من عمره، اسمه جان هامون، وقد عُلّقت في عدد من الشوارع. هذه الصورة، تبدو، وعند التفرج عليها من بعيد، أنها متروكة لمرشّح من زمن انتخابي مثلاً. لكن، وبما أنها، وبثباتها على الجدران من أعلاها، لا تحمل أي إشارة الى ذلك، فهي تدفع الى التوقف عندها، والتساؤل مباشرةً عن صاحبها. مَن هذا الشاب، الذي يبدو تلميذاً في الثانوية؟ من هو هامون الذي تنتشر صورته نفسها بأحجام كثيرة أينما كان؟
الإجابة على هذا الاستفهام، الذي لم يتوقف طرحه منذ أن برزت صورة هامون للمرة الأولى، إجابة شافية للغاية: إنه فنان. أما صورته إياها، فهي عمله الفني، الذي قد يصح وصفه بالوحيد. بالتالي، حين يعلقها، فهو يعرض عمله هذا، لكن ليس في صالات المؤسسات المعنية، إنما في الطرق، على واجهات المحلات، على ألواح الإعلانات إلخ. على هذا النحو، فإن فِعلَ هامون، بما هو تعليق صورته، هو إبداعي، أو بالأحرى هو فعل يحاكي الفعل الإبداعي، يحاكيه بالسخرية، وبهذا، يبدو من قبيله، كما أنه، وفي الوقت نفسه، لا يبدو كذلك. بعبارة مختصرة: فِعلُ هامون هو ضحك على الفن. بهذا يحتج عليه، وبهذا يضاهيه. لكن، لماذا يحتج؟
يتوجه احتجاج هامون على تلك المؤسسات، بحيث يجد أنها تمسك بالفن، وتضبطه في قنواتها. بالطبع، موضوع الاحتجاج هنا بديهي ومعروف من دون أن تُنقص بداهته والدراية به من قيمته. الا أن ما يهم، في جهة تبنيه من قِبل هامون، أنه يبديه على طريقته. ففي حين يرى أن الفن ما عاد له أي وجود سوى بين المؤسسات، سوى في قنواتها، فهو يبديه كما هو، كما صار: أي أنه غرض معد للترويج. وهذا، ليس بمعنى "البوب"، إنما بتفاهة هذا المعنى. وحالته هذه لا تطاول العمل الفني فحسب، بل صاحبه أيضاً. فالفنان وعمله هما ذلك الغرض، الذي يأخذ مطرحه في القنوات المؤسساتية على أساس رواجه فيها، وترويجها له.
من هنا، هامون، وبتعليق صورته، يروج لذاته، كما تفعل المؤسسات في قنواتها حيال الفنان داخلها. أما عمله، فلأنه كناية عنه، لأنه صورته التي لا تتبدل، فيبدو متطابقاً معه الى درجة يصعب فصله عنه. فالعمل هو فنانه، والإثنان هما هذه الصورة التي يروج لها من دون أي تغيير. بالتأكيد، احتجاج هامون على حالة الفن، من خلال إبدائه كما هو، لا يحصل بوضعه صورته أينما كان فحسب. إنما أيضاً، وبالتحديد، على واجهات الغاليريهات والمتاحف. فها هو يعرض صورته على "باليه دو طوكيو"، ثم على "لوفر"، وقبله على "بيروتان". وفي النتيجة، يذهب بها الى كل هذه المؤسسات، التي، وفي بعض الأحيان، يصمم دعوات تشير الى أنه ينظم معارض داخلها من دون أن يكون ذلك أمراً فعلياً، إنما يقوم بالمحاكاة والإضحاك.
على أن هامون، وباحتجاجه ذاك، يضاهي الفن، بمعنى أنه، في الواقع، يقدم على عمل منه. وهذا العمل، وغير أنه ضرب من الاعتراض، يمكن الوقوف عليه من جهة بعينها من جهاته، وهي أنه يفتح الباب-وهو باب مفتوح مسبقاً، لكن ليس في هذا المجال- على فن مختلف، هو الفن الترويجي.
ببساطة، هامون، وبإقدامه على عرض صورته، لا يروج لها كعمله فقط، إنما، وبالإضافة الى ذلك، يقدم تصوره عن الترويج، وبطريقة أخرى، هو يجعل الترويج فناً في حد ذاته، بحيث أنه مضاد لذاك الذي ترتكز عليه المؤسسات بإنكاره. فمع هامون، صار الترويج ضد ترويجها. أما غرضه، فهو بمثابة صورة منعكسة عن أغراضها. وفضلاً عن ذلك، أصدر هامون عملته أيضاً، "hamoney"، ليصير فناناً "مستقلاً" بكل ما لهذه الكلمة من معنى مبتذل في الخطبة المؤسساتية وقنواتها.
المصدر: المدن